المركز العربي للتحليل السياسي - رئيس المركز المحامي ادوار حشوة

The Arabic Center for Political Analysis - President Adwar Hachwa Attorney in Law

 Home   The Author   Books      Articles       Forum     News  Literary Articles   Syrian Pictures     Content     Contact us

     الاتصال       دليل الموقع          صورسورية         مقالات ادبية            اخبار      اعلن رأيك      مقالات            كتب        الكاتب   الصفحة الأولى

 

 

 

 

 

 

العرب والديمقراطية

 ادوار حشوة: (كلنا شركاء) 18/2/2007


وكما أرى لا بد من بنية تحتية للديمقراطية لا نضطر في غيابها إلى اغتيال أي شكل ديمقراطي وهذه البنية هي :
1- إعادة النظر بالتربية السياسية :
جميع أحزاب الساحة العربية لم تهتم بالتربية السياسية وكل حزب كان ولا يزال يدّرس منتسبيه أن لديه الحقيقة الكاملة وأن الآخرين إما في الباطل أو مع الاستعمار . هذا الفرز الشديد القسوة هو المسؤول عن تخريج أجيال من الفاشيين الذين تعلّموا في أحزابهم كيف يتعصبون لحزبهم وبرامجهم وحين يمسكون بالسلطة يطبقون قناعاتهم في وحدة الحقيقة في أحزابهم فيعكسون ذلك على الرأي الآخر إرهاباً وحذفاً . على الأحزاب أن تبدل طريقتها هذه وأن تعلّم المنتسبين إليها أن في كل حزب أو حركة أجزاء من الحقيقة لا الحقيقة المطلقة ولا مانع من أن تقول لأتباعها أن لديها الجزء الأكبر وذلك لكي تؤسس في نفوس أتباعها روح القبول بالرأي الآخر . لا يمكن بناء الديمقراطية بدون الاعتراف بالتعددية وبالحوار معها لذلك يجب أن مسيرة احترام الرأي الآخر وحقّه في الوجود والحرية من المدرسة الحزبية لمنع أي إمكانية لتحول هذه الأحزاب إلى مدارس لتخريج الفاشيين والمستبدين .
2- العمل بالوسائل السياسية :
لا يمكن تصور الديمقراطية في أي بلد بدون اتحادها بالوسائل السياسية كل جنوح للعنف والانقلاب والاغتيال خارج عن الديمقراطية التي تعتمد الحوار والإقناع وتحتكم للتصويت . الوسائل السياسية هي أداة العمل في الأحزاب وحين ترفض هذه الأحزاب العنف وتعتمد الوسائل السياسية في نضالها السياسي فإنها تساعد كثيراً في بناء الديمقراطية وديمومتها .
إن الذين لا يعملون بالوسائل السياسية ينشرون الكره والتعصب ويدمرون الوحدة الوطنية ويجعلون الديمقراطية بعيدة المنال ويعطون كل المبررات لأي حكم قمعي أن يلغي الحريات دفاعاً عن المجتمع ولا نحصد خيراً للبلد أبداً .
3- التعددية السياسية والولاء الوطني :
في أي بلد يكون فيه تعدديات دينية أو طائفية أو عنصرية لا يمكن تطبيق قاعدة واحدة لأن باقي التعدديات ستشعر بالقهر فحين لا يكون الوطن للجميع لا يكون الجميع للوطن لذلك يجب أن يكون هناك قاسم مشترك يمكن تطبيقه على الجميع دون أن يخل بمبادئ المساواة . في الديمقراطيات الحديثة هذا القاسم المشترك هو الولاء الوطني . لكل إنسان الحق في أن يعتز بدينه وطائفته وعنصره ولكن الولاء هو للوطن . نعطي الناس حريتهم ونأخذ منهم الولاء الوطني . هذا القاسم المشترك يسمح بأن يكون الدين محترماً وأن يكون مسألة شخصية . أما التعصب فهو مرض لا ينتسب إلى أي دين أو مذهب لأن الإنسان يمكن أن يكون مؤمناً دون أن يكون متعصباً فالتعصب ليس من شروط الإيمان . لذلك يقف القانون في الديمقراطيات ضد العنصرية والتعصب ويدرّس الأمران للتلاميذ على أنهما من العيوب الاجتماعية ويردعهما القانون .
4- الديمقراطية والاختصاص :
إن المجال الذي تعمل فيه وعليه الديمقراطية هو المجال السياسي وفي هذا المجال تستعمل أدوات هذا المجال وهي الوسائل السياسية وحدها . لذلك ولكي تقوم ديمقراطية صحيحة فإن توزيع الاختصاصات على مختلف التعدديات يصبح حاجة حقيقية لكي لا تكون هناك فوضى تضر بالعملية الديمقراطية وتعطل حرية التعبير عن الإرادة العامة . في الديمقراطية رجال السياسة يعملون في الحقل السياسي ورجال الدين في الحقل الديني ولا مصلحة أبداً في الخلط أو التداخل بينهما . رجال الدين مكانهم المعابد ورجال السياسة مكانهم الأحزاب . لا يحق لرجال الدين أن يعملوا في السياسة ولا لرجال السياسة أن يستغلوا الدين أو يستخدمونه في نشاطهم السياسي ستاراً . هذا الفصل بين المجالين يمكن عدم مراعاته في الكوارث والغزو الأجنبي حيث يتّحد الديني بالسياسي في عملية شاملة وموحدة للدفاع عن الوطن . في الاتحاد السوفياتي وأثناء الغزو الألماني اتحد الحزب الشيوعي مع الكنيسة من أجل الدفاع عن الوطن على ما بينهما من اختلاف وتباعد وفي فلسطين نشهد هذا الاتحاد . إن دمج الديني بالسياسي في غير هذه الظروف يؤدي إلى حلول المقدس الديني محل الاقتراع وهو الأساس في النظام الديمقراطي ويستحيل بعدها وجود تداول للسلطة . هذا الخلط بين السياسة والدين يقودنا إلى استبداد جديد بحيث ننتقل من الاستبداد السياسي إلى الاستبداد الديني ونخسر الديمقراطية وحرية الرأي والحق في تداول السلطة عن طريق التصويت الحر . ليس من المصلحة أبداً أن ينقسم المجتمع بين من يريد دولة دينية وبين من يريد دولة ديمقراطية فمثل هذا الصراع هو نتيجة للخلط في الاختصاص بين الدين والسياسة وهو صراع مدمّر . التيارات الدينية المعاصرة ليست من صنع الاستعمار بل هي من صنع أخطاء الأنظمة العربية وأحزابها التي فشلت في تحرير فلسطين وفشلت في الوحدة العربية وفشلت في تحقيق العدالة الاجتماعية وأنتجت حالة قمعية استباحت بسببها الحريات ..
هذه التيارات قدّمت نفسها بديلاً وتسترت بالدين لتجمع حولها الأنصار وحين جوبهت هذه التيارات بالعنف كان أمراً كارثياً وتصاعدت لأن المطلوب هو أن تصلح الأنظمة العربية نفسها وأن تفتح نوافذ الحرية وأن تذهب إلى العدل الاجتماعي بصدق وأن تتوحد بمواجهة العدوان الخارجي ومن هذا الطريق وحده يمكن هزيمة الهجمة المتخلفة .. بالديمقراطية نهزم التطرف أما العنف فسيزيد الأمور تعقيداً ولن نحصل على السلام الاجتماعي .. بدون أن يصلح اليسار القومي والعربي نفسه فإن هذه التيارات ستستولي على الشارع وأن تنشر المفاهيم القديمة على مجتمع القرن الواحد والعشرين وحين تمسك بالسلطة فإنها ستعلق المشانق لمخالفيها لأن الديمقراطية ليست هدفها بل السلطة . وهكذا سوف ننتقل من الاستبداد القومي أو اليساري إلى الاستبداد الديني ونظل نبحث عن نسمة الحرية بلا جدوى . وفي ظل الأوضاع الراهنة حيث حط المستعمرون بجيوشهم في العراق واحتلوه ومعهم مخطط كامل لاحتلال كل شرقي المتوسط وتفكيك جغرافية بلدانه وتقسيمها ويرفعون شعار مقاومة الإرهاب وشعار الديمقراطية فإن علينا أن نعرّي هذا المخطط وأن نفرق بين ما هو إرهاب وما هو مقاومة مشروعة للاحتلال وأن نذهب بشجاعة إلى الديمقراطية ليس لتلبية لمزاعم المحتلين بل بفعل الحاجة الداخلية لتحقيق سلام اجتماعي يمكن بناء وحدة وطنية صلبة عليه تكون هي قاعدة النضال ضد الغزاة .
الأميركيون لا يدعون للديمقراطية إيماناً منهم بها فهي عندهم مثل أي بضاعة تخضع لاقتصاد السوق فإذا كانت في مصلحتهم رفعوا لها الرايات وإذا كانت ضدهم جاءوا بالجنرالات للإجهاز عليها . المسألة بسيطة ، الحكومات العسكرية الديكتاتورية التي نشرها الأميركيون لمقاومة المد الشيوعي هي التي أجهزت على الديمقراطية وحولت الشعوب إلى رعايا ودجنت كل فكر ورأي وتركت للطبقة الجديدة أن تستبيح الاقتصاد وأن تقضي على الطبقة الوسطى التي هي قاعدة الديمقراطية فانقسم المجتمع العربي إلى طبقتين ، طبقة السلطة التي تملك السلطة والمال وتتحكم بالاقتصاد وباقي الشعب في الطبقة الأخرى فقيراً وعاطلاً عن العمل .
هذا الانقسام الحاد وغير الطبيعي سينفجر طبيعياً والذين يستغلون الدين أقدر على استغلال الطبقة الفقيرة التي اعتادت اللجوء إلى الله بمواجهة الفقر والظلم وهكذا ولدت من رحم هذا الانقسام الحركات الدينية المتطرفة التي استولت على شعارات الأحزاب القومية والتقدمية بمواجهة المستعمرين والصهاينة ،وطرحت نفسها بديلاً ودعت إلى الجهاد وتكفير كل العالم . لذلك وبدلاً من أن يلعب الخارج الاستعماري هذه الورقة يجب أن نلعبها نحن ذاتياً لا كمطلب خارجي بل كحاجة داخلية للوصول إلى الوحدة الوطنية وترتيب البيت العربي الداخلي لمواجهة الاحتلالات القادمة بدلاً من أن تكون في خدمتها .
ورقة العمل الوطني أو الميثاق الوطني المطلوب يمكن أن يتضمن أسساً تقوم عليها وحدة الجماعة والديمقراطية وهذه الأسس الوطنية هي :
1- مبدأ تداول السلطة قاعدة أساسية في الديمقراطية التي تقوم على انتخابات حرة لا يحذف منها أحد ولا يمنع ما دام يعمل بالوسائل السياسية .
2- رجال الدين مكانهم المعابد وهم فيها أحرار ومحترمون .
3- رجال السياسة مكانهم الأحزاب وهم فيها أحرار ومحترمون .
4- لا يجوز لرجال الدين العمل في السياسة ولا لرجال السياسة استغلال الدين في العمل السياسي .
5- لكل مواطن الحق في أن يعتز بدينه وطائفته ومذهبه وعنصره ولكن الولاء هو للوطن أولاًً .
6- القضاء مستقل والعمل السياسي فيه ممنوع .
7- الجيش هو جيش الشعب والعمل السياسي فيه محدود بالدور القومي للقوات المسلحة عبر مجلس خاص ينسق مع السلطة السياسية في القضايا الكبرى لا باعتباره قوة بل لأنه قطاع وطني وهام .
8- الأحكام العرفية لا تطبق إلا في الحرب الفعلية والكوارث وما عدا ذلك يخضع الجميع لسيادة القانون والقضاء .
مثل هذا الميثاق الوطني يوحد الشعب ويدعم عملية التحرير ولا يؤخرها ويوحد الشعب للمقاومة حين يتقدم الاحتلال إلى بلدنا فلا يجدنا أدياناً وطوائفاً بل يجدنا شعباً موحداً قادراً على هزيمته وترحيله وفي هذا الإطار فإن الفرق بين ديمقراطية مطلوبة لتأمين الاستقرار للخارج الاستعماري وبين ديمقراطية مطلوبة للوحدة الوطنية كبير جداً وفي الخيار نحن مع دولة نصنعها ونحبّها ومع ديمقراطية تتولد من وحدتنا لا ديمقراطية يفرضها علينا الاستعمار وليس أمامنا متسع طويل للاختيار . فمـاذا نختـــار ؟
هذا هو الواقع للديمقراطية في المجتمع العربي وهذه هي التحديات التي تواجه العاملين من أجلها وتلك هي بعض الأفكار المساعدة على صعود الديمقراطية وعلى بقائها ومثل هذه الأفكار ليست مفروضة على أحد ومن المفيد والضروري أن يدور الحوار حولها فقد يدفع الحوار إلى أفكار أفضل وما يهمنا ليس تسويق أفكار محددة والدفاع عنها بل في الوصول إلى حلول يشارك فيها أكبر عدد من المفكرين والعاملين في الحقل السياسي من أجل تحصين العملية الديمقراطية وحمايتها من هجمات المستبدين الذين يريدون الاستبداد السياسي أو الاستبداد الديني ولا يريدون الحرية أبداً .
هذه المحاضرة إذن هي دفعة باتجاه هذا الحوار لا تدعي الكمال ولا تدعو إلى فرض الآراء وكل حالة تنسجم مع العقل والمصلحة يجب الانتقال إليها والمهم أن لا نتجاهل المشاكل بل نذهب إليها بكل الشجاعة والصفاء الوطني لكي تنتصر الديمقراطية ..
وسوف تنتصر وسوف تنتصر .

Articles

Copyright 2012 Hachwa
Last modified: 03/19/13 
Hit Counter