المركز العربي للتحليل السياسي - رئيس المركز المحامي ادوار حشوة

The Arabic Center for Political Analysis - President Adwar Hachwa Attorney in Law

 Home   The Author   Books      Articles       Forum     News  Literary Articles   Syrian Pictures     Content     Contact us

     الاتصال       دليل الموقع          صورسورية         مقالات ادبية            اخبار      اعلن رأيك      مقالات            كتب        الكاتب   الصفحة الأولى

 

 

 

 

 

 

  دولـة الذين يحكمـون باســم الله

من دولة الذين لا يخافون الله إلى دولة الذين يحكمون باسمه !
ادوار حشوة : ( كلنا شركاء ) 29/7/2006
 

من التراث إن أبا جعفر المنصور عين والياً على أحد الأمصار، وكان هذا الشخص غير محمود السيرة، ولا نظيف اليد ، ولا اللسان، وفي تصرفاته كان عدوانياً . وحين عاتبه بعض المخلصين وأهل الدين، قال لهم : " إن اختياري للرجل من موقع أخلاقكم ودينكم ، قد يكون اختياراً سيئاً ... ولكن ، من منظوري فهو الأمر الحسن تماماً" فلما سألوه الخبر ، قال لهم : " هذا الرجل يخافني ولا يخاف الله"
أراد المنصور أن يوضح لهم أن مصلحته لا تتوقف عند دين، أو خلق ، لأن ما يهمه تابع يتبعه وينفذ أوامره، ويحفظ دولته متجاوزاً الأخلاقيات والأديان والعواطف! وحين يكون التابع متحرراً من مخافة الله، فإن كل جرائم القتل والتعذيب والتشليح والنهب ، تكون مبررة لديه ويذهب إليها بدم وقلب بارد والمهم أن تكون موجهة إلى خصوم معلمه الذي يخافه ولا يخاف الله من أجل مرضاته! المشكلة أن الأدبيات العربية لم تناقش هذا الموضوع، ولم تندد به ولا تعتبره جزءاً من حقوق السلطان الذي هو وكيل الله على الأرض !
أخذ كل الحكام العرب على امتداد التأريخ المشروعية الدينية من مثل هذه التصرفات ، فكان لكل حاكم "حجاج" ، ولكل سلطان سياف وجزار، وكلهم أعمدة إسناد في خيمة السلطان ودولته.
في الرستن ، حين غادرها الأتراك بعد دخول فيصل والقوات البريطانية، وجد أهل الرستن أنفسهم بلا"مربوطية" ، فلا فيصل وصل إليهم والأتراك ولوا الأدبار هاربين. العقل العربي في الرستن، أراد تأسيس سلطة شرعية ريثما يعرف الناس مربوطيتهم السياسية لأية جهة ، فاجتمع أهل الحل، والعقد، من عائلات الرستن، وانتخبوا سلطاناً مؤقتاً. ولكي يكون لهذا السلطان المشروعية السياسية أصدر الفرمان الأول موجهاً للناس لكي يطيعوا ويعوا.. وقال: أنا سلطانكم الجديد وقد عينت فلان جلاداً! سلطان من دون جلاد ليس سلطاناً في التراث العربي، لأن الترابط بين الدولة والقمع كان تأريخاً مستمراً أثر على الفكر أيما تأثير وصار من عادات الضمير العام.
الآن وقد توزع العرب إلى ملكيات وجمهوريات وسلطانات وإمارات ... كلهم أخذوا معهم شيئاً من هذا التراث وأحبوه. ولأن هذا التراث صار من عرف المنطقة فإن الناس الذين اعتادوا على السلطان الذي يحيط به كثيرون من أمثال والي المنصور .. صاروا لا يشعرون بأهمية سلطان يخاف الله. ويحملون حنيناً دائماً إلى حاكم يجلدهم ولا يسمح لقوانين الله أن تعرقل مهمته المقدسة . حاكم متدين وعادل يأبى الظلم ويمارس الفضيلة وسياسة التسامح والغفران كان يمر في التاريخ العربي كغيمة ممطرة في الصحراء كل قرن أو أكثر ..
لا أعرف سبباً لهذا الحنين الشعبي إلى الأقوياء من الحكام غير امتداد فترات الظلم والقمع الأمر الذي أسس لمملكة الطاعة التي تحولت مع الزمن الطويل لاستمرارها إلى ما يشبه العرف والعادة التي يتعامل على أساسها الناس على أنها حق وصواب وما عداها باطل .. مملكة عبد المطيع! .
أن يستمر الحكم العرفي في بعض الدول العربية مدة نصف قرن بالتمام والكمال ويمنع أي اجتماع ويعتقل الناس من دون قرار قضائي وأن تصادر أموالهم وأرزاقهم إدارياً وأن يحرموا من حق الدفاع ومن القضاء ومن أي شكل من أشكال العلاقة مع ما هو خارج السجن فإن من الطبيعي أن يصبح الناس معتادين على هذا الشكل العرفي ..
أذكر أنني قلت مرة مازحاً أن استمرار الأحكام العرفية لم يعد بدون أنصار فقد اعتاد الناس عليها كمبدأ من مبادئ الطاعة الواجبة لأي سلطان إلى درجة أننا يمكن أن نتوقع إذا ما تم إلغاؤها أن تخرج التظاهرات الشعبية الكاسحة مطالبة بإعادتها لا من أجل الأمن بل لأنهم بالاعتياد وقعوا في حبها! . لو أحصينا في المجتمع العربي، وعلى امتداده الأدوات الشبيهة بتلك التي اختارها سلفنا الصالح جداً أبو جعفر المنصور علينا ، والتي سفكت دماء الناس واعتدت على الكرامات والحريات وحولت المجتمع العربي إلى سجن أكبر من أي سجن في العالم لفوجئنا بأن العرب دخلوا فعلاً "كتاب غنيس للأرقام القياسية" في العالم في هذا الإبداع .
ومع أن مجتمعنا يدعو يومياً الله ويناديه ويناجيه ويصلي له مرات في اليوم ويصوم من أجله ويأمل بعدله وغفرانه إلى درجة قد يظن فيها الآخرون أننا شعب الله ، ولاهم ولا برنامج لدينا غير التسبيح بحمده واسمه بكرة وظهراً وأصيلاً فإن اختبار الواقع العربي سيكون مفجعاً لان أحداً لم يعتد على حقوق العباد أكثر منا ولا أحد سفك الدماء أكثر منا ولا أحد جنّد هذا الحشد الكافر من الذين لا يخافون الله أكثر منا .. ومع ذلك وحيثما توجهت تسمع الله .. الله .. الله أكبر .. قد تكون الصورة قاتمة ، ولكن لا توجد أبدية لأية حالة قمع في التاريخ .
من التراث ، يجب أن نأخذ ما هو مشرق " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً " أما الذي يخاف السلطان ولا يخاف الله فيجب أن يدان ولو جاء من أي سلطان أو خليفة، أو مجتهد ، ومن أي دين أو طائفة أو مذهب .
وعلى مبدأ أنه لا يصح إلا الصحيح ، فإن أبا جعفر المنصور يستحق لقب مؤسس "دولة الذين يخافون الحكام ولا يخافون الله" والمشكلة أن تكاثر هؤلاء جعلهم شريحة كبيرة وصار لهم أسنان وأتباع . ويبقى أن الله قد يرسل إليناً مصلحاً يلقي بهم إلى مزبلة التاريخ.
أما دولة الذين يحكمون باسمه فهي في تراثنا وواقعنا أمر وأدهى .. كل الحكام العرب .. على امتداد التاريخ العربي كانوا يعتبرون أنفسهم لا خلفاء الرسول في حكم الله بل الحكم باسم الله وبإرادته أخذوا السلطة وبالتالي فالطاعة لهم واجبة كما هي لله ..
هذا الوضع جعل كل الخلافات السياسية بين الفئات المتصارعة تحتاج إلى غطاء ديني وسبب ديني في حين أن العائلية والعشائرية والصراع على السلطة هي محور هذه الخلافات .
هذا الغطاء الديني أدى إلى نشوء مذاهب متعددة فحزب آل البيت صار طائفة شيعية والذين يريدون ديمقراطية ليس من شروطها العشائرية ولا آل البيت ويشترطون في الحاكم التقوى صاروا طائفة الخوارج ..
تسلح الحكام العرب كلهم وبمختلف طوائفهم بالنص الديني ( وأطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم) صارت طاعة ولي الأمر الحاكم من طاعة الله والخروج عن طاعته هو الكفر وصار الحاكم يملك بهذه الطاعة الواجبة شروط التقديس فتوحدت في شخصيته السلطات الدينية والزمنية وتحول إلى فرعون ! ..
وحين خرجت حركة العقل على هذا المفهوم وقالت المعتزلة على لسان إبراهيم النظام
( إن طاعة ولي الأمر ليست مطلقة بل مشروطة بطاعته للرسول ولله أولاً وحاكم لا يتقيد بالرسول ولا يطيع الله لا طاعة له على الناس الذين من حقهم أن يخرجوا على طاعته وأن يخلفوه ! .
وقد أبيدت حركة العقل هذه بكافة أنواعها وتربع الحكام العرب على عرش القداسة ثم تدبروا أمرهم بتشجيع وخلق مجموعة من رجال الدين أفتت بان الحاكم الفاجر لا يجوز خلعه وعقابه عند الله في الآخرة فكان نشوء حركة ( المرجئة) التي تقول بطاعة الحكام المطلقة على أن يكون حسابه مرجئاً في الآخرة عند الله إذا ظلم وخالف الشرع .. !!
وهكذا صارت طائفة المرجئة كالحرس القومي في الأنظمة الحزبية الحاكمة اليوم وقمعت كل رأي آخر بوحشية تستند إلى مشروعية الطاعة في الدين .. ثم مع الزمن انتقلت القداسة من الحكام إلى رجال الدين فصاروا يطلبون الطاعة لهم أيضاً واعتبروا أنفسهم مقدسين لا يجوز مجادلتهم لا بما هو سيء ولا بما هو حسن ..
ومع تدخل رجال الدين في السياسة توحدت السلطتان الدينية والزمنية فيهم وحلوا محل الحكام وامتلكوا قدرة فائقة على تحريك الناس من أجل حماية قداستهم . ثم نشأت وبسبب هذه الحالة أحزاب دينية يريد قادتها الحكم باسم الدين اعتبروا سبب فساد الحكام أنه بابتعادهم عن الدين وهم في الحقيقة يريدون دولة دينية يحكمونها باعتبارهم ولاة أمر مفوضين من الله لحكم الناس ..
وهكذا انتقلنا من دولة الذين لا يخافون الله ليحكموا الناس بالقهر إلى دولة الذين يريدون حكم الناس باسم الله وفي الحقيقة يريدون أن يحكموا هم .. وصار الوضع على الساحة شبيهاً بالمسألة الشرقية في الدولة العثمانية وكل الدلائل تشير إلى انقسام حاد ومكلف ومدمر في المجتمع بين وكلاء الله على الأرض وبين من يريد دولة ديمقراطية تحكمها الأحزاب التي تفرز الحكام من صناديق الاقتراع ومن إرادة الناس ..
وهكذا تناوبت على مجتمعنا أشكال حكم مختلفة من دولة الذين لايخافون الله إلى دولة الذين يحكمون باسمه ومن دولة رجال الدين إلى دولة الناس الذين يملكون حرية الاختيار بالديمقراطية .
أما الله العظيم القدير نفسه فهو لم يطلب من الناس غير التقوى والعدل والرحمة والشورى وترك لهم إدارة شؤون دنياهم بالعقل والمصلحة فإلى أين ستقودنا هذه المسيرة الخاسرة على امتداد التاريخ .. هذا هو السؤال .. ؟


 

 

Articles

Copyright 2012 Hachwa
Last modified: 03/19/13 
Hit Counter