المركز العربي للتحليل السياسي - رئيس المركز المحامي ادوار حشوة

The Arabic Center for Political Analysis - President Adwar Hachwa Attorney in Law

 Home   The Author   Books      Articles       Forum     News  Literary Articles   Syrian Pictures     Content     Contact us

     الاتصال       دليل الموقع          صورسورية         مقالات ادبية            اخبار      اعلن رأيك      مقالات            كتب        الكاتب   الصفحة الأولى

 

 

 

 

 

 

 

ادوار حشوة

المحـاكمــة

الطبعـة الأولـى

شـباط 2004

  

مطبعة جرمانوس - بيروت
المقدمــــــة

المحاكمة والخيال السياسي

ينتظر العالم محاكمة الرئيس العراقي صدام حسين, بعضهم يستعجل تصفيته ثأراً منه وبعضهم لا يريد لأسرار كثيرة أن ترى النور وتقلق بعض المراكز والأطراف وتشكل حرجاً, وبعضهم يريدها سريعة لتكشف حقائق الاعتقال ومخططات الحرب النفسية التي أعدت في مطابخ المخابرات للاستفادة من الحدث وتوظيفه سياسياً لصالح حملة الرئيس الأميركي الانتخابية بعد أن تدهورت معدلات التأييد له إثر المقاومة التي قادها شعب العراق ضد الاحتلال والتي تبين منها أن توقعات الرئيس الأميركي باستقبال جنوده الفاتحين بالأرز والأزهار كانت من الأحلام التي لم تدرس تاريخ العراق..

مما لاشك فيه أن الرئيس المعتقل يملك وهو في القيود أسراراً لا يريد المحتلون أن تباح للعالم في محاكمة علنية في ظروف الانتخابات الأميركية واستعصاء الحل السياسي لأزمة السلام في المنطقة.

وحين تكون المقاومة فاعلة على الأرض وحين لا يكون مع بقاء المحتلين أي فريق فاعل حتى الذين ارتضوا التعاون مع سلطة الاحتلال. فإن ما يقوله الرئيس العراقي قد يشجع على تصاعد المقاومة.

لذلك ولأن هذه المحاكمة قد لا ترى النور ولأنها قد تنتهي بتمثلية قتل يتم إخراجها انتحاراً.

ولأن الأمور قد تأخذ هذا الطريق وتضيع حقائق كثيرة يجب أن ترى النور فإن الخيال السياسي الشعبي يستطيع أن يستحضر المحاكمة وأن يسجلها وأن يجعل إسدال الستار عليها أمراً صعباً لأن الحدس الشعبي قادر على تقديم تصوره للأحداث وقادر على استحضار الأرواح والشهود وعلى صنع المحاكمة المستحيلة التي يتناوب الحكم فيها المحتلون والصهاينة والعملاء وأصحاب الثأر الشخصي.

هذا الحدس الشعبي وبالخيال السياسي يتجاوز الشخص المعتقل أو المنتحر أو المقتول انتحاراً إلى الحقائق السياسية عن أسباب الحرب ومن خلالها يكشف عملية إعادة ترتيب المنطقة تحت يافطة الإرهاب العالمي للوصول إلى الأهداف الاستراتيجية الكبرى في تقاسم الأرض والنفط بحيث يكون للأميركيين النفط العربي ويكون للصهاينة مساحات من الأرض الجديدة والنفوذ فيها, لتحقيق المشروع الصهيوني للسيطرة على شرقي المتوسط.

من هذه الزاوية فإن محاكمة الرئيس العراقي يجب أن تكتمل فعلاً أو خيالاً لأن المهم ليس قطع الرؤوس بل كشف الحقائق السياسية في لعبة الأمم في الشرق الأوسط وهو الأمر الذي يجب أن يكون في متناول الشعب العربي والعالم.

هذه المحاكمة لا تستهدف الدفاع عن الديكتاتورية ولا تتوقف عندها لأن الآخرين في المنطقة لم يحكموا شعوبهم بالديمقراطية ولا كانوا من الملائكة ولأن الذين كانوا يختفون وراء هذه الديكتاتوريات هم الذين يحتلون الأرض اليوم..

المحاكمة تستطيع أن تضخ إلى العالم الموقف الشعبي الذي يغرق بين الاحتلال والديكتاتورية بحيث لا يعني رفض الديكتاتورية قبول الاحتلال وفي الخيار الوطني لا يعني رفض الاحتلال أن الديكتاتورية هي الصواب وهي الحل. وهذه المحاكمة ليست في أهدافها ما يستدعي الشك في براءة الكثيرين ولا في إجرامهم بل تستهدف استخدام الحقيقة للخروج من مأزقي الاحتلال والديكتاتورية معاً بحيث لايكون الأمر استبدالاً للديكتاتورية بالاحتلال الذي يجب أن يبقى مرفوضاً, ولا استبدالاً للتعصب القومي العربي بالتعصب القومي الصهيوني أو إسباغ المشروعية عليه.

محاكمة الرئيس صدام حسين شعبياً لا تهمل السلبيات ولا الإيجابيات في كل المواقف لأنها ستكون حيادية وفي خدمة التاريخ الذي لا تستطيع مطابخ السياسة أن تزوّره ولا أن توظفه لصالح المصالح الاستعمارية والمطامع الصهيونية في عملية إعادة ترتيب العالم وترتيب العرب والنفط والإسلام..

رحلة في الخيال السياسي.. ولكنها تمتلك قدراً كبيراً من حقائق الحياة السياسية المعاصرة وكما أن للآخرين أن يؤرخوا على هواهم فإن الشعب يستطيع في أحلك الظروف أن يكتب تاريخه وأن يقول في الكثيرين ما لم يقله مالك في الخمر كما يقول المثل.

إنها مسرحية شعبية سياسية تروي قصص الحروب والشعارات والصراعات من منظور تاريخي بحيث يراد لها أن يكون العراق.. لا صدام حسين هو المتهم..

كان العراق على امتداد التاريخ الولد المشاغب في التاريخ العربي وكان موئلاً للمعارضة السياسية وكان الخارج على الأنظمة والحكام وكان هماً يؤرق الحكام والخلفاء والسلاطين لأنه مشبع بروح الاستقلال ولأنه يمثل النزوع إلى الحرية والسيادة.. العراق لم يصنعه أحد ولا أحد يستطيع تدميره لا بالديكتاتورية ولا بالاحتلال لسبب بسيط هو أنه صانع التاريخ.

21 / 10 / 2003



 

في تشكيل المحكمة

في واشنطن اجتمع الرئيس بوش ومسؤولة المخابرات الأميركية رايس وقائد الجيش الأميركي وممثل شركات النفط وممثل الشركات الكبرى وممثل المصارف لتقرير المحاكمة ومكانها وهؤلاء عملياً هـم المكلفـون بإعـادة ترتيـب النفـط والعـرب والإسـلام والعـالم.

بين هؤلاء جرى الحوار التالي :

الرئيس بوش : نجتمع اليوم لبحث موضوع محاكمة صدام حسين لنقرر ما هو الأفضل لمصالحنا في هذا الأمر وأحب أن أستمع إلى آرائكم في هذا الشأن.

السيدة رايس : أرى أن نبدأ في تحديد نوع المحاكمة هل ستكون محاكمة صدام كمجرم حرب ضد الإنسانية أو كمجرم عراقي ضد شعبه..؟

الرئيس بوش : وما هو الفرق ما دمنا سنحاكمه نحن في الحالتين لا العالم ولا العراق.. وقرار المحاكمة هو قرارانا في النهاية !.

السيدة رايس : هذا صحيح سيدي الرئيس ولكن إذا قررنا محاكمته كمجرم حرب ضد الإنسانية فنحن مضطرون لترحيله خارج العراق إلى أوروبا ليحاكم أمام نفس المحكمة التي حاكمت رئيس يوغسلافيا السابق وحكمت عليه!.

قائد الجيش : أعتقد أن محاكمته كمجرم حرب ضد الإنسانية أفضل لوضعنا العسكري في العراق لأن مثل هذه المحاكمة في العراق والتي ستكون علنية قد تستفز المشاعر الشعبية في العراق فيكون الحصاد المزيد من المقاومة فليس معقولاً تجاهل الكرامة الوطنية حين يحاكم رئيس عراقي تحت ظل الاحتلال الأجنبي للبلد بحيث يمكن أن يكسب عطفاً متزايداً لسنا في حاجة إليه..

ممثل الشركات : أخشى إذا تمت المحاكمة في العراق أن يحصل تبديل نوعي في أشكال المقاومة بحيث يتجه العراقيون إلى تدمير مستمر لخطوط النفط التي تمتد طويلاً ويصعب حمايتها وحالياً نواجه تدميراً كل شهر وفرق الطوارئ جاهزة للإصلاح, ولكن إذا ركز العراقيون على هذا النوع من العمليات باستمرار فإن توقف الإمدادات النفطية أمر يجب توقعه.

الرئيس بوش : ما رأيكم إذا تركنا محاكمته للعراقيين!

السيدة رايس : سوف يعدمونه بساعات تماماً كما كان يفعل مع خصومه ولن ينتظروا استقبال الحقائق منه ولا معرفة شبكات المقاومة التي أعدها.. وهذا يشكل إحراجاً عالمياً لنا.

قائـد الجيش : على أي حال فإن مصيره سيظل معلقاً برقبتنا فنحن بموجب قرار مجلس الأمن قوة احتلال تملك مشروعية دولية (جاءت بعد الغزو) والعالم سيعتبر قتله بهذه الطريقة ولو بأيدي عراقية مسؤوليتنا نحن..

السيدة رايس : أوافق السيد الجنرال على ذلك, كما انه حين نضخ إلى المنطقة والعالم رغبتنا في إقامة بناء ديمقراطي ودولة قانون فإن مثل هذا الوضع قد يدل على عدم المصداقية..

ممثـل النفط : أقترح أن نبقيه في السجن وأن نؤخر محاكمته إلى حزيران المقبل 2004 حين نحقق خطوة الانتقال في تسليم العراقيين بعض سلطة الحكم, ففي هذه الحالة تكون المسؤولية القضائية على عاتق العراقيين وتزول المخاوف من الادعاءات بعدم المصداقية فالذين سيحكمون عليه هم العراقيون وما يطبق عليه هو قانونهم.

الرئيس بوش : في هذا الأمر قد نضطر مع استمرار العمليات إلى تأجيل نقل السلطة التي قد لا تستطيع ضبط الأمور بدون حضورنا الفعال وفي هذه الحالة قد يتأخر الأمر كثيراً وتلاحقنا لجان حقوق الإنسان في العالم لإنجاز المحاكمة ويبقى أمره معلقاً.

ممثل الشركات : مع أن هذا الأمر لا يدخل في اختصاصنا إلا أن كارتل النفط يرى سرعة حسم هذا الأمر لصالح استقرار عملية الاستثمار فما دام هذا الرجل حياً فهناك رموز كثيرة متعلقة به ستستمر في إزعاجنا..

قائد الجيش : ما هو صحيح أن أحداً لا يستطيع الانتصار علينا ودحرنا وهزيمتنا ليس في العراق ولا في المنطقة كلها ولكن على امتداد العالم.. ما هو ممكن هو إزعاجنا باستمرار وقتل جنود قلائل منا كل شهر.

السيدة رايس : عندما يكتمل بناء الجيش العراقي الجديد ومؤسسات الأمن الجديدة فإن العبء على قواتنا سيكون أخف كثيراً ويمكن أن نحدد مواقع قواتنا في معسكرات بعيدة ومحمية جيداً بحيث لا تتدخل إلا حين تفشل القوات المحلية الموالية وهذا يخرجنا عن حدود المسؤولية نسبياً.

الرئيس بوش : ما رأيكم إذا تم ترتيب عملية انتحار لـه يتم الإعداد الفني لها من قبل المخابرات الأميركية بحيث نتخلص من همّ محاكمته ونجعل النهاية أن الرجل حكم على نفسه وفي هذا المجال توجد طرق عديدة لا يمكن اكتشاف القصد الجرمي فيها خاصة إذا تم الاستعانة بخبرة جنائية وطبية تعزز وقوع الانتحار..؟

السيدة رايس : هذا الأمر يمكن أن يكون احتمالاً وارداً ولو أن أحداً في العراق أو في العالم العربي أو العالم سيصدقه.

الرئيس بوش : حسناً لنحتفظ بهذا الاحتمال بحيث يطبق عند الضرورة ولكن على السيدة رايس أن تعد الخطة, أما غضب العالم فلا يهمنا ونحن أساساً تجاهلنا هذا العالم عند غزو العراق..

قائد الجيش : أعتقد أن المحاكمة يجب أن تبدأ والانتحار إذا نفذ يجب أن يتم خلالها لا قبلها خاصة بعد أن نقدم للعالم قائمة بالجرائم التي ارتكبها ونستخدم الإعلام العالمي في هذه الحرب النفسية حتى إذا جاء الحدث فإنه سيكون نتيجة لهذا الكشف لا بسببه, وأي سجين يعرف مصيره قد يلجأ إلى الانتحار وهذا من طبائع الأمور.

الرئيس بوش : في هذا الحالة وبعد أن نسلط عليه حقائق جرائمه ومقابره الجماعية وتصفيته للخصوم وفساد أهل بيته وعدوانهم على الأعراض والأموال ستكون الصورة الوحشية لـه ولنظامه أمراً مساعداً على عدم الترحم عليه لا في العراق ولا في العالم..

قائـد الجيش : علينا أولاً أن نقرر أين نحاكمه فإذا قررنا أن يحاكم في العراق فمثل هذا الانتحار سيكون ممكناً ولكن إذا سلمناه لمحكمة جرائم الحرب في أوروبا فإن هذا الأمر مستحيل..

السيدة رايس : أوافقك على ذلك سيادة الجنرال والأفضل أن نحاكمه في العراق على أن يكون لنا الدور الأول في تقديم المعلومات وقيادة حملة الاتهام فإذا وجدنا قبولاً عراقياً واقتناعاً دولياً فلا بأس أن يحكمه العراقيون في محكمتهم وينفذون فيه حكم الإعدام وإذا استعصت علينا الأمور وشعرنا بأنه سيربك الوضع الداخلي ويزيد من فاعلية المقاومين ننفذ المخطط الانتحاري!

الرئيس بوش : حسناً نحاكمه في العراق وفق تصور السيدة رايس التي على عيونها أن تراقب الوضع وعلى أن يكون لنا دور في اختيار الحكام من المعارضين لنظامه والذين استهدفهم مع عائلاتهم بوحشيته.

السيدة رايس : هل ستكون المحكمة العراقية عسكرية أم نجعلها جنائية عادية ؟

الرئيس بوش : ما الفرق؟ ما دمنا نملك كل أوراق اللعبة؟

قائـد الجيش : محكمة عسكرية ولو كانت عراقية ستشكل إحراجاً لنا ما دامت قواتنا في العراق والأفضل محكمة عراقية جنائية عادية تطبق القانون العراقي فهذا يعطي الانطباع بعدم مسؤوليتنا..

الرئيس بوش : محكمة جنائية عادية وفي العراق مع كل التحفظات التي ذكرها الجميع والمهم السرعة في إغلاق هذا الملف ليكون درساً لكل القادة في المنطقة الذين يحلمون بالنجاة بأرواحهم إذا وقفوا ضدنا. أشكركم على هذه المساهمات وأرجو إبلاغ قواتنا والسيد بريمر والأجهزة الأمنية بهذا القرار وتصبحون على خير..!


 

بريمر والمجلس المصغّر

السـيد بريمر وأعضـاء مجلس الحكـم الانتقالي المصغـر المكون مـن أحمـد الجلبـي وعبـد العزيـز الحكيـم وجـلال الطالبانـي ومسـعود البرزانـي وعدنـان الباجـه جـي..

السـيد بريمر : دعوتكم اليوم للبحث معكم في شأن محاكمة الرئيس المخلوع صدام حسين فالرئيس بوش أبلغني أنه ينظر بتقدير كبير إلى رغبتكم في محاكمة صدام في العراق وفي محكمة عراقية يكون تسمية حكامها بالاتفاق معي ويرى الرئيس أن تكون محكمة جنائية عادية مكونة من قضاة من المدنيين.. لذلك أرغب في أن أسمع منكم بعض الآراء حول تنفيذ هذه الرغبة.

جلال الطالباني : أعتقد أن الإجراءات القضائية العادية طويلة وتستغرق وقتاً وفي القانون العراقي الجنائي نصوص تسمح للمتهم أن يوكل محامياً أو أكثر وأن يأخذ وقته فالقانون العراقي استلهم هذه الضمانات من القانون المصري الذي استلهمه من القانون الفرنسي.إذا طبقنا القانون العراقي سوف نواجه بمجموعات من المحامين من العراق ومن البلاد العربية والأجنبية تتقدم للدفاع بحيث تتحول المحكمة إلى ميدان لا نعرف نتائجه على الساحة الداخلية.. إنه أمر صعب أن نحاكمه محاكمـة عاديـة وأقتـرح محكمة ميدانية عراقية لا تتقيد بالأصول والقانون فالرجل مجرم حرب ولا يستحق هذه الضمانات المخصصة للجرائم العادية.

عبد العزيز الحكيم : إنه لأمر غريب أن تطالبونا بمحاكمة عادلة وقانونية لرجل لم يتقيد لا بالقانون ولا بأي شريعة وكان يصفي خصومه أحياناً بيده وأحياناً بواسطة أجهزته.. كان صدام هو الحاكم الوحيد الذي لا يوجد عنده معتقلون سياسيون لأنه ما أن يشك بأحد منهم حتى يقوم بقتله ولم يستعمل المحاكمة يوماً. أقترح سيدي بريمر أن نحاكمه في محكمة ميدانية عراقية وسريعة لا تستغرق إلا أياماً وننتهي منه فهذا أفضل لنا منن فتح الملفات ومن هجمات الإعلام العربي والفضائيات في العالم ولكل منها أهداف لا تصب في صالح الاستقرار.

مسعود البرزانـي : إذا كان صدام لا يحاكم الناس ويقتلهم فمن الضروري أن يرى الناس الوجه الآخر في تصرفاتنا لأننا إذا كنا سنكون مثله فالناس سوف يتساءلون عن الفرق بيننا وبينه.. ولذلك أقترح محاكمة عادية ولو استغرقت وقتاً طويلاً لأننا سوف نستطيع كشف حقائق الوضع القاسي والوحشي وسوف نكسب احترام الناس والعالم.

عدنان الباجه جي : من منظور ديمقراطي أنا مع الأخ البرزاني فحين ندعو إلى ديمقراطية دستورية ودولة قانون فلا يجوز أن نبدأ هذه المسيرة بمجزرة لسنا في اضطرار لها والمحاكم الميدانية تكون حاجة حين لا يكون بيدنا أدلة على الوحشية وعلى الضرر الكبيـر الذي أوقعه الرجل في المنطقة والعراق وكلها جرائم لا تترك مجالاً أمام أي قاض عادل إلا أن يحكم بإعدامه ليس بقوة الاحتلال ولا بإرادة القيادة السياسية العراقية بل بقوة القانون الذي لن يترك لـه غير مرافعات دفاعية دعائية يسقط بعدها في الجرم الكبير.. لذلك أرى أن تكون المحكمة عادية وعراقية وجنائية وليس عندنا ما نخفيه فالأمور والجرائم أكثر مما تعد ولدينا مئات الشهود والحوادث التي يمكن توظيفها ليس في التجريم ولكن في خلق الجو الشعبي الذي سيؤدي إلى تضاءل مساحة المؤيدين لـه في العراق والبلاد العربية والعالم, وفي هذا المجال لا ضرورة للسرعة لأننا لن نفبرك عليه الجرائم ومن المصلحة أن يشعر الشعب أن دولة القانون فوق كل حاكم ورئيس وهذه هي القاعدة الأساسية في الديمقراطية الدستورية التي وعدنا الشعب بها والتي وعد الرئيس الأميركي أن تكون نموذجاً جديداً في الشرق الأوسط الذي انهكته الديكتاتوريات.. من أجل عراق ديمقراطي نموذجي يشكل مركز إشعاع للحرية علينا أن نتقبل مخاطر امتداد المحاكمة وما يتسرب منها للإعلام لأنه في النتيجة سنقضي عليه بقوة القانون..

أحـمـد الجلبـي : ما هذا الهراء.. إن صدام حسين وعصابته من البعثيين لا يستحقون هـذه الحمايـة القانونيـة التي داسوهـا بالأقدام وعلقـوا المشانق واستباحوا المحرمات وشردوا أبناء العراق ودمروا المنطقة وهدروا ثروة العراق في حروب غير عادلة.. أعتقد أن التصفية السريعة لكل هذه الرموز والأتباع هي الحل الذي يجب أن لا نتوقف لحظة في تحقيقه خاصة حين يوالي هؤلاء المقاومة ويستغلون الدين في الحرب ضد من يسمونهم الكفار.. إن المحكمة الميدانية العراقية وحدها هي الحل ويجب أن لا نترك مجالاً يتنفس منه الإعلام العربي والعالمي ليخلق جواً يمكن أن يساعد على تحقيق أي حالة من العطف على هؤلاء المجرمين..

السيـد بريمـر : الحقيقة أنني في حيرة من أمري ولكن لا ضرورة للخلاف بينكم حول هذا الأمر, فنحن متفقون جميعاً على وحشية صدام حسين وجرائمه وكلنا يريد إعدامه ولكن الخلاف هو على شكل الوصول إلى هذه النهاية التي لا نهاية أخرى لها. ولكن أنا كما تعلمون حاكم للعراق وأتمتع بثقة المركز الذي يمثله الرئيس بوش والذي أبلغني قراره بمحكمة عراقية عادية وجنائية وإذا أبلغته بوجود هذا الاختلاف قد يظن أننا نعاني من مشكلة الانقسام في الرأي وهو أمر لا أريد أن يشوش مخططه الذي درسته معاهد الحرب النفسية في الولايات المتحدة ومراكز القرار فيها ولم يأت إليَّ كرأي يخضع لاحتمالات التغيير..

جـلال الطالبانـي : أوافقك سيدي بريمر على هذا القرار وأقدر حرجك في هذا الأمر ولكن إذا أمكن أن تضع السيد الرئيس بوش في الصورة العراقية للوضع فقد يرى فيه بعض الصواب ونحن على أي حال نتحاور ولا نفكر أبداً في وضع العصي في عجلات المخطط الذي أعدته الولايات المتحدة بعناية ونحن نثق بقدرتها فلديها خطوط دولية ومصالح وربما تعرف أكثر منا أي شكل للمحاكمة هو الأفضل..

عبد العزيز الحكيم : شخصياً لا أرغب في أن أبدو معارضاً لتوجهاتكم فأنتم قمتم بجهد كبير لإنقاذنا من الطاغية ودفعتم الأموال والدماء ونحن نقدر عالياً موقفكم الذي مد الجسور القوية بيننا ولكن أخشى أن يستثمر صدام وبعض العرب المحاكمة لتحميل الشيعة المسؤولية خاصة وإننا سنقدم للمحاكمة قصصاً وأحداثاً عن التصفيات ولا نريد أن يبدو صدام حسين ضحية بعد أن جعل العراق والمنطقة ضحية لطيشه ووحشيته ومن هذه الزاوية أنا مع السرعة في إغلاق هذا الملف..

عدنـان الباجه جي : أتصور أن تسريع المحاكمة أمر تملكه السلطة العراقية التي بإمكانها أن تضع أصولاً خاصة لمحاكمة الرؤساء بحيث لا يستغرق الأمر زمناً طويلاً ولكن شكل المحكمة وتشكيلها يجب أن يبقى في الإطار القانوني وعلى أي حال نحن نتحاور ولا توجد لدى أي واحد منا خلفيات لعرقلة قرار السيد الرئيس بوش الذي يجب الاستفادة من حماسه لإقامة وضع ديمقراطي مشع نحن بحاجة إليه ليس في العراق بل في كل المنطقة العربية..

أحـمـد الجلبـي : في السياسة لا يجب أن يكون هناك مجال للفزلكات القانونية لكي نحكم يجب أن نحصل على المهابة والقوة ففي الشرق لا يحبون الحاكم الضعيف ولا يرتاحون لسلطة تبدو ضعيفة وغير قادرة على الحسم.. لذلك ومع احترامي الشديد لقرار الرئيس بوش أرغب أن يكون بالإمكان أخذ هذا الرأي بعين الاعتبار ومن جهتي سوف أبلغ السيدة رايس مباشرة فقد تستطيع وحدها أن تبدل في هذا الأمر الذي من الأفضل أن يأتي نتيجة لقرار الرئيس بوش لا بسبب أي اعتراضات نحن لا نريد أن تجعلنا طرفين في المعادلة نحن طرف واحد معكم.

مسعود البرزاني : الأمر أمركم ومسؤوليتكم ونحن نوافق على محاكمة عراقية وجنائية وستكون عادلة لأن ما لدينا من حقائق لا تجعلنا في وضع ضعيف أمام الرأي العام العراقي أو العربي أو الدولي وأنا أؤيد اقتراح عدنان الباجه جي في وضع تشريع خاص لأصول المحاكمة التي يجب أن لا تستغرق وقتاً طويلاً ولا تسمح بأي ردود فعل داخلية..

السـيد بريمـر : أشكركم على هذا الحوار وأرجو أن يبقى سراً بيننا وأن لا يتسرب إلى باقي أعضاء مجلس الحكم فنحن نعتمد عليكم كقيادة مصغرة في الأمور الحساسة ولا نريد أن يعتقد الآخرون أن دورهم من الثانويات لأن هذا يخلق جواً من عدم الثقة ولا يفيدنا في تنفيذ ما اتفقنا عليه..

جلال الطالباني : أوافقك سيدي بريمر ونحن نجهد لتأمين تأييد شعبي لموضوع وحدة العراق في إطار كونفدرالية تعطي الطمأنينة لمشاعر الاستقلال في القطاع الكردي ونقدر ظروفكم في تأجيل هذا الاستقلال الذي يخلق لكم مشاكل مع الدول في المنطقة ونحن نحرص على ثقتكم وصداقتكم والمهم أن نتخلص بسرعة من هذا الطاغية ومن يريدون إعادة تمثيل دوره ونعتمد عليكم وما ترونه حسناً فهو عندنا حسن وما تريدونه سراً سيكون سراً ولا خلاف حول ذلك..!

مجلس الحكم الانتقالي

اجتمع مجلس الحكم الانتقالي بصورة عاجلة لبحـث موضوع محاكمة الرئيس صـدام حسـين برئاسـة الرئيس الانتقالي في زمن انعقاده.

الرئيس العراقي الانتقالي : دعوناكم اليوم بصورة عاجلة لبحث موضوع واحد في جدول الأعمال هو محاكمة الرئيس المخلوع صدام حسين.. وأرى أن يتولى جلال الطالباني تقديم صورة للوضع..

جـلال الطالـبانـي : كان في الإدارة الأميركية رأي بأن يحاكم صدام حسين كمجرم حرب أمام المحكمة الدولية على غرار محاكمة الرئيس اليوغسلافي, ولكن من جهتنا اعترضنا على ذلك وطالبنا بمحاكمة صدام حسين في العراق لأن جرائمه الأساسية ارتكبت في العراق وضد شعبنا في الشمال وضد شعبه في الجنوب واستباح الحريات في كل العراق وقام بتصفية خصومه وأقام حكماً ديكتاتورياً لا مثيل لوحشيته في العالم.

المهم أن الإدارة الأميركية تقديراً منها لكرامة الشعب العربي وحقه وافقت على طلبنا أن تكون المحاكمة في العراق وهذا إنجاز لنا نحن مجلس الحكم الانتقالي الذي يعبر عن إرادة الشعب العراقي.

عبـد العزيز الحكيم : مع تقديرنا للمخاطر التي قد تنجم عن المحاكمة العلنية التي سوف يحضرها المراسلون من كل أنحاء العالم والتي قد يستغلها البعض لإحداث الفتن إلا أن ما لدينا من شواهد وأحداث تستطيع أن تكسب الرأي العام العراقي والدولي خاصة وأن المقابر الجماعية هي جزء بسيط من المسلسل الوحشي الذي نفذه الطاغية وأتباعه من البعثين الذين يجب أن ينتظرهم نفس المصير.

مسـعود البرزانـي : لو أننا وافقنا على محاكمة دولية فمعنى ذلك أن المشكلة هي بين العالم وصدام حسين في حين أن قبول الإدارة الأميركية مشكورة بمحاكمته في العراق تجعل مشكلته مع شعب العراق وأما تصرفاته الأخرى مع الدول المجاورة فهي امتدادات لهذا السرطان لذلك أرى أن نكون موحدين في دعم هذا التوجه لأنه جاء بطلب منا ونال موافقة الرئيس بوش الذي كانت إدارته تفضل محاكمة دولية.

عضو انتقالي إسلامي : أعتقد أن صدام حسين الذي استغل المشاعر الدينية وكتب على العلم العراقي الله أكبر يجب تعريته دينياً لكي لا يبدو كمدافع عن الإسلام السني وبالتالي أقترح أن تكون المحاكمة وفق أحكام الشريعة الإسلامية فنقطع يديه على السرقات أولاً ثم نقطع رأسه أخيراً على الوحشية..

عضـو انتقالي شـيوعي : لأن جرائم صدام ذات امتدادات أممية وأساء إلى سمعة الاشتراكية في العالم وتوزعت حروبه على دول عديدة في المنطقة وعلى دول العالم التي تداعت لتنفيذ قرار مجلس الأمـن ضـده في حشد عالمي مكون من /38/ دولة عام /1991/ فإنني أرى أن تكون محاكمتـه أممية يشارك فيها العالم في الحكم عليـه كما شـارك في الحروب ضده عام /1991/ وعام /2003/..

عضو انتقالي دستوري : نحن في الحركة الدستورية الملكية نرغب أن نكون على الحياد ولا نريد التصفيـات العنيفة فقـد كفانا ما تم في العراق مـن مـذابح منذ سقوط الملكية عام /1958/ وما جرى خلال ثورة تموز من قتل وسحل للعائلة المالكة وللقادة ونرغب بالوصول إلى وضع نحصر فيه المسؤولية بصدام حسين وأقل عدد ممكن من أتباعه النافذين وأن نترك مساحة للغفران لاسترداد الذين انخرطوا في مسيرته خاصة وأن معظمهم كان يبحث عن وظيفة وعمل في ظروف لم تتوفر فيها حرية الاختيار لأحد.

لذلك أرى أن المهم ليس مكان المحاكمة ولا نوع المحكمة بل المهم أن نملك الإرادة على عدم توسيع مساحة العنف المضاد للوصول إلى وضع دستوري لا يشعر فيه أحد بالقهر لأن الأمور يجب أن لا تكون تبادلاً للأدوار بين ظالم ومظلوم بل للوصول إلى دولة دستورية ملكية يحكمها القانون في المستقبل أما الماضي فيجب أن نتفق على إغلاق ملفه على أساس أن كل من يقبل بمبدأ تداول السلطة ويقبل بالعيش في إطار دولة القانون يجب أن يكون بإمكانه ممارسة العمل العام والقبول بنتائج الاختيار الديمقراطي.

أحـمـد الجلبـي : مع احترامي لأفكار الأخ الدستوري فإنني أرى أن سياسة اللين والتسامح مع هؤلاء ستجعلهم يتنمرون ويعيدون مخططهم لإحداث الانقلابات والثورات للوصول إلى الحكم وأحسن شيء نفعله هو أن نقضي عليهم وعلى أفكارهم وحزبهم فهذا أفضل شيء للعراق لأن هؤلاء ما أن يشعروا بالأمان حتى يعلقوا مشانقنا جميعاً ويسحلون أولادنا وأحفادنا ومن العبث التفكير بالديمقراطية والتسامح مع هذه الغابة من الوحوش.. أما بالنسبة للمحاكمة فأنا أرى أن نشكر الإدارة الأميركية التي خطت خطوة باتجاه الموافقة على طلبنا لمحاكمته في العراق فيجب أن نقدر هذا الإنجاز ونقبل به حتى إذا تبين لنا تفاقم العنف والمقاومة والإرهاب فيجب أن نوسع دائرة المحاكمة وفي هذه الحالة سيكون الأميركيون في صفنا وفي النتيجة سيقبلون بالتصفية لأنه لا خيار غيرها. أقترح في النهاية الموافقة على المحاكمة وفق التعديل الذي طلبناه ولقي موافقة الرئيس الأميركي مشكوراً.

عضو انتقالـي إسلامي : لماذا لا تبحثون في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية على المتهم الطاغية, إن هذا يعطينا مشروعية دينية في ظروف الاحتلال فحين نحاكمه بالقانون العادي سيقولون أن ذلك تم بإيحاء من قوات التحالف ولكن أحداً لا يستطيع مجادلتنا إذا طرحنا أحكام الشريعة التي ستجرده من الادعاءات الدينية التي تستر بها.

جـلال الطـالبـانـي : يا سيد إسلام ألا ترى أن هذا الأمر يصعب على الأميركيين الذين يقودون حرباً عالمية على الإرهاب المتستر بالشريعة والإسلام وإن الأمور إذا سارت في هذا الاتجاه فهي تعطي المشروعية للفكر المتطرف مع أن أحكام الشريعة سوف تدينه بأكثر مما هو موجود في أي قانون عادي وضعي.. إنني أناشدك الموافقة على القرار بالمحاكمة في العراق ووفق القانون العراقي الذي من أهم مصادره الشريعة الإسلامية وهذا يكفي الآن والمهم هو تصفية هؤلاء.

عدنـان البـاجه جي : أرجو من الأخ الشيوعي الانتقالي أن لا يدفعنا إلى ساحة الإيديولوجيات التي مزقت الفكر القومي واستوردت إلى بلادنا الأنظمة الشمولية ومخابراتها وأساليبها.. إن المحاكمة الأممية قد تفيد الخارج ولكن لا تفيدنا نحن في الداخل الذي يجب أن يكون ثأرنا داخلياً وقانونياً فنحن النقيض لأفكار هذا الطاغية وحقنا في محاكمته هو الأول لذلك أرجوك أن تدع الإيديولوجيات والأممية الماركسية بعيداً والمهم العنب لا الناطور..

العضو الانتقالي الآشوري : أحسن شيء أن نغفر لـه ونضعه في الإقامة الجبرية مدى الحياة لكي يعرف فضيلة الرحمة.. من ضربك على خدك الأيمن أدر لـه الأيسر ومن سخرك معه ميلاً أمش معه ميلين نحن بحاجة للرحمة يكفينا ما مر على العراق من قتل وسحل وحروب يا ناس ارحمونا يرحمكم الله....

(( المجلس يضج بالضحك ))

السـيد بريمـر :  لقد طال أمد الحوار وكما أرى أن الجميع يوافقون على المحاكمة في العراق وأحب بهذه المناسبة أن أبلغكم أن جهداً كبيراً من قبلي ومن قبل بعض أعضاء المجلس لإقناع الإدارة الأميركية بصوابية المحاكمة في العراق ولا يجب أن نبدو مختلفين لأن هذا يصب في مصلحة الذين يقومون بالأعمال الإرهابية ليمنعوكم من بناء عراق ديمقراطي ودولة مؤسسات في إطار وضع إقليمي يسوده السلام. توقف بريمر لحظات وهو ينظر إلى أعضاء مجلس الحكم الانتقالي ثم قال : أشكركم على موافقتكم وسوف أبلغ الرئيس الأميركي بوش تعاطفكم مع قراره وشكركم لـه منوهاً أنكم في العراق تملكون صديقاً أميركياً صادقاً في حمايتكم وحماية بلدكم من الطغاة والإرهابيين شكراً لكم وإلى اللقاء...


 

مجلس الحكم يعدل القانـون

اجتمع المجلس الانتقالي وتدارس أعضاؤه في موضوع محاكمة الرئيس المخلوع في محكمة عراقية جنائية تطبق القانون العراقـي .

وبعد البحث أعلن الرئيس الانتقالي مايلي:

حيث أن المحاكمة يجب أن تجري وفق القانون وأن لا يمتد أثرها طويلاً وأن لا تؤثر مجرياتها على الوضع الأمني ومع عدم وجود ضرورة لمحكمة ميدانية فإن المجلس قرر تعديل قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي بحيث ينص على مايلي:

1- يعين مجلس الحكم الانتقالي القضاة الذين سيحاكمون الرئيس وجماعته على أن يكونوا من القضاة أو المحامين المشهود لهم بالنزاهة وعدم الحزبية.

2- يجب أن لا تستغرق المحاكمة أكثر من شهرين على أبعد حد.

3- لا يجوز توكيل أكثر من محام واحد عن كل متهم كما لا يجوز لأي محام غير عراقي أن يتوكل عن الرئيس المخلوع ولا عن زبانيته.

4- المحاكمة علنية ويكون حضورها بموجب بطاقات حضور من رئاسة المحكمة وفي الحدود التي تسمح بها قاعة المحكمة.

5- لا يجوز التصوير في المحاكمة لأي جهة إعلامية ما عدا العراقية.

6- يسمح بحضور مراسلي الصحف والفضائيات بموجب بطاقات حضور من رئاسة المحكمة.

7- تتولى وزارة الإعلام توزيع نص المحاكمة إذا استلزم الأمر ذلك وكذلك ملخص الإدعاء وقرار الحكم.

8- قرارات المحكمة قطعية وغير قابلة للاستئناف والنقض وتخضع لموافقة مجلس الحكم الانتقالي الذي يملك حقي التعديل ووقف التنفيذ.

الرئيس الأنتقالي : هذه هي المبادئ الأساسية في القانون الذي صدر بالتعديل على قانون أصول المحاكمات.

أما أعضاء المحكمة فهم ثلاثة من القضاة أحدهم سيكون كردياً والآخر من الشيعة والثالث من السنة لكي يكون التمثيل القضائي منسجماً مع واقع العراق وتعددياته ونأمل أن يأخذ العدل مجراه..

عضـو انتقالـي : ومن يمثل جن الإدعاء سيدي الرئيس ؟

الرئيس الانتقالي : هو المحامي العام في القضاء ولن يكون عسكرياً كما أشاع البعض فنحن في دولة القانون!

عضـو انتقالـي : من سيتولى حراسة مبنى المحاكمة, إذ قد يقدم الإرهابيون على إطلاق الصواريخ عليه أو اقتحامه بسيارات انتحارية.

الرئيس الانتقالي : الحماية حول المبنى ستكون للجيش العراقي ولعناصر من البشمركة وقوات بدر وستتم في مكان بعيد عن الكثافة السكانية وسيتولى الحلفاء تأمين الغطاء الجوي كما سيقومون بتأمين الأمن على امتداد مساحات برية بعيدة ولا يستطيع الإرهابيون اختراقها أشكركم على تفهمكم للوضع وإلى محاكمة عادلة..


 

المحاكمـة

المكان في منطقة ريفية تم إنشاء سرادق كبير فيها خاص بالمحاكمة تحيطه أسلاك شائكة وأرتال من الجنود العراقيين والشرطة العراقية وعناصر من ميليشات حزب الدعوة والبشمركة الكردية على امتداد خمسـة كيلو مترات من المكان.

قوات التحالف قامت بزرع سور من الألغام حول المكان وأمنت التغطية الجدية القادرة على إسكات أي مصدر للنيران مستخدمة الأقمار الصناعية ووسائل الحرب الحديثة.

في قاعة المحكمة لوحة فوق المنصة (إذا حكمتم فاحكموا بالعدل) وأخرى مكتوب عليها { ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب }.

دخلت هيئة المحكمة متشحة بالسواد وجلس أعضاؤها الثلاثـة على المنصة والمطرقة أمام الرئيس الذي يدعى سليمان صدر الدين الإمام والثاني يدعى إبراهيم الشيخ والثالث مأمون الكردي ودخل خلفهما المحامي العام أياد البغدادي.

ضرب الرئيس بالمطرقة وقال للحضور :ما أريد أن تتذكروه بأن المحكمة لا تسمح لأحد بالتصفيق ولا في التدخل أثناء مجريات الكلام بأي كلمة كما أن التصوير ممنوع وكذلك حمل أية أجهزة اتصال ومن يخالف يوقف فوراً ويحاكم في اليوم الثاني أمام المحكمة بتهمة الإخلال بأمن الجلسات والعقوبات ستكون شديدة وفورية ونافذة.

ضرب الرئيس بالمطرقة وقال للحراس : أدخلوا المتهم صدام حسين ساد الصمت دقائق ودخل الرئيس العراقي صدام حسين وهو يلبس الثياب الخاصة بالسجناء وعليها مكتوب الرقم (1).

أودع الرئيس في قفص حديدي فيه كرسي واحد جلس عليه فوراً.

ضرب الرئيس بالمطرقة على الطاولة : وقف صدام حسين وهو ينظر إلى الحضور متفحصاً الوجوه.

الرئيس : انظر إلى هنا فللمحاكمة أصول..

صـدام : إنني أبحث عن شخص أين هو ؟

الرئيس : أي شخص..؟

صـدام : السيد برايمر..

انتشرت بين الحضور ضحكات صامتة وغمغمة فضرب الرئيس بالمطرقة وقال:

اسمع لقد انتهى زمن الشعارات وكفاك أنك أغرقت العراق بها, نحن أهل العراق وشعبه نحاكمك ولا أحد من قوات التحالف هنا ولا أحد من قوات التحالف في الخارج فاقفل هذه الأسطوانة..

أمامك قائمة بأسماء عدد من المحامين فأيهم تختار ؟

صـدام : قبل البدء بالمحاكمة إنني أعترض على دستورية هذه المحكمة لأن المحتلين هم الذين عينوها, هذه محكمة أميركية وليست محكمة عراقية.

الرئيس : هذه المحكمة شكلت بقرار من المجلس الانتقالي الحاكم.

صـدام : أي مجلس هذا هو الحاكم؟ إنه مجلس معين من قوات الاحتلال فكيف يعطي الشرعية من لا شرعية له ؟

الرئيس : اسمع في القانون السلطة الفعلية هي مصدر الشرعية في كل بلاد العالم..

صـدام : أنا رئيس جمهورية العراق وأنا وحدي أمثل الشرعية.

الرئيس : كان هذا في الماضي أما الآن فأنت مجرم بنظر العدالة وقد وفر لك مجلس الحكم الانتقالي هذه المحاكمة التي لم توفرها يوماً ،لأحد من خصومك الذين كنت تقتلهم فوراً.

صـدام : ومع ذلك فأنا أمثل الشرعية وأنتم نتاج غزو غاصب احتل العراق ولم ينتخبكم لا أنتم ولا مجلس الحكم الانتقالي الشعب العراقي.

الرئيس : أنت وحدك المنتخب إذن..؟

صـدام : نعم أنا منتخب من الشعب لعدة دورات وأنا قانع بأن الشعب انتخبني.

الرئيس : كيف تكون منتخباً وأنت المرشح الوحيد المفروض على الناس وكيف تكون شرعياً وقد سجلوا لك أصوات 99% من شعب العراق في حين أن المشردين من حكمك بلغوا أكثر من مليونين ثم أية انتخابات ديمقراطية هذه التي كنت تطبقها مع حزبك حيث لا معارضة, وحيث لا ورقة بيضاء حتى في الصناديق المزورة ؟

صـدام : هذا ليس صحيحاً والانتخابات تمت وفق الدستور.

الرئيس : أي دستور هذا ؟ ثم أنت بالأساس لم تدخل العمل السياسي من خلال العملية الديمقراطية بل بطريـق الاغتصاب أنتم في حزب البعث اغتصبتم السلطة عام /1958/ وعام /1968/ وأنـت استوليت على السلطة عـن طريـق المخابرات عام /1979/ فأية شرعية مزعومة تدفع بها صحة المحاكمة؟

صـدام : هذه تمثيلية أميركية وأنتم مكلفون بعملية القتل هذه ليست محكمة بل مجلس ثأر.

الرئيس : لقد عينت لك المحكمة المحامي جدعان الأحمد العبود محامياً مسخراً لأن إجراءات المحاكمة تقتضي وجود المحامي عن المتهم في القضايا الجزائية وأنت رفضت اختيار أحد المحامين.

صـدام : أفضل أن أدافع عن نفسي حتى نهاية مجلس الثأر هذا ولا أعترف بالمحكمة ولا بشرعية المجلس الذي عينها ولا بشرعية الاحتلال.

الرئيس : من أين أتتك هذه الشجاعة وأنت كنت مختبئاً كجرذ في حفرة ومعك سلاح ولم تبادر لا إلى القتال ولا إلى الانتحار الذي كان أشرف لك ؟

صـدام : أيها الرئيس المعظم أنا لم أكن في حفرة وكلها تمثيليات أخرجها المحتلون لإهانة الكرامة العراقية, أنا اعتقلت في المنطقة الكردية التي فيها فصائل كانت معارضة للاحتلال وباعني رئيسها للأميركيين بالدولارات وخدرني بالطعام وسلمني للأميركيين مخدراً.. لو كنت غير مخدر وجاءوا لاعتقالي لكان الأمر مختلفاً هذه التمثيلية عن الحفرة جاءت بعد أكثر من عشرة أيام على اعتقالي الذي تم فعلاً يوم جاء بوش إلى العراق بحجة مشاركة الجنود الأميركيين في عيد الشكر.. كفاكم تمثيليات فنحن لسنا في هوليود نحن في بغداد.

الرئيس : تتحدث عن بغداد وأنت الذي لم تدافع عنها وهربت مع حزبك في التاسع من نيسان فدخلها الحلفاء بلا حرب أي حب لك لبغداد التي لم تدافع عنها كما يدافع الرجال!.

صـدام : اسمع يا رئيس المحكمة الثأرية.. من أدخل إلى عقلك أننا لم ندافع عن بغداد؟

المعركة منذ اللحظة الأولى للغزو كانت في بغداد ومحيطها حيث تولى الغزاة تدمير كل مرابط الجيش العراقي الموزع على ثمانية خطوط دفاعية حولها وفي قلبها ريفاً ومدينة وأمطروها بـ 89 ألف طلعة وصاروخ وتولى جيشنا الرد ولكن توازن القوة كان مفقوداً فالأسلحة التي لدينا كانت محدودة وتقليدية والحرب علينا لم يشهد التاريخ لها مثيلاً.

وفي حين أن القوات الغازية ظلت تتعثر في اجتياز مدن الجنوب في أم القصر وغيرها كانت المعركة تدور في بغداد لذلك ليس صحيحاً أننا لم ندافع عن بغداد المعركة بدأت في بغداد.

وحتى في المطار دفعنا بأعداد كبيرة من خيرة الجنود وهزمناهم ولكنهم استعملوا أسلحة كيماوية فتاكة ضدنا بحيث تحولت جثث الجنود إلى هياكل عظمية..

المعركة كانت حقيقية ولكن القوة العالمية والسلاح الحديث كان أقوى من أن يتحمله العراق..

الرئيس : ما دام الأمر كذلك لماذا لم تستسلم منذ البدء وتمنع خراب البلاد وقتل الجنود أم أن السلطة أعمتك عن الضرر الذي أصاب الشعب ؟

صـدام : عندما تبين لنا أن المعركة حققت أغراضها وأن العراق دافع عن نفسه بالحدود التي يستطيعها ولم يدخل المحتلون بغداد في نزهة توقفت كل المعارك ليبدأ نوع جديد من الحرب غير النظامية والتي لن تنتهي أبداً.

لو استمرينا بالحرب داخل بغداد فإن الأميركيين سيقتلون مئات الألوف من المدنيين ولن يتوقفوا.

الرئيـس : نحن هنا لا لنسمع عن بطولاتك بل لنحاكمك على جرائمك ضد الشعب العراقي وضد الجوار والمصالح العربية في المنطقة.

صـدام :  أية جرائم هذه أكبر من جريمة الخيانة والعمالة ومساعدة الأجنبي على احتلال البلد ؟

الرئيـس : كفى هراءً لنستمع إلى جهة الإدعاء سيادة المحامي العام تفضل بتقديم قائمة بالجرائم المنسوبة للمتهم.

المحامي العام : يقف ويخلع نظارتيه ويبدأ بتلاوة قرار الاتهام..

هذا المتهم هو وليد مدرسة انقلابية كما ورد في دستور البعث وتعلم في هذا المدرسة روح الانقلاب على المجتمع وقيمه وقوانينه وقرأ وهو صغير السن تاريخ الانقلابات العسكرية التي قام بها رفاقه في سورية ضد الحكم البرلماني واعتقلوا الرؤساء من شكري القوتلي إلى إعدام حسني الزعيم وقتل الحناوي وترحيل الشيشكلي وكيف مارسوا التعذيب في أقبية مخابراتهم ضد كل صاحب رأي.

هذا المتهم الذي التحق بالبعث في العراق وكان فتى غراً مشبعاً بهذا التاريخ الحافل بالخروج على القوانين والدساتير قاد مع عدد من رفاقه محاولة الاغتيال لعبد الكريم قاسم رئيس العراق يومئذ وأصابه ولم يقتل في شارع السلام وهرب إلى سورية ثم منها إلى مصر.

وعندما عاد بعد أن قام رفاقه بقيادة أحمد حسن البكر وبإعداد من العسكريين والمدنيين بالإحاطة بعبد الكريم قاسم وقتلوه مع أتباعه دون محاكمة, بدأ يتقرب من الجناح المعتدل الذي يمثله ميشيل عفلق مؤسس البعث للحصول على مركز في الحزب.

وفي عام /1968/ قاد البعثيون انقلاباً آخر بالاتفاق مع بعض العسكريين ضد السلطة الشرعية التي يمثلها عبد الرحمن عارف وأسقطوه وقاموا بترحيله إلى تركيا واستطاع وهو الذي تقرب من ميشيل عفلق الذي قربه من أحمد حسن البكر الذي كان يعتبره قائداً شجاعاً, قام باغتيال عبد الكريم قاسم, فسلمه أجهزة الأمن وأطلق يده في تصفية الخصوم فبدا وكأنه حامي البعث من خصومه فقام بترحيل إبراهيم النايف والضباط غير البعثيين وقتل الكثيرين وبدا وكأنه مقصلة النظام التي لا ترحم فحقق استقراراً على قاعدة من الجماجم فيها كل ألوان الطيف السياسي العراقي والعسكري.

حتى رفاقه في البعث قام بتصفيتهم بدم بارد مدعياً أن العناية الإلهية أرسلته لإنقاذ البعث!.

1- هذا الرجل اكتشفت مخابراته تنظيماً سياسياً مناوئاً واخترقته وكان تعدادْ حوالي أربعين سياسياً وحين اكتشفوا أنهم مخترقون أوقفوا نشاطهم وفرطوا عقدهم وذهبوا إلى بيوتهم.

قام صدام باستدعاء الجميع فرداً فرداً مساء أحد الأيام إلى القصر لمقابلة الرئيس أحمد حسن البكر فجاءوا فرادى ووجدوا أنفسهم في القاعة فدخل عليهم صدام وقال لهم تتآمرون علينا وتتفقون مع الرجعيين في دولة الشاه من كان منكم يعترف بالذنب فليخرج من هذا الباب ومن لا يعترف فليخرج من الباب الآخر.

وبدأ الأربعون بالخروج من هنا وهناك ما عدا واحداً من آل السامرائي تمترس في كرسيه صائحاً بأنه استدعى خطأ بين هؤلاء ورفض المغادرة.

في تلك اللحظة تولى رجال صدام تصفية الذين خرجوا من هنا ومن هناك برصاص كثير سمعه أهل بغداد ليلاً.

أما السامرائي فقد أنقذه أحمد حسن البكر الذي فوجئ بالحادث فوضعه في مكتبه وأقفل عليه الباب..

ثم أعلن صدام أن هجوماً تم من هذه المجموعة على القصر ليلاً وأنهم يحاكمون وطبعاً كانت نتيجة المحاكمة المزعومة أنهم أدينوا جميعاً ونفذ فيهم حكم الإعدام وخرج بريئاً السامرائي الذي في غرفة أحمد حسن البكر!.

هذا المتهم الذي يحاكم اليوم لم يحاكم أحداً في حياته لأن محكمته هي القتل المباشر فلا محامون ولا قضاة ولا شيء غير قطع الرؤوس.

2- قام المتهم بقتل كل معارضة من حزب البعث متناسياً مساهماتهم في المدرسة الفاشية فقتل من في السجون وقتل أكثر أعضاء القيادة القطرية متهماً إياها بالضلوع في محاولة انقلابية مع سورية لتمكين حافظ الأسد من الاستيلاء على الحزب وعلى العراق.

تصوروا أنهم قُتلوا داخل مبنى القيادة ثم قالوا أن محاكمة حزبية تمت لهم !!؟

وكان من نتائج هذه المذبحة إلغاء الاتفاق الوحدوي الذي عقده الرئيس أحمد حسن البكر مع سورية ومن ثم بروز صدام كمالك حقيقي ووحيد للسلطة في الدولة والحزب.

صار أحمد حسن البكر ألعوبة بيد هذه القوة الفاشية فآثر الانسحاب مدعياً المرض وسلم السلطة عام /1979/ إلى صدام ثم ذهب إلى بيته ليموت مهموماً وخائفاً.

3- بعد أن تولى السلطة رسمياً تابع مخططه في إبعاد وقتل كل مناوئيه من رفاقه وشردهم في أقاصي الأرض حيث تولت مخابراته الخارجية اغتيال العديد منهم أما باقي الذين كانوا يعملون في السياسة من ناصريين وشيوعيين فقد تم قتلهم وتهجيرهم بحيث لم يبق في العراق إلا الذين أبدوا استعدادهم للعمل بأمرته.

هذا الرجل كان إذا شك حتى بأخلص أتباعه ولو بنسبة واحد بالألف فكان يقتله وقتل الكثيرين بيده وبلا رحمة مدعياً كما كان يقول (بأنه يملك قلباً يتحمل قطع الرؤوس مهما كان عددها إذا كانوا يتآمرون على الوطن).

تحت هذه اليافطة (الدفاع عن الوطن) أباد كل أنواع الحركات السياسية وشردها بحيث لم يعد في العراق إلا الأصوات التي تنافق وتسبح بحمده وتؤمن ببطولاته ثم صار يعتقد نفسه مندباً من الخالق لتحرير العرب ملكاً متوجاً ولو على تلال من الجماجم..

4- قام هذا المتهم بتدمير هيكلية الجيش العراقي فقام بتصفية العناصر الكردية فيه ثم أبعد وقتل كل من هو غير بعثي في الجيش وتحت يافطة الجيش العراقي أقام جيشاً حزبياً ولاؤه ليس للعراق بل لحزب البعث.

ثم أسند كل القطعات العسكرية إلى طائفته وأهل بيته في محاولة لتركيز السلطة في أصغر الحلقات بحيث تحول الجيش فعلاً إلى حكم تكريتي طائفي تحت اليافطة العربية القومية البعثية!.

أعتقد هذا المتهم أن هذا العبث في هيكلية الجيش يعطيه أماناً أكثر من كل محاولة للإطاحة به ثم أغرق أبناء منطقته في الجيش بكل المنافع والسلطات بحيث لم يعد في الجيش العراقي من يجرؤ على الخروج عن طاعته.

صار الحكم طائفياً سنياً عشائرياً بامتياز وفقد وحدته وتحول إلى عصابة عسكرية مهمتها الدفاع عن صدام وحكمه وإخضاع كل الجيش لمتطلبات سياساته فصار جيش النظام وجيش تكريت ولم يعد جيش العراق.

5- بعد قيام الثورة في إيران وبعد أن أعلنت موقفها من إسرائيل وبعد أن سلمت سفارتها في طهران إلى منظمة التحرير وبعد أن أسقطت النظام الشاهنشاهي الديكتاتوري شعر صدام حسين بالخطر الشعبي يتقدم إلى نظامه الديكتاتوري حين صار على حدوده دوله قوية مسنودة شعبياً وترفض الشرق والغرب وتدعو إلى أممية إسلامية وإلى إسقاط نظامه الديكتاتوري.

كان مستحيلاً على صدام مقاومة الثورة الإسلامية لأن شعب العراق بكل طوائفه ينتمي إلى الإسلام بشقيه السني والشيعي فعمد إلى تحويل الصراع بين الثورة الإيرانية وبين حكمة الديكتاتوري إلى صراع بين العرب والفرس..

وبدأ بتجيش الناس ضد الفرس وأهدافهم وأطماعهم في العراق والخليج وأثار حرباً دينية بين الشيعة والسنة في المنطقة وعبر هذين الطريقين استطاع أن يجد الأنصار في الساحة العربية الخليجية التي كانت هي أيضاً تهتز عروشها من ثورة الإسلام في إيران فأدى الأمر إلى تفتيت داخلي لوحدة العراق وإلى قيام معسكر سني عربي نفطي يساند وقوفه ضد الثورة.

ولأن هذه الثورة أعلنت عداءها لإسرائيل وللولايات المتحدة واحتجزت الرهائن في سفارتها بطهران فإن هذا المتهم وجدها فرصة سانحة لحماية نظامه بقيادة الحرب ضدها معتمداً على تأييد الدول النفطية وتأييد الأميركيين الذين يخشون امتداد الثورة بمفاهيمها المعادية للولايات المتحدة ولإسرائيل إلى منطقة النفط الأهم في العالم.

بدأ الحرب ضد إيران وهو يعلم أن توازن القوى مفقود وهو لصالح إيران ولكنه اعتمد على المعونات من مصر كامب ديفيد ومن دول الخليج وأمده الغرب كله بالسلاح بلا حدود وصار نفط المنطقة وموارده في خدمة مشروعه العسكري..

مئات الألوف من الأسرى العراقيين وأكثر من مليون جندي عراقي قتلوا في الحرب التي لم تخدم العراق بقدر ما خدمت الغرب وإسرائيل التي ارتاحت لحرب بين طرفين كلاهما يناصبها العداء.

لقد أنهكت الحرب العراق وأغرقته بمليارات الدولارات من الديون وبملايين القتلى والجرحى لأسباب غير التي تم إعلانها على الناس وأولها وأهمها حماية النظام من ثورة شعبية كانت على الأبواب.

عملياً لم يكن الرجل يدافع على العراق ولا عن العروبة بل يدافع عن نظامه الديكتاتوري ولو أدى الأمر إلى عودة كل العرب إلى بيت الطاعة الأميركي وإلى تدمير الجيش في غير مكان عمله ضد إسرائيل التي كانت المستفيدة الأساسية من الحرب الإيرانية العراقية.

توقفت الحرب لأن إيران وافقت على القرارات الدولية بشأنها مقابل انسحاب كل طرف إلى حدوده فلا النظام الإيراني قد سقط ولا النظام العراقي قد رحل وكل ما في الأمر أن النفوذ الأجنبي قد تعاظم في المنطقة والصهاينة ارتاحوا من الخطر عليهم من مركزين معاديين لها اقتتلا حتى الموت وكلاهما صار ضعيفاً.

6- أثناء الحرب على العراق قام صدام حسين بمهاجمة المناطق الكردية في الشمال والتي أعلنت الثورة عليه وعلى نظامه, فقام في حلبجة بتطبيق (نظرية القوة الرادعة) لإرهاب الشعب الكردي واستعمل لأول مرة السلاح الكيماوي ضد الأكراد فأباد ما لا يقل عن خمسة آلاف نسمة كلهم من الأطفال والنساء وحوّلهم إلى جثث مهترئة ومحروقة في أبشع مجزرة في التاريخ الإنساني تخلو من كل قاعدة عسكرية في الحرب متجاهلاً أنهم من شعبه ومن دينه لإرهاب باقي المناطق الكردية وإرغامها على البقاء على الحياد في معركته ضد إيران ومتهماً الأكراد بمساعدة إيران في حين أن ثورة الأكراد تعود إلى سنوات طويلة قبل قيام الدولة الإسلامية في إيران وتهدف إلى الحصول على الاستقلال الذاتي ولا علاقة لها لا بالدين ولا بالطائفة ولا بأي مخطط خارجي..

وما جرى في حلبجة بالسلاح الكيماوي لم يكن تصرفاً وحيداً فقد قامت قواته وحرسه ومخابراته باعتقالات واسعة جداً وبتصفيات قاسية لا حدود لها ولا رحمة فزاد القتلى من الأكراد على مئتي ألف قتيل وجريح على امتداد أيام الحرب مع إيران.

7- بعد أن توقفت الحرب مع إيران وقبل أن يستطيع العراقيون إحصاء قتلاهم وأسراهم وخسائر مدنهم وجيشهم نقل الحرب من مربع الفرس إلى مربع العرب فقام في ليلة وضحاها باحتلال الكويت..

الكويت التي كانت تسلم من نفطها مبيعات العراق من النفط والتي توقفت بسبب الحرب ليقبض العراق ثمنها والتي أمدته بكل المعونات اخترع لها قصة ليجتاحها بحيث تستمر الحرب ويستمر استنفار الشعب في العراق..

لم يحقق صدام حسين نصراً على إيران وأراد أن يكون نصره هو ضم الكويت معتقداً أن الأميركيين سوف يوافقون على تصرفه تقديراً لجهوده في حرب خصمهم الإيراني.

ولكن الولايات المتحدة التي استخدمته ضد إيران أرادت تحجيمه لأن من مخططاتها أن لا يمتد نفوذه إلى مناطق النفط ولا أن يكون لاعباً أساسياً في ساحته خاصة وأن دول الخليج كلها تقع في منطقة النفوذ الغربي في ظل الحرب الباردة.

قاد الأميركيون تحالفاً عالمياً لإخراجه من الكويت وكان في هذا التحالف عدة أطراف عربية وإسلامية ولكنه لم يرتدع ولم ينسحب رغم النداءات الدولية والعربية فأعطى عناده المشروعية لبدء الحرب التي أدت إلى قتل الألوف من جيش العراق وشعبه وتدمير المنشآت والجسور والمؤسسات وخطوط الكهرباء والماء..

8- في الجنوب العراقي وبعد أن توقفت الحرب قامت ثورة شعبية ضد حكمه وهي ثورة طبيعية ضد نظام قمعي أنزل بالشعب العراقي الخسارات والضحايا وبدا للذين قادوها أن الوقت قد حان للخلاص من نظامه بعمل داخلي فقام جيشه بأبشع المجازر ضد الشعب وذبح وسحل وشنق عشرات الألوف بلا رحمة ولا شفقة فأضاف إلى سجله الوحشي جرائم جديدة لكي يؤمن لنظامه الاستقرار في المنطقة القائمة بين منطقتي الحظر في الشمال والجنوب.

9- قام المتهم بالاستيلاء على أموال العراق وسجلها باسمه وأسماء أفراد من عائلته في المصارف الأجنبية على امتداد العالم وهي تزيد على مئة مليار دولار.

كما أنه ترك لأتباعه وعصابته الوحشية أن ينهبوا الشعب العراقي ويبتزوه ويستولوا على ثرواته فارتكب هو وجماعته جرائم نهب الأموال العامة ونستطيع أن نقدم كشوفاً بموجودات هذه العصابة خارج العراق وداخله.

10- قام بتزوير الانتخابات وأنشأ مجالس صورية تابعة لمخابراته وصار الرقم 99% هو نتاج هذا التزوير للإرادة العامة ظاناً أنه قادر بمثل هذه التمثيليات إقناع العراقيين بزعامته وإقناع العالم بديمقراطيته المزيفة وكلا الأمرين كان مستحيلاً.

11- قام بتحويل موارد العراق إلى بناء السلاح النووي واستقدم الخبراء من كوريا ومن كل دول العالم ومؤخراً من دول المنظومة الاشتراكية التي تبعثرت وسقطت معتقداً أن العالم سيسمح لـه بهذا العبث كما قام بإنتاج أسلحة جرثومية فتاكة وكيماوية متطورة يمكن أن تقتل مئات الألوف من البشر في أي مكان في العالم.

12- قام المتهم بتقديم المساعدات المالية لكل حركات الإرهاب في العالم وقدم السلاح والمأوى لهؤلاء الذين يعبثون بأمن العالم وهو الأمر الذي جعل العراق والعرب كلهم هدفاً وأدى إلى تدمير استقلالهم في حرب مجنونة يقودها رجل لم يشعر بالمسؤولية الدولية عن أعماله وانعكاساتها على شعبه والمنطقة فساهم قاصداً في إضعاف المنطقة ووحدتها فحقق للإسرائيليين فائدة كبيرة فألغوا كل الاتفاقيات إلى درجة أن نتنياهو قال في كتابه (مكان تحت الشمس) أن الحرب بين العراق وإيران وحرب الخليج بعد احتلال الكويت أعطت إسرائيل الحق في سلام لا تعيد فيه أي شبر من الأرض المحتلة عام /1967/ وتسمح لها بإقامة حكم ذاتي في مناطق الكثافة العربية وتحت سيادة شعب آخر..

سيدي الرئيس.. هذه هي جرائم المتهم وبدون البحث عن الحوادث الفردية وهي بعشرات الألوف فإنها كافية بنظر جهة الإدعاء لطلب إعدامه وشكراً.

رئيس المحكمة : أشكرك سيادة المحامي العام على هذا العرض الموجز الذي يكفي ويساعد على سرعة البت في هذه القضية بصورة عادلة.

والآن أرفع الجلسة لكي نبدأ في الجلسة القادمة مناقشة المتهم.. وضرب بمطرقته...

*    *    *


 

الجلسـة الثانيـة

دخلت هيئة المحكمة وجلس الرئيس والأعضاء وضرب الرئيس بالمطرقة وأمر الجميع بالجلوس بعد أن وزع بعض الابتسامات على بعض الحضور.

رئيس المحكمة : هذه الجلسة مخصصة لإجراء مقابلات بين المتهم صدام حسين وبين أعضاء مجلس الحكم الانتقالي كشهود على جرائم المتهم وعبر الحوار بينهم وبين المتهم سوف تتمكن المحكمة من تكوين قناعتها في القضية باعتبار أن هؤلاء الشهود رافقوا الحياة السياسية في ظل حكم حزب البعث وطاغيته وهم أقدر على استنطاق المتهم في بعض القضايا.

أدعو الآن عضو مجلس الحكم الانتقالي السيد جلال الطالباني..

يقوم جلال الطالباني من مكانه بين الحضور ويلتفت إلى الصحفيين وإلى كاميرا التلفزيون العراقي ويبتسم ويلوح بيده ويعبث بنظارته ثم يشد أزرار جاكيته المفتوح من الخلف ويتقدم إلى المحكمة.

رئيـس المحكمة : حدثنا عما تعرفه عن المتهم فأنت رجل تاريخي وما يخفى على البعض قد لا يخفى عليك..

جلال الطالباني : طبعاً.. طبعاً هذا المتهم وحزبه شردونا في بقاع الأرض اعتقلوا أهلنا وسجنوا وقتلوا لا توجد جرائم إنسانية أقصى مما فعلوه.

بعد أن استولى البعثيون على السلطة كان همهم القضاء على روح الاستقلال في الشعب الكردي. تصوروا سيدي رئيس المحكمة أنهم جاءوا بقوات سورية بقيادة فهد الشاعر لمحاربة الأكراد من شعب العراق فقتل ودمر.

عراقيون يستوردون قواتاً عسكرية من الخارج لضرب شعبهم أليس هذا من أعظم الجرائم والخيانات ؟

استولى البعثيون على السلطة وفق منطق المؤامرة أقاموا تحالفات مع أطراف عديدة ثم غدروا بجميع من تعاون معهم.. أناس بلا أخلاق لا تستطيع أن تعرف حقيقتهم لأنهم يضمرون غير ما يفعلون ولديهم شعارات براقة للدعاية وفي التطبيق يطبقون العكس تماماً..

يقولون بالوحدة العربية وهم أشد الانفصالين وحتى مع سورية التي يحمونها لا يريدون الوحدة ثم أنهم مزقوا الوحدة الداخلية في العراق.. سيدي الرئيس, يقولون بالديمقراطية الشعبية وعملياً وباسم الشعب يعملون انتخابات مزورة وموجهة يعني سيدي الرئيس.. عندهم نظرية ديمقراطية لا يعرفها العالم هي التعيين بالانتخاب!.

رئيـس المحكمة : ماذا؟ كيف بالله تعيين وانتخاب؟

جـلال الطالباني : يقررون بالحزب أسماء أعضاء النقابات العمالية والفلاحين والمهنية وأعضاء مجلس الشعب ويحددون العدد والأسماء ثم يرسلون القوائم إلى وزارة الداخلية وأجهزتها للتنفيذ ثم يعلنون أن الحريات مصونة والانتخابات حرة ثم في النتيجة يعلنون نجاح القوائم التي أعدوها مسبقاً مهما كانت أوراق الانتخابات مغايرة..

ثم أنهم سيدي استولوا على أموال العراق وبعثروها على جيشهم العقائدي وعصاباتهم ولم يصرفوا في المناطق الكردية خاصة المتاخمة لإيران أي مبالغ لإبقائها في الفقر والتخلف ومنعوا اللغة الكردية واشتروا أفراداً من الأكراد ونصبوهم علينا وليس لهم من قوة القرار إلا ما يفرضه عليهم مركز المخابرات..

أنا شخصياً غادرت العراق هرباً فأنزلوا بأهل بيتي وعشيرتي أفظع أنواع التنكيل صدام حسين هذا كان مقصلة النظام البعثي الفاشي ويداه ملوثة بدماء مئات الآلاف من الأكراد والعرب.. اطلب إعدامه مع حزبه لكي يزول من الذاكرة العراقية هذا التاريخ الأسود الذي دمر العراق وثرواته وأمنه الخارجي والداخلي.

رئيـس المحكمة : ماذا تقول يا صدام حسين في شهادة عضو الحكم الانتقالي جلال الطالباني؟

صـدام حسـين : هذا الرجل لا يصلح للعمل السياسي يمكن أن ينجح في التمثيل وفي الرقص لا تعرف لـه وجهاً ولا لساناً واحداً هو معك وضدك ودائماً عينه على الخارج ينتظر منه موقعاً يمكنه من دور في السلطة العراقية.

لقد درسنا شخصية هذا الرجل وتبين لنا أنه يحمل أحقاداً عنصرية على العرب وعلى البعث وأنه يفتقد التوازن السياسي ولا يؤتمن جانبه وأنه يملك قدرات غير محدودة على التآمر وتبين لنا أن خط التآمر لدية يصل إلى كل المخابرات العربية والدولية وحتى الإسرائيلية إنسان بلا ضمير تستطيع شراءه إذا شئت بأبخس الأثمان..

جلال : لماذا إذن لم تشتروني وأنتم قد فتحتم سوقاً للشراء أليس لأنني كنت عصياً عليكم ؟

صدام : اشتريناك في قترة حكم عبد السلام عارف وفي فترة حكم الرئيس أحمد حسن البكر ثم تبين لنا أنك فتحت سوقاً واسعة للشراء في كل مكان فأوقفنا التعامل معك.

جلال : هذا كذب أتحداك أن تثبت ذلك.

صدام : لديكم سجلات المخابرات العامة وفيها إيصالات بتوقيع المتهم الذي كان يقبض الأموال ثم يحولها إلى الخارج في حين كانت تعطى لـه لشراء بعض المتنفذين من أكراد الشرق ولكنه آثر أن يستولي عليها.

جلال : هذا كذب لو استطعتم شرائي لما تم تشريدي إلى سورية..

صدام : هذا الذي يهاجم البعث ويصفه بالفاشية والاستبداد والعنصرية لماذا ذهب إلى سورية التي يحكمها الجناح الآخر من البعث ولماذا توظف هناك وصار يقبض الأموال ثم صار يرسل الأسلحة والرسائل إلى العراق مع أشرطة التسجيل للتحريض علينا وبالمناسبة هذا الرجل برسائله كان مسؤولاً عن توريط الكثيرين الذين اعتقلوا وكأنه كان بخفته أو نتيجة تخطيط كان يرغب قي دفع السلطة العراقية لاعتقالهم لكي يخلق جواً معادياً وأما أرواحهم فلا تهمه في شيء..

نحن من جهتنا فهمنا قصده وحاولنا التفريق بين ما هو قائم على أساس التنظيم وما هو جزء من مؤامرة لتصفية أناس أبرياء وحتى من العناصر المتعاونة معنا..

لقد تسبب هذا الرجل في إنزال الأذى والاعتقال بالكثيرين من أكراد الشمال الشرقي عن سابق تصور وتصميم لخدمة أهداف خارجية كانت تريد إزعاجنا ونشر الفتنة.

جلال : يريد صدام حسين أن يقول أن الثورة عليه في مناطقنا مصدرة من الخارج وهذا هو أسلوب البعثيين كلما واجهتهم حالة احتجاج فلديهم علاقات كثيرة.. مرة يقولون أن إسرائيل وراء الأحداث ومرة الاستعمار ولكن ولا مرة واحدة قالوا أن ظلمهم هو السبب في الثورة عليهم.. الآن زالت كل العلاقات وانتهت هذه المسرحية..

صدام : في دمشق قام جلال بتأسيس الحزب الديمقراطي الكردي بالاتفاق مع المخابرات السورية وعقد مؤتمراً وطالب بحق تقرير المصير للشعب الكردي وطالب بدولة مستقلة.

طبعاً هو يعرف أن سورية لم تكن جادة في موضوع الدولة الكردية لأن مصالحها تصطدم بهذا الموضوع ولديها قسم من شمال سورية يمكن أن يلتهمه هذا الشعار..

كانت الغاية فقط هي إزعاجنا واستخدام هؤلاء كأدوات لإثارة الفتنة في العراق وليس حباً بالأكراد, فقد عرف السوريون أن أكراد العراق لا يجيدون من العمل السياسي غير القبض والرشوة..

جلال: هذه إساءة للشعب الكردي أطلب شطبها.. أنتم كنتم ترسلون الإخوان المسلمين إلى سورية مع الأسلحة والأموال لإزعاج سورية أما نحن فشعب يناضل من أجل حقوقه..

صدام : أية حقوق؟ لقد درس الحزب المشكلة الكردية في إطار الموقف من الأقليات في الوطن العربي كله وقرر أن يمنح الأكراد الحكم الذاتي وسمحنا بتدريس اللغة الكردية إلى جانب العربية واعتبرناها لغة رسمية في مناطق الأكراد وخصصنا لكم قسماً كبيراً من موارد النفط لإعمار المنطقة وسمحنا بانتخاب مجالس تشريعية محلية..

الآن يا سيد طالباني.. ومع كل تآمركم مع الأميركيين على وطنكم لم تحصلوا ولن تحصلوا على أكثر مما أعطاكم العراق العربي من حقوق ومراكز في سلطة الحكم وسوف تترحمون يوماً على هذه الحقوق.

في هذه المنطقة, الدولة الكردية من ممنوعاتها حيث لا أحد يريدها.. وحتى الحكم الذاتي لدينا كان مرفوضاً من إيران وتركيا وقاموا بمحاولات عديدة لإفشاله عن طريق شراء بعض المتنفذين الذين اختفوا وراء شعار الدولة في حين كانوا يقبضون من إيران وتركيا لإسقاط الحكم الذاتي كان قادة الأكراد يمثلون شريحة انتهازية تبرر من أجل قبض الأموال كل ما هو تآمري على البلد ومنهم هذا الطالباني.

جلال : نحن عراقيون وقادة وطنيون وغير صحيح أن تنسب إلينا التعامل مع المخابرات السورية أو العربية. أنت كنت لاجئاً سياسياً في سورية وفي مصر وكنت تقبض راتباً من مكتب اللجوء السياسي فلماذا تحرم على غيرك ما كنت تبيحه لنفسك..؟

صدام : ليس هذه هي النقطة التي أقصدها.. أقصد غير الراتب الذي يدفع لتأمين عيش بسيط, أقصد الأموال الكبيرة التي دفعت إليكم لغايات الفتنة والاغتيال ونسف المنشآت وغير ذلك..

ثم أن هذه الوطنية التي تزعمها لحزبك وقيادتك صارت مفضوحة حين جئتم بالقوات الأجنبية لاحتلال العراق..على أي مركز قيادي تجلسون الآن؟..

أنتم مجرد أسماء عينها جنرالات الاحتلال الأميركي.. لم ينتخبكم الشعب ولا هو في وارد القبول بالرموز الذي تضعها مطابخ المخابرات الأميركية.. كفاك يا جلال.. أنت الآن في مجلس الحكم وقد تسببت في تدمير العراق.. هل ارتحت؟

رئيـس المحكمـة : يكفي الآن.. أعطيك الكلمة الأخيرة يا سيد جلال..

جلال الطالبانـي : الذي تسبب في احتلال العراق هو صدام حسين جرائمه وحروبه وظلمه أدت بشكل طبيعي إلى هذه الأحداث هو المسؤول عن الاحتلال حين صار عدواً للمنطقة وحين قتل شعبه وحين تحدى قوى عالمية, يعرف أو يفترض فيه أن يعرف أنه غير قادر على هزيمتها.. لقد دفع بلاده إلى الهاوية من أجل أن يقال عنه أنه زعيم للعرب.. هذا الرجل مهووس بالعظمة ويعتقد نفسه أكثر من نصف إله.. وقديماُ أحرق نيرون روما لكي يشعر بالفرح.. صدام حسين أحرق العراق ولكنه لن يشعر بالفرح لأن شعب العراق سيقتص منه ومن عصابته وكل أكاذيبه عن المؤامرات ستذهب هباء لأنه ترك في كل بيت آثار جرائمه من القتلى في الحروب وفي المخابرات, لا أحد سيشفع لـه.. والتاريخ سيحدد في المستقبل من كان مع العراق ومن كان يسعى لتدميره وعندئذ سوف يكتشف الناس من منا كان عميلاً ولأية جهة.. أطالب بإعدامه فوراً كما يعدم خصومه وكل هذا الحوار مع طاغية لا لزوم له.!

رئيس المحكمـة : يضرب بالمطرقة ويأمر الجميع بالجلوس ويقول: سماحة عبد العزيز الحكيم تفضل للشهادة حول ما تعرفه عن جرائم هذا المتهم.

عبد العزيز الحكيم : إنني اتهم صدام حسين بأنه أثار حرباً داخلية بين الشيعة والسنة وأنه احتكر السلطة لجماعته في تكريت وسلمهم كل المراكز القيادية في الجيش والدولة ثم سلط مخابراته على الشيعة وقتل الألوف منهم وبعد حرب /1991/ ارتكب في مناطقنا مجازر وحشية لم تمر على التاريخ الإنساني.

تصور سيادة رئيس المحكمة.. في ليلة وضحاها جمع الأطفال والنساء من الشيعة وأركبهم الباصات وألقى بهم على الحدود مع إيران ليس لأي ذنب وبدون تحقيق ولا محاكمة هذا عدا عن الألوف الذين قتلهم من الرجال..

هذا النموذج الوحشي للحاكم وعصابته خرج على كل الروابط الدينية والإنسانية من أجل شهوة الحكم.. هذا حاكم فاجر وبلا أخلاق وليس في قلبه مكان للرحمة, لا يمكن أن يمر على التاريخ الإنساني رجل بمثل هذه المواصفات.. هذا ليس من خليقة الله بل من مشتقات إبليس!.

صـدام حسـين : اسمع يا صاحب العمامة.. أنت وشقيقك وأهل بيتك المقدس منذ أيام الشاه أنشأتم بالاتفاق مع المخابرات الإيرانية حزب الدعوة ليكون رأس حربة يستخدمها الشاه ضد العراق للحصول على تنازلات عراقية في شط العرب ولتأكيد نفوذ الشاه على كل المناطق العربية وإخضاعها للنفوذ الأجنبي..

ثم وبعد سقوط الشاه قمتم بتحويل ولاء حزب الدعوة من الشاه إلى الخميني.. وعملياً لم نكن نفرق بين الاثنين فالخميني كان أو أصبح بعد الحكم شاهاً يلبس عمامة وأنا قلت ذلك مراراً بعد الحرب مع إيران!.

عبد العزيز الحكيم : الشيعة في العراق هم الذين أسسوا حزب الدعوة وليس صحيحاً أن شاه إيران أو مخابراته فعلوا ذلك.

صـدام حسـين : هل تستطيع أن تقول لي لماذا انخرط في حزبكم فقط الشيعة الذين حصلوا على الجنسية العراقية وكانوا من أصل فارسي ولماذا لم يدخل حزبكم الشيعة العرب؟

كفاكم تدجيلاً.. إن الشيعة العرب في العراق كانوا موجودين في حزب البعث وكان منهم قادة بارزون وسيظل دورهم موجوداً ولكن بعض الملالي ورجال الدين الذين صدرتهم إيران إلينا وكلهم إما من الفرس أو من المتفرسين هم الذين أساءوا إلى دور الشيعة العرب الذين رفضوا دائماً أن تكون المرجعية الشيعة فارسية وناضلوا كثيراً في هذا الاتجاه وكنا وسنبقى ندعمهم لأنهم يمثلون الشيعة فعلاً.

عبد العزيز الحكيم : ألم تشردوا الشيعة وتقتلوهم.. هذه الحقيقة واضحة كالشمس.. أتكذبون نور الله..

صـدام حسـين : اسمع يا صاحب المرجعية الفارسية.. في الحرب مع إيران شارك إخواننا الشيعة في الجيش العراقي وكانا مقاتلين أشداء وشرفاء في الدفاع عن العراق ولم يمنع أحد منهم من هذا الشرف لأننا كنا على يقين بأن المذهب الشيعي للعبادة لا يلغي الانتماء القومي وليس بديلاً عنه.. وما تم من إرسال بعض الشيعة إلى إيران صحيح ولكن هؤلاء كانوا مثل عبد العزيز هذا من الشيعة الفرس الذين حصلوا على الجنسية العراقية في غياب الإرادة الوطنية العراقية ولم نهجر أي عراقي شيعي عربي..

قد يكون في ذلك بعض القسوة ولكن في ظروف الحرب فإن ترحيلهم يمثل جانباً أمنياً لحماية أمن القوات المقاتلة خاصة وأن هؤلاء ومنهم حزب الدعوة وقفوا ضد العراق وصاروا عيوناً للفرس علينا وقاموا بأعمال تخريب وراء خطوط قواتنا المسلحة وإذا حدث ذلك فمسؤوليته على الذين ارتبطوا بالأعداء وخانوا العراق..

أنا دائماً كنت أقول أنني أشعر بالحزن إزاء أي تصرف لا يكون ضرورياً ولكنني أمتلك قلباً يذهب إلى قطع الرؤوس إذا كان التآمر على العراق..

جماعة عبد العزيز الحكيم لم يفهموا ذلك وأوغلوا في العداء للبعث والعروبة والعراق.

بعد الحرب التي شنتها علينا /38/ دولة بقيادة الولايات المتحدة ظن هؤلاء أن الفرصة صارت مواتية لهم لقيادة ثورة علينا في الجنوب وشجعهم على ذلك الإيرانيون والأميركيون لإضعاف النظام وإسقاطه.

لقد تعاملنا مع هؤلاء بقسوة ومثل أي حاكم تواجهه قوى مسلحة تريد إحداث ثورة أهلية بين السنة والشيعة مدفوعة بعوامل خارجية..

وحين استطعنا وقف العمل المسلح المعادي خرج الشيعة العرب وأمسكوا بالجنوب وقاتلوا معنا هؤلاء الدخلاء الذين يتسترون بالعمامات والمرجعيات لخدمة الأجانب..

نحن في البعث لا نفرق بين سنة وشيعة ونحن كلنا مؤمنون نصوم ونصلي ونقوم بأمور العبادة ولكن لا نعمل في السياسة عن طريق ديني..

إن تكفيرنا أمر غير ممكن لأننا غير ملحدين ونحترم الأديان والطوائف ونصوم ونصلي ولكن في السياسة نعمل بوحي ضرورة أن يدير المجتمع العقل دون أن يتخلى عن التراث الإسلامي كله بدون تفرقة والذي نعتبره ضرورياً كرادع أخلاقي يعزز كل ما في الإسلام من تسامح..

نحن نستخدم هذا التراث لتحقيق التعايش أما هم فيريدون استخدام الدين لخدمة المحتلين والغرباء والأجانب..

إذا كانت ديار الإسلام في خطر خارجي لماذا هؤلاء تحالفوا مع الاستعمار..

الإمام علي رضي الله عنه حين كان يقاتل معاوية وعلم بأن الروم سيهاجمون الثغور الإسلامية مستفيدين من حرب معاوية وعلي أرسل إليهم الإمام العلي محذراً (إذا كنتم تريدون الاستفادة من حربنا على صاحبنا معاوية لمهاجمة ثغورنا فلتعلموا أننا على استعداد لمقاتلتكم تحت راية معاوية).

أين هؤلاء من الإمام علي وقد فعلوا العكس وتجندوا في صفوف الروم؟

عبد العزيز الحكيم : لو كنتم صادقين في حبكم للإمام علي فلماذا قتلتم الإمام باقر الصدر؟

صـدام حسـين : المحكمة هي التي حكمت عليه بالإعدام وكنت أرغب بالعفو عنه ووعدت الوفود التي زارتني بهذا ولكنكم في حزب الدعوة قمتم بمذبحة جامعة المستنصرية وبعثرتم جثث الطلاب وشوهتم حتى هذه الجثث فكان لزامنا علينا أن ننفذ حكم الإعدام كرادع وكرد على هذه الهجمة الباغية.. أنتم في حزب الدعوة تسببتم في تنفيذ حكم الإعدام عن سابق تصور وتصميم لكي تحصلوا على غضب الناس الذين لم يغضبوا..

عبد العزيز الحكيم : ألم تستدعوا رجال الدين الشيعة وتضغطوا عليهم وتهددون أكثرهم بالقتل وتسلموهم خطابات الجمعة في مدحكم وتأييدكم؟

صـدام حسـين : في كل بلد يجري التنسيق بين خطب الجمعة والدولة من أجل الاستقرار ولم نكن بحاجة لذلك مع الكثيرين من رجال الدين الشيعة العرب الذين كانوا أحراراً أما الذين كانوا من أصل فارسي فكنا خلال الحرب مع إيران نراقب حركتهم وهذا حقنا إذ لا يعقل أن تترك المساجد لهؤلاء الذين يخربون الوحدة الوطنية..

عبد العزيز الحكيم : لماذا هذا الحقد على الفرس.. ألم يعلن الإمام الخميني رفضه لإقامة إسرائيل ؟ ألم يقم بإلغاء السفارة الإسرائيلية وسلمها لمنظمة التحرير ألم يعلن الخميني العداء للشرق والغرب وكلاهما شيطان أثيم..؟

صـدام حسـين : بالنسبة للعراق لم يتبدل شيء بعد الثورة, تبدل الشاه بالخميني فصار شاهاً آخر يلبس عمامة.

الشعارات شيء والمخطط الفعلي شيء آخر.. الإيرانيون تحولوا إلى شكل من دولة فارسية استعمارية متسترة بالدين..

أرادوا وأعلنوا أن ثورتهم هي ثورة الإسلام الحقيقية وجعلوا المسلمين الآخرين في مربع الكفر وأرادوا احتلال الشريط الشرقي للسعودية وكل دول الخليج باسم هذا المقدس الديني.

وفي السياسة لا نتوقف عند الشعارات وعلينا كمسؤولين أن نتعامل مع هذه الحالة ليس من الباب الديني بل من الباب الاستعماري الذي ظهرت بوادره والتي دعت إلى الثورة الإسلامية في بلاد العرب إلى درجة أن الإمام الخميني كان صريحاً وألقى خطاباً هدد فيه بأنه سيزحف إلى العراق ويحتل بغداد..

بعد كل هذا يقال لنا أن نتوقف عن الشعارات ؟

عبد العزيز الحكيم : والموقف الإيراني من إسرائيل ماذا تقولون فيه؟

صـدام حسـين : كانت هذه النقطة إيجابية في البدايات ولكن تبين أنها مزورة فقد شارك عملاء إيران في لبنان وبتمويل 300 مليون دولار سنوياً في المشاركة في القضاء على القوة الفلسطينية المسلحة حتى أخرجوها من لبنان ثم أقاموا جداراً أعطى إسرائيل ومستوطناتها الأمان تحت اسم تفاهم نيسان..

عبد العزيز الحكيم : إن المقاومة الشيعية في لبنان هي التي أخرجت الصهاينة من لبنان لماذا تنكرون ذلك ؟

صـدام حسـين : اسمع يا رجل.. أنت لا تفهم في السياسة.. لبنان دولياً لا يستطيع أحد أن يأخذ منه أرضاً اليهود احتلوا جنوب لبنان لمدة /18/ عاماً ولم يسمح لهم ببناء مستوطنة واحدة فيه..

ما يهمهم في جنوب لبنان هو القضاء على المقاومة الفلسطينية وإغلاق حدود لبنان أمامها لذلك انسحبوا حين تحقق لهم ذلك وبدلاً من الجيش اللبناني المطلوب ذهابه للحدود لحمايتها وتأمين الاستقرار قام جماعتكم بالمهمة.. يكفيكم تهريجاً الدول الكبرى هي أرغمت إسرائيل على الانسحاب من لبنان.. والإيرانيون كانوا شركاء في تأمين مستلزمات الانسحاب..

عبد العزيز الحكيم : يصعب التفاهم مع هذا الطاغية الذي يسيء إلى شرف المقاومة وهو الذي كان يقتل شعبه يومياً ويحتل بلاد الجوار ثم يزاود علينا.. إن أي مقاوم في الجنوب أشرف من كل واحد في حزبكم الفاشي الذي حقق كل أهداف الاستعمار وبعثر الاستقلال الوطني وحزب العراق.. أطالب بإعدامه فوراً ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب.

رئيس المحكمة : أدعو السيد مسعود البرزاني للإدلاء بشهادته..

جلال الطالباني : لم يحضر سيادة رئيس المحكمة غير موجود.

رئيس المحكمة : هل قمتم بتبليغه المذكرة أصولاً.

المحامي العـام : نعم سيدي تبلغها بالذات.

رئيس المحكمة : لماذا لم يحضر.

جلال الطالباني : حردان.. حتى اجتماعات المجلس الانتقالي لا يحضرها..

رئيس المحكمة : لماذا لا يحضر إلى المحكمة ؟

جلال الطالباني : كان بينه وبين صدام غزل وأرسل قواته لمحاربتنا في نزاعنا مع البرزاني الأفضل أن لا يحضر.

رئيس المحكمة : حسناً تلغى دعوته وأساساً لا حاجة لها وأقرر شطب عبارات الطالباني عنه.. لا نريد خلافات جديدة!.

رئيس المحكمة : أدعو عدنان الباجه جي للإدلاء بشهادته..

تقدم عدنان الباجه جي نحو المنصة وبأدب بالغ ألقى التحية على هيئة المحكمة والمحامي العام والمتهم..

رئيس المحكمة : ماذا تعرف عن موضوع المتهم وجرائم حزبه وجرائمه الشخصية.

عدنان الباجه جي : ما يهمني هو أن المتهم ورفاقه في البعث وتحت الشعارات العربية الوحدوية التي تسلقوا السلطة عبرها ارتكبوا أخطاء قاتلة أدت إلى فقدان العراق لوحدته الداخلية وللحريات الديمقراطية فيه ثم تسبب الجميع في دفع العراق إلى دور مسلح في المنطقة كبير جداً ومن غير المعقول أن يسود العراق هذا الحجم من الوحشية الذي أدى إلى هجرة الملايين من أبنائه خوفاً ورعباً وبعض هؤلاء اصطادهم من لا يريد للعرب ديمقراطية أو حرية أو استقلال.

أترك لعدالتكم أن تقدر الوضع وتدرسه بروح المسؤولية لكي لا يتكرر ذلك في التاريخ العراقي الذي يجب إعادة كتابته بعد التزويرات الكبيرة عليه وإنصاف العائلة الملكية الهاشمية التي كانت تحقق الوحدة بين مختلف العناصر المكونة للشعب هذا الذي حدث كان يمثل هذا الجانب الضعيف في سياسة صدام حسين إلى درجة أن الكثيرين في الوطن العربي اعتقدوا انه ينفذ مخططاً أميركياً سرياً لتحقيق هذه الغايات في مناطق النفوذ النفطي الأهم في العالم.

شخصياً لا أوافق هؤلاء على هذا الاعتقاد ولكن لأن الأمور تقاس بنتائجها سياسياً فإن حروب صدام وتصرفاته جلبت الدب إلى الكروم العربية ومسؤوليته كبيرة في إضاعة استقلال كل العرب بعد حرب /2003/ على العراق.

وطبعاً فإن ممارساته ضد الحريات و الديمقراطية ودول الخليج والسعودية كانت كثيرة.

كان بإمكان صدام أن يعاقب حكام الكويت من داخل الكويت بتشجيع المعارضة السياسية عليهم وكان سيحصل بالوسائل السياسية وبالرأي العام الشعبي على كل ما يريد..

في لحظة الحرب فقد كل المؤيدين لـه في الخليج والسعودية والكويت وتسبب في استدراج القوات والقواعد الأجنبية إلى المنطقة فأجهز على العراق وجيشه وتسبب في التدمير الكبير ثم عملياً أجهز على استقلال كل دول الخليج التي ركضت للاحتماء بالعباءة الأميركية.

لقد أساء صدام حسين تقدير الوضع وكان بإمكانه أن يترك للآخرين خوض هذه المعركة لا أن يخوضها بالنيابة عنهم فارتكب خطأً كبيراً بحق بلده..

ثم وبعد الحرب طالب الكويت بإسقاط ديونه وكان محقاً في هذا الطلب حيث بدأ الكويتيون يطالبون بثمن النفط الذي كانوا يسلمونه عن العراق أثناء الحرب ولم يسقطوا هذه الديون فأثاروا غضب صدام.

أنا كسياسي مراقب أقول حين خرج صدام حسين من الحرب منتصراً كانت الساحة العربية تنظر إليه كبطل والمؤيدون لـه في الكويت.

 كان وضعاً مأساوياً وضعت التبريرات لـه بأنه دفاع عن البوابة الشرقية في حين لو ترك للعمل السياسي والاتصالات الفرص لتمكن العراق أن يستغني عن الحرب فليس العراق وحده كان معنياً بمنع إيران من الامتداد فهناك منطقة نفطية كان بالإمكان دفع مسؤولية صدام حسين بعد استلامه السلطة أنه كان مهموماً بقيادة الأمة العربية واقتطع من موارد الإعمار كل الميزانيات لإقامة جيش ومخابرات تحقق طموحه فاصطدم بالقوى العالمية.. وأحياناً كان يتصرف برضاها وأحياناً يصطدم بمصالحها. صدام حسين أنهى الوجود الشيوعي بالدم ونال بذلك استحساناً من الأميركيين والغرب وأيضاً حصل على تشجيع من العناصر الوحدوية المتشددة في حزب البعث التي لا تريد شريكاً لها في السلطة.

هذا الوضع تطور بعد الثورة الإسلامية في طهران حيث أضعفت طموحاته وشكلت خطراً عليه ولأنها أصبحت على عداء مع الغرب بالاستناد إلى الفكر الإسلامي الذي أعلنته فإن صدام قاد حرباً على إيران مع علمه بانعدام توازن قاسم الموالي للسوفيات والذي أمم حقل الرميلة الشمالي وهدد باحتلال الكويت.

صدام حسين كان مسؤول المخابرات في حكم أحمد حسن البكر وتولى تصفية كل القيادات غير البعثية وحتى البعثية التي تشك بولائها لـه ودفع إلى مراكز الأمن والسلطة والجيش بأنصاره الشخصيين من أبناء عشيرته في تكريت وتمكن في زمن قياسي أن يستلم السلطة من أحمد حسن البكر المريض والذي يشهد لـه الجميع بأنه لم يكن راضياً عن حمامات الدم التي كان يقوم بها صدام حسين..

فأجهزوا تحت شعار الثورة على الحياة السياسية وعلى الأحزاب وعلى المجالس التمثيلية وتصرفوا على أساس الصراع الفردي والدموي فشهد العراق اقتتالاً مستمراً بين مراكز القوى حيث تم تسريح الكثيرين من الجيش وتم تصفية الكثيرين تحت مبررات عديدة ولم تكن المحاكمات الصورية إلا صورة كاذبة عن عدالة لم تتوفر لأحد. والمهم وبعد التصفيات الدموية لحكم عبد الكريم قاسم ثم لمجموعة الضباط التي جاءت بعبد السلام عارف تمكن البعثيون الذين لا يملكون أي تنظيم عسكري فاعل أن يفقزوا إلى السلطة واستفادوا من العامل الخارجي وحصلوا على تأييده لترحيل عبد الكريم هذا الصراع بين المعسكرين وكلاهما كان مدفوعاً من الخارج فتك بوحدة الجيش العراقي وأدخل السياسة إلى هيكليته فصار ميداناً للصراع السياسي ونمت فيه قيادات عديدة طامحة للسلطة ومستعدة للتعامل مع الخارج.

اغتصاب السلطة وقتل أفراد العائلة الهاشمية وممارسة السياسة بالسحل في الشوارع كانت في التاريخ عملاً وحشياً أسس لمدرسة ليس فيها أخلاق ولا سياسة وحول السلطة الجديدة إلى عصابات من المجرمين الذين لهم طموحات عديدة الولاءات ولا يأبهون للقانون ولا يريدون أي شكل من أشكال دولة القانون والمؤسسات فإن الأول كان مدعوماً من الشيوعيين والسوفيات والثاني من المخابرات في الجمهورية العربية المتحدة..

ولكن سرعان ما احتدم الصراع بينهما على قيادة الانقلاب فالعروبيون كانوا يريدون إلحاق العراق بالجمهورية العربية المتحدة في حين إن الشيوعيين يريدون السلطة ولا يريدون الوحدة خاصة بعد أن عارض الحزب الشيوعي في سورية الوحدة مع مصر وبدا للجميع أن المخابرات العربية اتجهت نحو تحجيم نشاطهم الذي كان في سورية يشكل خطراً كان من الممكن لولا السرعة في إنجاز الوحدة أن يحققوا قيام أول حكم شيوعي في بلاد العرب.

ومع أن انقلاب /1958/ على الملكية لم يكن من صنع البعثيين الذين شاركوا في السلطة بل كان من صنع أفراد من الجيش العراقي تلقوا تأييداً أو كانوا مرتبطين بشكل ما مع المخابرات العربية التي شجعتهم على الانقلاب لأن العراق يومئذ كان قد دخل في اتحاد هاشمي مع الأردن وكان بالأساس عضواً في حلف بغداد. وفي ظروف الحرب الباردة بين المعسكرين فقد توافق العروبيون مع الشيوعيين الذين يعملون مع المخابرات السوفيتية على قيام هذه الحركة في منطقة النفوذ الغربي..

ومع نجاح انقلاب /1958/ الذي قاده ضابطان هما عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف أدى إلى استدراج التدخلات الأجنبية التي قضت على استقلال العراق.

صدام حسين كحاكم لم يقدر مسؤوليته في حماية البلد حين كان بإمكانه أن يمنع الحرب عليه وتدمير جيشه ونهب وزاراته ومؤسساته فصرنا في الاحتلال.

أنا شخصياً لا أبحث في الجرائم الشخصية ولا في تصرفات بعض الأفراد في البعث الذين مارسوا العنف على كل شرائح المجتمع العراقي وحتى على حزبهم وقياداته.. العراق كان دائماً عنيفاً ولكن ضبط العنف فيه كان ممكناً لو توفرت لـه قيادة تشعر بالمسؤولية ولا تضع المصلحة الشخصية فوق الوطن ومصالح العباد.

أشكركم سيادة رئيس المحكمة لقد أطلت كثيراً.

صـدام حسـين : أنت يا عدنان كنت وزيراً لخارجية العراق وتتمتع بأدب جم هو نتاج عملك الديبلوماسي وأنا مع احترامي لك أتوقف عند نقطتين الأولى هي ما الذي يجمعك مع بضاعة الحكم الانتقالي؟ أنت لا تلتقي معهم لا في الفكر ولا الوعي ولا في فهم العالم وإنني حزين أنك وضعت نفسك مع هؤلاء..

أنت شخصياً لم تتعرض لأي أذىً لا من حزب البعث ولا مني واخترت الاغتراب أريد أن أذكرك أنني اتخذت إجراءات لإعادة الاعتبار للأسرة وكثيرون سمح لهم بالعودة من هذه الأسرة وأظن أن الملك حسين كان مرتاحاً لتصرفنا في موضوع مقتل الملك فيصل الثاني.. نحن لم نكن في السلطة يؤمئذ لا أنا ولا البعث وكان الشيوعيون تحديداً وراء المجزرة..

على أي حال أشكر ملاحظاتك حول دولة القانون والمؤسسات ونحن لم نستطيع تحقيق ذلك بسبب العدوان الإسرائيلي والحرب مع الفرس والمؤامرات العديدة التي واجهت سلطتنا الأمر الذي اضطرنا للعنف ولبحث الوسائل اللازمة لتأييد الاستقرار وهذا ما تفعله كل الدول.

وحين أصدرنا عفواً عن السياسيين غير المرتبطين كان بإمكانك العودة إلى العراق وكان اسمك بين المسموح والمرحب بحضورهم ولكنك لم تفعل.

عدنان الباجه جي : لا أحد يجازف بحياته اعتماداً على النيات والأقاويل.. وكثيرون عادوا ومنهم صهرك ومعهم كتب خطية ثم حين عادوا تمت تصفيتهم كنت أحب أن أعود إلى العراق بإرادة نظامه مهما كان نوعه ولو كنت معارضاً لـه ولكن عامل الخوف كان مرعباً وكانت عودتي لا تمثل تصرفاً عاقلاً.

صـدام حسـين : الأمر الثاني هو أنك تدعو إلى دستورية فعلية وتعتبر ما جرى للأسرة المالكة الهاشمية فظيعاً ومرفوضاً وأنا أوافقك على ذلك.

عدنان الباجه جي : اعتبر ما قلته عن النقطة الثانية اعترافاً بالحقيقة التي كانت مقتلاً لنظامك وآمل أن البعثيين سيدركون لاحقاً أن مبدأ تداول السلطة بالطرق الديمقراطية أفضل لهم وللأمة العربية من التسلط ومن حكم الحزب الواحد وقد يحققون بالوسائل السياسية الديمقراطية أكثر مما سعوا إليه عن طريق الانقلابات والثورات التي دمرتهم ودمرت العرب.

أنا شخصياً لست مع تصفية حزب البعث لأنني لا أفهم القضية تبادلاً للأدوار بين ظالم ومظلوم بل العمل لإقامة مجتمع ديمقراطي لا يخترقه ظلم آخر وإذا قبل البعثيون ذلك فيجب أن يكون الحكم على تصرفاتهم عن طريق الانتخاب ولا أتصور أن القمع لهم سيفيد مستقبل العراق فأنا أعرف الكثيرين منهم وأعتقد أن الحوار السياسي معهم ممكن ومفيد لأننا لا نريد حرباً داخلية لا يعرف إلا الله إلى ماذا تقودنا..

رئيس المحكمة : أشكرك سيادة الوزير وأدعو السيد أحمد الجلبي للإدلاء بشهادته..

وقف أحمد الجلبي ونظر إلى صدام حسين مبتسماً ولوح بيده لمراسلي وكالات الأنباء وعبث بشعره ترتيباً له ثم توجه إلى رئيس المحكمة.

رئيس المحكمة : ماذا تقول في صدام حسين وما تعرف عن جرائمه..

أحمـد الجلبي : صدام حسين بالموجز مجرم سفاح سفاك دموي لا يردعه خلق ولا دين وليس في عروقه أي دماء بشرية هو وحش نزل أرض العراق فشرد أهلها وحكمها بالحديد والنار إنه كتلة من الشر لا مثيل لها في تاريخ الإنسانية.

رئيس المحكمة : أدخل في التفاصيل نريد وقائع ملموسة..

أحمـد الجلبي : الوقائع الوحشية يعرفها كل الناس وأنتم لديكم ملفات كثيرة أودعناها المحكمة بالأسماء والتواريخ وهي كافية للحكم عليه.

لقد هجر الملايين من نخب العراق وقادته وافتعل حرباً طائفية بين السنة والشيعة وبينهما وبين الأكراد وعلى هذا الانقسام أقام حكماً ديكتاتورياً ومعه عصابة من المجرمين والتي يجب اجتثاثها معه.

نحن في الحكم الانتقالي اتفقنا بالأكثرية لا بالإجماع على تشكيل محاكمة خاصة لمحاكمة البعثين واجتثاثهم من المجتمع العراقي وبدون ذلك سوف يعودون مرة أخرى للاستيلاء على السلطة ويعيدون تدمير كل ما بنته الأجيال من حضارة وتطور وأخلاق..

صـدام حسين : أنت يا أحمد ابن عبد الهادي الجلبي وكان رئيساً لمجلس الأعيان في الحكم الملكي ومحل ثقة نوري السعيد وبريطانيا وحين سقط هـذا الحكم غادرت العراق مع أهل بيتك وشاركت في كل المؤامرات السياسية لإعادة العراق إلى النفوذ البريطاني والأجنبي وكان لديكم استعداد فكري وعلاقات تاريخية مع المستعمرين واستعداد للعمالة ولا تخجلون في هذا الأمر..

أحمـد الجلبي : اخرس لا أسمح لك بالتطاول على والدي الذي كان من أشراف العراق ومن بناة دولته التي هدّمها أتباعك.

صدام حسين : أنت ذهبت إلى الأردن وحصلت على مساعدة الملك حسين وتسلمت شؤوناً مصرفية ليس بسبب فهمك بل بسبب نسبك المعروف فماذا كانت النتيجة ؟

استوليت على أموال المودعين وأفلست المصرف ثم هربت من الأردن بالغنيمة إلى أوربا وأميركا..

المحاكم الأردنية حكمت عليك بالاحتيال والتزوير وهذه الأحكام ما تزال موجودة وأضيف إليها ارتكابات أخرى في مصارف أخرى.. شخص مثلك قابل للعمالة بالأرث لا يمكن أن يلوث تاريخ البعث.. أخجل يا رجل.. أنت نظمت جيشاً من المقاتلين الذين تدربوا على أعمال التخريب بإشراف المخابرات المركزية الأميركية ولكن لم تستطع لا أنت ولا الذين تدربوا التسلل إلى العراق..

أنت ومجموعتك وعددهم /700/ شخصاً مأجوراً دخلتم العراق مع القوات الغازية وبأمرتها ومن يك حاله كذلك لا يستطيع أن يقنع أحداً بنظافته ولا بوطنيته اجتثاث البعث هو حقد دفين في قلوبكم وقد تقتلون صدام حسين ولكن التاريخ سوف يضعكم في مكانكم الصحيح عميلاً واضحاً مكشوفاً وفاسداً ولا أريد حواراً أكثر معك لأنك لا تملك قرارك..

أحمـد الجلبي : نهايتك قد اقتربت عن طريق هذه المحكمة العادلة.. وأنت أصلاً لم تحاكم أحداً بل كنت تقتل على الشك أقرب الناس إليك.. حاكم يعيش على الظلم والشك.. العراق ليس بحاجة إليه أما دعوة القوات الأجنبية فليست السابقة الوحيدة في التاريخ الحديث للعرب.. العثمانيون حكموا العرب /400/ عاماً ولم تقم بوجههم ثورة ولم يستطيعوا التحرير إلا بمعونة أجنبية وبالتعاون مع الشريف حسين ثم بعد احتلال الأجانب للعراق تمكن قادة العراق من الحصول على الاستقلال الذي دمرته مع حزبك..

إننا لا نخجل من طلب المعونة ولم يكن هناك من سبيل آخر لإزاحة كابوس ظلمكم غير هذا السبيل ونحن مدينون للأميركيين بأنهم حررونا وهذه نقطة إيجابية تدل على احترامهم للديمقراطية والحرية التي سوف ينعم بها العراق..

رئيس المحكمة : أرفع الجلسة للدفاع ...

*    *    *


 

الجلسـة الثالثـة

دخلت هيئة المحكمة وجهة الإدعاء وضرب رئيس المحكمة بمطرقته وأمر الجميع بالجلوس.

رئيس المحكمة : استمعت أيها المتهم مرافعة المحامي العام الذي قدم لائحة موجزة بالاتهامات الموجهة لك فماذا تقول وأنصحك بالاختصار وبإمكانك أن تكلف محاميك ببعض الأمور القانونية إذا شئت.

صـدام حسـين : أولاً أنا أعترض على دستورية المحكمة والمحاكمة واعتبر هذه المحكمة محكمة ثأر لا أكثر ولا أقل معينة من قبل الاحتلال ولا أعترف بشرعية المجلس الانتقالي الذي عينته سلطة الاحتلال لذلك لا أعتبر العراق وشعب العراق شريكاً في هذه المسرحية.

مع ذلك ولأن جهة الإدعاء قدمت لائحتها المليئة بالأكاذيب والمغالطات فإنني سأتولى الرد عليها بنداً بنداً راجياً عدم مقاطعتي.

حول مدرسة البعث حاولت جهة الإدعاء أن توحي لكم وللناس أن حزب البعث حزب فاشي انقلابي مهمته تدمير البرلمانات والدساتير وقتل الرؤساء وأنه عصابة وحشية.

لقد استدلت جهة الإدعاء على انقلابية البعث بما ورد في دستوره من أنه حزب اشتراكي شعبي انقلابي.

هذه العبارة وردت في دستور البعث فعلاً ولكن معناها ليس اختيار طريق الانقلابات لأن معناها أن البعث هو تيار قومي مشبع بروح التجديد ويريد إحداث انقلاب في الحياة العربية يستعيد فيها العرب دورهم الإنساني.

إن التخلف الذي رافق الحياة العربية وعلى امتداد /400/ عاماً من الحكم العثماني أقام بنية مجتمعية متخلفة في الفكر والأدوات مشبعة بكل ما هو رديء وغير معقول.

إن مهمة البعث هي إحداث انقلاب في الحياة والمجتمع العربي وليس في إحداث انقلابات عسكرية كما ذهب إلى ذلك المحامي العام فالنص الوارد في دستور البعث واضح لكل ذي عينين وتزوير هذا النص وحرفه عن معناه الأصلي في سياق الدستور عمل يتصف بالتهريج.

إن البعث هو رسالة الأمة العربية وهو تعبير عن تيار قومي أراد إعادة الحياة إلى القومية العربية بعد أن أنهكها حكم السلاطين والحكم الأجنبي وهو تيار طليعي ليس من أهدافه أن يكون عصابة ولا أن يكون سلطة والدليل على ذلك هو أنه حزب قومي على امتداد الوطن العربي وليس حزباً إقليمياً تحددت مهامه بسورية أو العراق والذين التحقوا بهذا الحزب في الوطن العربي كانوا يمثلون روح التجديد واليقظة في الوجدان العربي.

إن شعارات البعث في الوحدة والحرية والاشتراكية ملأت الساحة العربية كلها من المحيط على الخليج لأنها استلهمت روح الجماهير وطموحها ومن هذا الموقع أخذ البعث أهميته كأول حزب قومي في التاريخ العربي.

إن محاولة تشويه البعث وشعاراته تصب في المصالح الأجنبية والإسرائيلية التي لا تريد للعرب خروجاً من النفق ولا وحدتهم ولا حريتهم ولا تريد لهم أن يساهموا في الحياة الإنسانية بأي شكل بل تريدهم رعايا لمصالح الدول الأجنبية والصهيونية العالمية متخلفين وضعفاء تتلاعب بمصيرهم شركات النفط والدول الكبرى.

لقد تعرض البعث لهجمات عديدة من مختلف مراكز التبعية والتخلف في الوطن العربي واستطاع في مراحل نضاله أن يقيم أول وحدة عربية في التاريخ الحديث في إطار الجمهورية العربية المتحدة وأرادها وحدة مشعة بالحرية والديمقراطية تخرج العرب من نفق التجزئة والتخلف وحدة يحميها بفلاحيه وعماله وجنوده ومثقفيه فأرعب العالم الذي بدأ يخترقها من الداخل والخارج إلى أن أجهز عليها.

ومع كل الهجمات على وحدة البعث فإن البعث بقي على ولائه القومي للوحدة واستطاع أن يحرك جمود المنطقة العربية التي دفعت بشعاراته عن الوحدة العربية فكانت ثورة اليمن على حكم الأمامين المتخلف الذي يعود إلى القرون الوسطى وأسقط حكم نوري السعيد في العراق عبر ثورة تموز /1958/ وأسقط الانفصال في سوريـة عام /1963/ ودفع ليبيا إلى الثورة عام /1961/ وساعد الجزائر على الخلاص من المستعمرين وأمد كل قوة عربية في تونس والمغرب والأردن وفلسطين بكل الإمدادات وحتى في أرتيريا التي كانت تتلقى تأييد البعث..

هذا التراث الثوري العربي مدين بوجوده للبعث الذي يراد اليوم تشويه صورته وتصفيته في العراق على يد طغمة من العملاء المأجورين للخارج الاستعماري وبقوة احتلاله..

إن الاحتلال في كل تاريخ الشعوب مرحلة مؤقتة وسينهزم أما البعث كتيار قومي فلا أحد يستطيع هزيمته لأنه مبعثر في كل الوطن العربي ومعاركه مع خصومه الصهاينة والمستعمرين ومع الأجراء والعملاء مستمرة.. ينهزم في معركة وينتصر في معركة ولكن الإصرار القومي سيظل مستمراً لأن البعث صنعه القوميون العرب ومن المستحيل أن يتم اغتياله بواسطة القوة الأجنبية ومن يواليها من العملاء والمأجورين.

إنني في دفاعي عن البعث لا أبتغي غير التأكيد على انتمائي إلى هذا التيار العربي القومي ولا أشعر أنني على خطأ وفي سبيله أتقبل كل مكروه فالشهداء من شباب البعث كثيرون لست أولهم ولن أكون آخرهم.

رئيس المحكمة : نحن هنا ليس لنسمع مرافعاتك عن أفكار حزبك الذي دمر العراق والحياة السياسية في البلاد العربية, إن الناس يعرفون شعاراتكم ويعرفون أنها كانت النقيض في التطبيق.. أنتم تدعون للوحدة وكنتم وراء الانفصال وفي مباحثات الوحدة الثلاثية وضعتم الشروط لعدم إعادتها وعرقلتم حتى الوحدة بين العراق وسورية وأنتم تحكمون البلد باسم الوحدة.. الشعب يعرف أنكم ذو لون في الشعارات وفي الحكم مستبدون وانفصاليون كفاك هراء, عليك الدخول في موضوع الجرائم المنسوبة إليك..

صـدام حسـين : المحامي في مرافعته هو الذي هاجم البعث وعلى أن أرد عليه مع العلم أنني أعرف أن هذه المحاكمة ليست لشخص صدام حسين وحده بل للبعث والتيار العربي على يد شعوبين ومرتزقة يريدون شطب العراق من الخارطة العربية لكي يتوزعوا العراق فيما بينهم تحت الحماية الأجنبية.

أقول لكم لن تستطيعوا ذلك لا بالسلاح ولا بالاحتلال فالتيار العربي ليس مستورداً والصهاينة الذين يقفون وراء هذه اللعبة لن ينجحوا وسنحاصرهم بين الرافدين ولن يشعروا بالأمان ولا الاستقرار..

العالم كله يعرف من اغتصب السلطة الشرعية بالاحتلال أضيفوا ما تشاءون من جرائم وفبركوا ما شئتم من أكاذيب وقصص وتمثيليات هوليودية عن الحرية والديمقراطية والسلام فالعالم كله يعرف أن الاحتلال العسكري للعراق هو نقيض كل هذه الشعارات.. ارحلوا عن بلادنا بالتي هي أحسن لأنكم لن تقيموا دولة مستقرة إلا على جماجم العراقيين وتذكروا أن أجدادنا ماتوا وهم على ظهور الخيل وأن العراق يكون مرة في المنارة ومرة تدوسه سنابك الخيل ولكنه لن يموت..

رئيس المحكمة : طالت الجلسة اليوم وكلها لا ترتقي إلى مرحلة الدفاع المباشر.. أعطيك الفرصة في الجلسة القادمة وأنصحك أن تدخل مباشرة إلى الجرائم المنسوبة إليك بدون فلسفات..

وضرب الرئيس بالمطرقة معلناً انتهاء الجلسة.

*    *    *

الجلسـة الرابعـة 

دخلت هيئة المحكمة وضرب الرئيس بالمطرقة على الطاولة معلناً فتح الجلسة الثالثة.

الرئيس : هل أعددت دفاعك يا صدام حسين موجزاً وبدون فلسفات؟ إنني أذكرك أن المحامي العام اختصر الإدعاء في عناوين سريعة ولم يتعرض للجرائم الفردية التي ارتكبتها قتلاً وسحلاً لأشخاص معروفين وأكد على الجرائم العامة اختصاراً للوقت وعليك أن ترد بإيجاز مماثل فنحن هنا في محكمة وليس في مسيرة من مسيراتكم حيث تلقون خطاباً لساعات على بشر تم حشدهم بالقوة..

صـدام : أعرف أنكم مستعجلون ولكن دفاعي ليس عن شخصي فكل حاكم يزول ولكن أدافع عن قوميتي ومن حقي أن أعري هذه الاتهامات الواحدة تلو الأخرى وإذا لم تعجبكم طريقتي أغلقوا هذا الملف وأخرجوا من دروجكم قرار الحكم الذي أعده لكم المحتلون..

الرئيس : لا أحد يتدخل في المحاكمة غير عدالة الخالق ولا قرارات معدة كما تزعمون فنحن هنا لنحكم بالعدل وسوف يشهد العالم كله على أننا حكمنا عليك بما تستحقه..

صـدام : أبدأ دفاعي بالبند الأول من الجرائم المزعومة حول اغتيال عبد الكريم قاسم.

عندما قامـت ثورة تمـوز /1958/ كنت صغيـراً فأنا من مواليد /1937/ وكانت هذه الثورة محمولة على تحالف بين البعث والقوى الوحدوية في الجيش والشعب.

كان من أهداف هذه الثورة إسقاط الملكية المرتبطة ببريطانيا والتي استخدمت نوري السعيد عميل حلف بغداد وكل حلـف غربي ضد العـرب وضد الجمهوريـة العربية المتحدة التي قامـت في 22 شباط /1958/. قامت الثورة لتعلن التحاق العراق بالركب القومي العربي الوحدوي ولكن القوى الغاشمة التي لا تريد للعرب أن يخرجوا من نفق التجزئة استخدموا عبد الكريم قاسم وما يحيط به من قوى عنصرية وشيوعية ليمنعوا انضمام العراق إلى الوحدة كما هو المفترض فقام المذكور بتصفية القوى العربية في الجيش وسلط الشيوعيين على الدولة التي تحولت إلى ديكتاتورية شيوعية مهمتها مقاومة الاتجاه العربي للعراق الأمر الذي حظي بموافقة السوفيات وموافقة الغرب كله الذي وقف عاجزاً أمام المد العربي في المنطقة كلها.

لم يكن لهذا التوجه المعادي للقومية العربية أنصار في الشعب العراقي الذي لا يريد الشيوعية ولا يقبلها والذي لا يريد انفصالاً عن العرب ولا تدميراً لروح الصمود القومي فيها.

عندما شاركت في اغتيال عبد الكريم قاسم فلأن قيادة قطر العراق رأت أن إزالته بهذه الطريقة ستساعد على فرط العصابة التي تقود العراق خارج السرب العربي وشخصياً نفذت قرار القيادة ولم يكن تصرفاً شخصياً فردياً فحين يكون قرار الحزب هو المواجهة الشاملة ضد هذا الحكم الشيوعي الهجين فليس البعث وحده في هذا الاتجاه بل كل الشعب العراقي الذي ينتسب إلى الإسلام. إن مناقشة الاغتيال السياسي في مثل هذا الجو وأمام المخاطر على التيار العربي القومي على انه عمل فردي أمر مناقض لقرار المواجهة الذي استمر بعد الاغتيال إلى أن تم إسقاط الطاغية المنحرف بعمل عسكري وشعبي مزدوج في ثورة رمضان /1963/.

* حول الانقلابات في سورية :

إن انقلاب حسني الزعيم لم يقم به البعث بل قامت بالإعداد لـه المخابرات الأميركية بعد أن تعثر مشروع تمديد أنابيب نفط شركة التابلاين إلى صيدا عبر سورية وبعد أن رفضت سورية إخلاء مستعمرة مشمار هايردن التي احتلها السوريون وكان من نتائج هذا الانقلاب توقيع اتفاقية التابلاين وبعد أيام تم تسليم المستعمرة المذكورة إلى الصهاينة لذلك فإن نسبة هذا الانقلاب للبعث مناقض لهذه الحقيقة التاريخية التي كشفتها الوثائق فيما بعد.

* حول انقلاب سامي الحناوي :

هذا الانقلاب تم الإعداد له من قبل المخابرات البريطانية ومن قبل حكومة نوري السعيد وكان السفير العراقي في بيروت هو الذي يجمع جماعة حزب الشعب الموالية للعراق ويدفع الأموال ويقدم الأسلحة وشارك في هذا الانقلاب مجموعة من ضباط الحزب القومي السوري الذي يقوده أنطون سعادة والذي قتل من قبل لبنان بعد أن سلمه إليه حسني الزعيم.

لم يكن للبعث غير دور سياسي في إدانة انقلاب حسني الزعيم ولمنع ديكتاتوريته ولم يكن وراء هذا الانقلاب إلا بالمعنى السياسي.

ولقد كان من أهداف هذا الانقلاب ليس الوحدة مع العراق بل تأمين عرش هاشمي للوصي عبد الإله الذي سلم السلطة للملك القاصر فيصل والجهود كانت منصبة على إقامة حكم هاشمي موالٍ لبريطانيا بقيادة الوصي على العرش العراقي عبد الإله..

* حول انقلاب أديب الشيشكلي :

انقلاب أديب الشيشكلي لا علاقة للبعث به ولم يكن له ضباط نافذون في الجيش ولكن مجموعة من الضباط الاشتراكيين من مدينة حماة ساعدوا على هذا الانقلاب الذي من أهدافه منع المخطط البريطاني النور سعيدي من إسقاط النظام الجمهوري وكانت مصر والسعودية كلاهما وراء هذا الانقلاب.

* حول الانقلاب على أديب الشيشكلي :

إن الانقلاب على أديب الشيشكلي كان يستهدف إعادة الحياة الديمقراطية إلى سورية بعد أن تبين للقوى السياسية كلها أن البلد تسير نحو ديكتاتورية عسكرية مدعومة من مصر والسعودية فقرر مؤتمر السياسيين في حمص إسقاط هذا الحكم والعودة إلى الديمقراطية.

في هذه الفترة توحد الحزب العربي الاشتراكي الذي كان بقيادة أكرم الحوراني مع البعث العربي فصار اسم الحزب (حزب البعث العربي الاشتراكي) وشكل قيادة ثلاثية له من أكرم الحوراني وميشيل عفلق وصلاح البيطار.

كان من نتائج قرار مؤتمر حمص قيام مصطفى حمدون بإعلان الانقلاب على الشيشكلي وكان للضباط من البعث العربي الاشتراكي الدور الصدامي الأساسي المدعوم بإرادة سياسية جامعة.

وهذا الانقلاب كان بإمكانه أن يضع الحزب في السلطة مباشرة ولكنه بقي أميناً على الاتفاق السياسي وأعاد الحياة الديمقراطية إلى سورية وسلم العسكريون السلطة إلى الشرعية الدستورية.

لذلك فإن الزعم بأن البعث كان وراء الانقلابات في سورية غير صحيح وما هو صحيح هو أنه دافع عن النظام الجمهوري وعن الديمقراطية وأفشل كل المخططات لإخضاع سورية إلى النفوذ الأجنبي.

* حول عصيان قطنا :

بعد أن عادت الحياة الدستورية قامت السلطة وفيها محافظون متشددون بإجراء مناقلات في قيادة الجيش السوري فكان عصيان قطنا الذي قاده ضباط بعثيون.

ولكن القيادة السياسية للحزب رفضت العصيان وأعادت الحياة الدستورية ورحلت الضباط الذين قاموا به من البعث إلى موسكو كملحقين عسكريين في وقت كانت دمشق في متناول القوات العسكرية الموالية للبعث..

إن البعث لم يكن حزباً سلطوياً بل حزباً عربياً ووطنياً وديمقراطياً ومن هذا الموقف أخذ تأييد الجماهير التي رفعت نسبة التمثيل النيابي للبعث من نائبين إلى 17 نائباً وهو الطريق الذي اختارته القيادة للعمل السياسي.

* حول الوحدة مع مصر:

إنه لغريب جداً إن المحامي العام لم يذكر دور البعث في قيام الجمهورية العربية المتحدة والتي هي أول وحدة لا تتم بقوة السلاح بل بالعمل الشعبي الكاسح الذي أخضع كل القيادات السياسية في الأحزاب والجيش لمنطق الوحدة.

ضباط البعث في الجيش ساهموا مع القيادة السياسية على قيام الوحدة التي أعادت الكرامة للعرب وكانت خطوة على طريق إنهاء التجزئة والإعداد لرد الغزوات الأجنبية والصهيونية على بلاد العرب.

وإذا كان البعثيون قد استقالوا من حكم الوحدة فليس لأنهم ضد الوحدة بل كان ذلك من باب الممارسة السياسية في الحكم حيث رفضوا شكل الحكم البوليسي الذي امتد من مصر إلى سورية فأخذ أحزابها وديمقراطياً ولم يعد مركز إشعاع ديمقراطي كما هو المفترض في مثل هذا المشروع القومي.

وللحقيقة فإن الذين قاموا بالانفصال كانوا مجموعة صغيرة من قوات العشائر مدعومين من النظام الملكي في الأردن ومن هم خلفه ولم يكن للبعث أي دور عسكري لأن ضباطهم في الجيش كان المشير عامر قد أبعدهم جميعاً تسريحاً ونقلاً إلى مصر ولو كانوا في مراكزهم لما تمكن العسكريون المتسترون بالدين الذين حلوا محلهم من تحقيق إرادتهم الشريرة وفي هذا المجال لا يمكن إسقاط المسؤولية عن النظام الذي أهمل دور البعث في حماية الوحدة ودوره في عدم تحقيق حياة ديمقراطية تليق بهذا الإنجاز.

رئيس المحكمة : انتقل بسرعة إلى المفاصل الحساسة في الاتهام فالوقت ثمين وأنت ترافع منذ ساعات في أمور خارج الإطار الإجرامي للمحكمة..

صـدام حسين : إنني أتقيد ببنود الاتهام والآن وصلت إلى العراق فهل أبدأ أم أنكم تريدون تأجيلاً للمحاكمة إلى جلسة قادمة ؟

رئيس المحكمة : (بعد أن تشاور مع الأعضاء) ضرب بمطرقته مجدداً معلناًُ تأجيل المحاكمة إلى الجلسة الخامسة.

*    *    *

الجلسـة الخامسـة

دخلـت هيئـة المحكمـة وضـرب الرئيـس بالمطرقـة وأمـر الجميع بالجلوس.

رئيس المحكمة : الآن جاء دورك في العراق فابدأ من هذه المرحلة التي قادتك إلى السلطة.

صـدام حسين : إن الزعم بأنني تسللت إلى القيادة عبر صداقتي لميشيل عفلق غير صحيح فأنا وفي فترة وجودي في مصر كنت فاعلاً في الحزب وكنت في صورة الوضع في العراق وحين عدت إلى العراق كمـا عادت كل القيادات بعـد ثـورة الحـزب عام /1968/ لاستعادة السلطة في العراق توزع القياديون المراكز وتوليت فعلاً مناصب أمنية حساسة كان أهم أهدافها تأمين الاستقرار لحكم البعث في جو كان فيه خصوم كثيرون في العراق وفي المنطقة وكان حكم عبد الناصر من هؤلاء الذين لا يريدون استقرار البعث في العراق لكي لا تتعطل مخططاتهم التي يعدونها للاستيلاء على سورية وحذف البعث فيها.

لم أكن الحاكم الفعلي كما ورد في الاتهام بل كنت واحداً من القياديين الذين يعملون في هذا الخط حيث واجهتنا قوى الشيوعيين والناصرين معاً والقوى الشعوبية الأخرى التي اجتمعت كلها لمقاومة المد العربي وأعتقد أنني قمت بواجبي الحزبي والوطني وأنا غير نادم على هذا الدور.

رئيس المحكمة : ما يهمنا كم قتلت في هذا المركز الأمني من شعب العراق وقياداته ؟

صـدام حسين : لم يقدم الإدعاء أسماء ولا أحداثاً وكل الذين اعتقلوا وحوكموا ارتكبوا جرائم ضد السلطة ولاغتصابها وكانوا مدفوعين بعامل خارجي أو شعوبي وما فعلناه هو ما تفعله أي سلطة دفاعاً عن وجودها.

أما قصة العملاء الذين أقاموا شبكة جاسوسية مع شاه إيران فهي صحيحة وكان الهدف السياسي منها منع تورط الكثيرين في العمل مع شاه إيران وليس بين هؤلاء من بريء واحد يستحق الرحمة وليس صحيحاً أنني مارست قتلهم لأن هذا الذي تم كان بقرار من القيادة السياسية التي اكتشفت هذه البؤرة المعادية المرتبطة بالاستعمار الأميركي والشاه وقررت تصفيتها حفاظاً على الأمن القومي العراقي..

* حول تصفية بعض أعضاء القيادة القطرية :

كان قرار الحزب بقيادة الرئيس أحمد حسن البكر هو مد الجسور مع الناظم البعثي في سورية تمهيداً لتوحيدهما وقام الرئيس أحمد حسن البكر بالاجتماع مع الرئيس حافظ الأسد وأصدرا البيان الوحدوي الشهير.

كانت النية هي إغلاق ملف الخلاف السوري العراقي في سبيل هدف كبير هو الوحدة التي هي أهم أهداف الحزب.

الذي حدث أن الحكم في سورية لم يفهم المعاني العميقة لهذا الموقف واعتبر هذه الخطوة الوحدوية من العراق تعبيراً عن الضعف تحقيق سيطرة مطلقة للجناح السوري وقيادته بعيداً عن مفهوم الوحدة بحيث بدت الأمور وكأن الغاية ليس تحقيق الوحدة بل إجهاضها عن طريق إضعاف القيادة العراقية واستبدالها بقيادة تابعة أكثر من تحقيق الوحدة.

السوريون كانوا متخوفين من طرح الوحدة وكانوا يقولون علناً أن هذه الوحدة من ممنوعات المنطقة ثم فجأة قبلوا بها وبدأوا بتخريب خط سيرها بحيث تؤدي الأمور إلى إحداث شرخ في القيادة العراقية وتصفيتها.

إذا كان المطلوب هو الوحدة فلماذا هذه الاتصالات السرية السريعة ولماذا قوائم التصفيات المطلوبة ؟

كان هذا هو السؤال.. إذا كانت القيادة السياسية في العراق تريد وحدة الحزب ووحدة القطرين فهل يكون معقولاً أن يسود منطق المؤامرة على المنطق الرفاقي خاصة وأنه لا يوجد أحد ضد هذا التوجه الوحدوي....؟

قيادة الحزب فجعت من هذه الاتصالات ووجدت فيها عملاً لا يتسم بالمسؤولية وإحلالاً لمنطق المؤامرة على منطق الوحدة فقررت في اجتماع قيادي معاقبة الذين قاموا بهذه الاتصالات لإجهاض الوحدة وحملوا المسؤولية للنظام السوري الذي لم يكن باستطاعته رفض الوحدة علناً فبدأ بتخريبها عن طريق هذه المؤامرات هذا كان تصورنا وعليه بنت القيادة قرارها بالمحاكمة.

* حول تخلي الرئيس أحمد حسن البكر عن منصبه :

كل الذين يعرفون قصة الرئيس أحمد حسن البكر كانوا يعرفون طبعه الهادئ وحزبيته الأبوية ورغبته في وحدة البعث ويعرفون أنه مريض ويعاني أكثر من مرض وقبل تنحيه بأشهر كان يصرح بأنه لا يريد الاستمرار لهذا السبب الصحي فقد تعب الرجل كثيراً ويريد الانسحاب إلى هدوء عائلي وصحي وهو الأمر الذي وافقته عليه القيادة بعد جدل طويل رافض لخطوته فتم تسليم السلطة إلي لا عن طريق القوة بل بقرار سياسي من القيادة وكل ما أشيع عن مؤامرة لإقصائه من نسج خيال الأعداء وفي حياتي لم أحترم وأحب شخصاً أكثر منه.

* حول قطع الرؤوس والاعتداء على الحريات :

مرة قلت لأعضاء القيادة أن قلبي ينفرط أسى إزاء كل تصرف عنيف ليس لـه مبرر ولكننا نمتلك قلوباً قادرة على قطع الرؤوس لكل الذين يتآمرون على وطنهم.

العنف غير المبرر مرفوض ودائماً رفضته وحتى ابني حين تسبب في قتل خطأ لأحد المواطنين أودعته السجن ولولا صفح أهل المقتول الأعزاء علي لما توقفت لحظة عن استمرار عقابه.

إن الذين نسبوا إلى نظامنا الوحشية هم على نوعين الأول عربي والثاني أجنبي.

أما الأجنبي فلدينا ذكريات عن استعماره للشعوب وعن قنابله الذرية على هيروشيما وناغازاكي وفي المنطقة العربية عاث الفرنسيون في سورية ولبنان بوحشية للقضاء على الثورات وفي الجزائر قاموا بمجازر جماعية وإبادات كلفت الجزائر مليون شهيد وفي مصر ارتكب الإنكليز المجازر وأبادوا الثورات وأرسلوا قواتهم إلى السودان للقضاء على حركة المهدي وقتلوا مئات الآلاف ولا أريد المزيد لأن التاريخ سجل لهم هذا الجانب الوحشي.

أما في الجانب العربي فالنميري قتل في جزيرة أبا على النيل 13 ألفاً من جماعة المهدي والملك حسين قتل في عمان وحدها خمسة آلاف فلسطيني وفي ليبيا قتل القذافي كل معارضيه ولاحق المعارضة وقتل رموزها التي هربت إلى أوروبا ومصر, أما المغرب فكان القتل فيها مستمراً على يد مخابرات استوردها الملك المغربي من فرنسا لحماية حكمه من الشعب وفي الآونة الأخيرة بمناسبة عيد ميلاد الملك الجديد أطلق سراح دفعة من المعتقلين بلغت 36 ألفاً..!

وفي سورية قامت أحداث حصدت أكثر من مئة ألف من أطرافها وفي لبنان حيث صراعات المخابرات العربية والأجنبية والصهيونية قتل أكثر من مئتي ألف لبناني..

كل هؤلاء لم يسألهم أحد عن أعمالهم ولا اتهمهم بالوحشية وحده العراق لأنه اعتقل وحاكم المتآمرين على نظامه وعلى عروبة العراق وأثناء الحرب مع إيران ساعدوا على تطويق الجيش العراقي فصار العراق وحده وحشياً.

إن هذا الزعم لا يستند إلى أي مشروعية وقد يصدف أن تكون الإجراءات التي تمت تتسم بالعنف والسرعة ولكن هذا هو نتاج التكوين التاريخي لشعب العراق الذي كان عنيفاً على امتداد التاريخ العربي..

نحن في العراق لا نملك إلا قلباً واحداً ولساناً واحداً إذا أحبك العراق يحبك بصدق ويحميك ويجيرك وإذا كرهك لا يستطيع أن يراك أو يصافحك أو ينافق لك.. كلام اللسان هو كلام القلب وهذا الطبع في زمن النفاق يعتبر بنظر العراقيين ظاهرة صحية.. إمّا معنا وإما ضدنا إما أبيض وإما أسود ولا محل للألوان الأخرى بين اللونين.

والآن هذا هو حال الولايات المتحدة والرئيس بوش بعد أحداث 11/9/2001 حيث يقول : إمّا معنا أو ضدنا ولم يترك لأحد أي هامش للحركة حتى لأوروبا المنسوبة إلى حضارته وتحالفاته..

ولقد شايعه العرب في هذا الأمر ووقفوا معه ضد الإرهاب ونحن في العراق رفضنا هذا الاعتداء ونحن بالأصل لا نلتقي بأي شكل مع أولئك المجانين المخترقين من قبلكم ومن قبل الصهيونية, نجتمع معهم في الإيمان بالإسلام ولكن هذا الجنون ليس من متطلبات الإسلام..

وحين وافق العرب على قبول هذه الصيغة القاسية فليس حباً بالولايات المتحدة ولكن تقديراً للحياة الإنسانية ورفضاً لهذا الأسلوب في العمل النضالي الذي لا يملك أفقاً واقعياً وسياسياً كمن يقول علي وعلى أعدائي!

رئيس المحكمة : نحن لا نحاكم الولايات المتحدة في هذه المحكمة بل نحاكمك كشخص وأسلوب وحشي وعليك أن تتقيد بأصول الدفاع.

صـدام حسين : أقرك يا رئيس المحكمة ولكن الولايات المتحدة مع العرب لم تقبل بصيغة من ليس معنا فهو ضدنا إنها أضافت إلى هذا الشعار في الوطن العربي (من هو ضد إسرائيل هو ضدنا).

صار الأمر صعباً فكيف نكون قادرين على تحقيق أفضل العلاقات مع الولايات المتحدة وكيف يمكن أن نقف معها ضد الإرهاب الذي ضربها على أساس أن الصهاينة الذين احتلوا أرضنا وطردوا شعبنا من فلسطين والجولان هم أصدقاء؟

إنني أكتفي بهذه الملاحظة وسأنتقل إلى قصة الحريات مجدداً وعلى عيني ورأسي!

رئيس المحكمة : أنت تريد التهرب من المسؤولية عن قتل الناس بداعي أن هذا هو أسلوب المنطقة فهل تريد أن تقول أن العرب كلهم وحوش لتبرر وحشيتك؟

صـدام حسين : لا أبداً فقط أردت أن أعري هذه الذريعة التي استعملتها الولايات المتحدة وتحالفها للعدوان علينا..

إن الوحشية العراقية ذريعة للعدوان وإلا لماذا وحدنا نصبح في الهدف التحالفي ؟

هذه نقطة والنقطة الأخرى تتعلق باستقلال الشعوب في حكم نفسها, إذا وجد نظام غير ديمقراطي أو وحشي كما تقولون فهذا في شرعة حقوق الإنسان شأن داخلي تتولى تغييره الشعوب المحكومة وليس في شرعة الأمم المتحدة أي حق للآخرين أن يعتبروا أنفسهم رسلاً من الخالق لإجراء تغيير الحكام والحكومات..

يمكن لجمعيات حقوق الإنسان وللدول أن تبدي رأيها وأن تساعد من تشاء في الداخل ولكن أن تحمل جيوشها آلاف الكيلو مترات وأن تدعو لتحالف عالمي وأن تخوض الحروب بحجة مساعدة الشعوب على تغيير حكامها فهذا فتح جديد في العلاقات الدولية.

رئيس المحكمة : عن أية حقوق إنسان تتحدث وأنت اعتديت على هذه الحقوق وحولت العراق إلى مزرعة لك ولأهل بيتك وعشيرتك وزرعت الدم في كل بيت ثم تأتي الآن لتقول إن التدخل العسكري ضدك هو مخالفة لشرعة حقوق الإنسان ألا تخجل يا رجل؟

صـدام حسين : جاءت لجان حقوق الإنسان إلى العراق وزارت كل السجون ولم تقدم لنا أي قائمة بأسماء المعتقلين في حين قدمت للسعودية والبحرين وسورية والسودان ومصر واليمن والجزائر وتونس والمغرب القوائم بمئات وألوف المعتقلين.

رئيس المحكمة : لأنك كنت الوحيد الذي لا يطبق مبدأ السجن للمعارضين السياسيين لنظامك.. كنت تقتلهم بعد ساعات من اعتقالهم ودون محاكمة لا عادلة ولا غير عادلة ثم تأتي الآن لتقول أن بلدك كان نظيفاًُ من المعتقلين..

أية نظافة هذه يا رجل.. كن رجلاً مسؤولاً وشجاعاً كما تم إخراجك إعلامياً وأعترف أنه لم يكن في العالم من يجاريك في الوحشية..

صـدام حسين : كل الذين قتلوا كان متورطين في العمالة والخيانة ضد وطنهم وهم ومن تبقى منهم انخرطوا معكم في احتلال العراق والعدوان على سيادته واستقلاله فهل هناك ما هو أكثر إثباتاً للضرورة التي لجأت إليها أجهزة الأمن ضدهم..؟

إنني أعتقد أن التاريخ سينصف العراق في تصرفاته ولسوف يأتي يوم يتولى فيه الأبناء والأحفاد من شعب العراق معاقبة الآخرين الذين يتجولون اليوم خائفين وبحماية الدبابات والطائرات.

إن أي مواطن عراقي وطني وشريف ولم يرتبط بأي تنظيم خارجي لم يقتل ولا أعتقل ودائماً كنا نقوم بأعمال قاسية لنمنع تورط الناس في هذا الخط الخياني وخلال سنوات الحصار واجهنا سيلاً هائلاً من النشاط التخريبي وردعناه وهذه من مهام أي حكم في العالم.

رئيس المحكمة : هذه نقطة مهمة في الاعتراف أشجعك على متابعة هذا الخط.

صـدام حسين : أي اعتراف تزعمه ؟ هذا واجب الحكومات المكلفة بالدفاع عن أمن البلد وأنا كما قلت سابقاً أحزن كثيراً لأي إجراء لا يكون ضرورياً ولكن كلنا في العراق نمتلك قلوباً مستعدة لقطع رؤوس العملاء وهذا خط وطني وليس عملاً إجرامياً.. وأنا لا أعترف بشيء يخرج عن هذا المفهوم ومهما سجلت عليَّ من نقاط مزعومة فأنا والنظام العربي في العراق خارج حدود أي مسؤولية لأن الذين غزوا بلادنا هم على الجانب الآخر من المسؤولية والتاريخ وحده سيحدد من هو المسؤول أكثر الذين دافعوا عن استقلال بلدهم وأمنهم أم الذين غادروا المواقع الوطنية وتحالفوا مع الغزاة.

أحب في ختام هذا البند أن أعلن أننا في القيادة قررنا في أواخر عام /2002/ أن الأوان قد آن لتخفيف الإجراءات الأمنية ودعونا المعارضين السياسيين الذين لم يشاركوا في أي تجمع مشبوه نظمته الولايات المتحدة أو بريطانيا للعودة إلى الوطن وأصدرنا عفواً عنهم وكان هدفنا أن تلعب بورقة المعارضين ونوظفها لصالح الوحدة الوطنية بدلاً من أن يلعبها الخارج الاستعماري وقد عاد الكثيرون قبل العد\وان ورغم خلافهم مع النظام فإنهم شاركوا في الدفاع عن البلد.

رئيس المحكمة : هذا حدث لأنك علمت أن قرار إنهاء نظامك قد صدر وأن أيامك باتت معدودة فجهدت للعفو عن البعض ولو كانت رغبتك توسيع دائرة حقوق الإنسان والحريات واحترام الرأي الآخر لكنت فعلت ذلك خلال مدة الحصار..

صـدام حسين : في هذه النقطة قد نكون مقصرين ولكن الذي ظهر لنا بعد هذه الحرب العدوانية أنه حتى الذين شاركوا في الحكم الانتقالي لم يكونوا كلهم متورطين بالارتباط كان المرتبطون قلة.

وحين نسمع أن كل المعارضين العراقيين الذين صاروا في الحكم الآن على تفاهة وجودهم فإن الأكثرية المطلقة أعلنت موقفها من نظامنا ولكنها رفضت الاحتلال.

نحن تجاهلنا هذا الإحساس الوطني واعتقدنا أننا نملك وحدنا الحقيقة الكاملة لذلك توجسنا من الرأي الآخر كان بالإمكان فعلاً أن نبي الجسور مع كثيرين من المعارضين لا كلهم فقد أثبتوا رغم انخراطهم في الحكم الانتقالي أنهم مشدودون إلى استقلال العراق وسيادته ولو كنا استعدناهم نحن لما وجد الأميركيون وحلفاؤهم من يلقي عليهم السلام في كل العراق..

إنني أناشد هؤلاء حيثما وجدوا أن يخرجوا من أجواء الحقد وأن يتعاونوا مع شعبهم الذي رفض الاحتلال بالسلاح وأن تتوحد جبهتهم معهم لترحيل المحتلين وإقامة عراق جديد موحد ونحن في حزب البعث نقبل مبدأ تداول السلطة معهم على أساس هذه القاعدة ولا نريد حروباً أهلية بعد الحروب الإقليمية كل العراق وكل المنطقة تعبت من هذه الحروب وعلينا أن نخطط لبداية جديدة على قاعدة الوحدة الوطنية..

أنا صدام كشخص لست إلا حاكماً مر على تاريخ العراق اجتهد في بعض الأمور وقد يكون هناك أخطاء ولكن الموقف الوطني سيظل خارج هذه الأخطاء.. نحن وطنيون نخطئ ونصيب ومن هذا الموقع سيأخذ البعثيون دورهم في حماية العراق ولن يتسولوا هذا الحق الذي يملكه كل من يعمل ويناضل من أجل رحيل المحتلين.

رئيس المحكمة : تقيد بأصول المحاكمات وانتقل إلى البند المتعلق بتدمير هيكلية الجيش العراقي وتأمين سيطرة عشيرتك في تكريت عليه وتحويله إلى إدارة بوليسية لنظامك.

صـدام حسين : اسمح لي يا رئيس المحكمة أن أعود بكم إلى الوراء قليلاً, الجيش العراقي كان يضم أبناء العراق كلهم من السنة والشيعة والأكراد والتركمان أيام الحكم الملكي ولم تكن لهذه التعدديات أية أهمية لا في الالتحاق بالجيش ولا في التعامل مع مناصبه. ولكن بعد ثورة تموز /1958/ ولمنع العراق من الالتحاق بالوحدة العربية بدأ عبد الكريم قاسم عملية الفرز في الجيش العراقي فأبعد الضباط العرب وركز السلطة في الجيش بيد أتباعه من الأكراد ومن الشيوعيين..

كان نظامه في الجيش يقوم على ضرورة وجود توازن في القطعات العسكرية فبجانب كل ضابط عربي يحب أن يكون هناك ضابط كردي أو شيوعي تحت ذريعة التوازن ولحماية نظامه من أي اختراق عسكري.

لم يذهب عبد الكريم قاسم باتجاه تصفية الضباط العرب ولكن حدد كثيراً حركتهم ووضعهم تحت المراقبة المستمرة وجردهم من الصلاحيات الأساسية في الجيش.

بعض هؤلاء الضباط ساهموا معنا في العمل العسكري والشعبي لإسقاط نظامه وخاصة في بعض القطعات القريبة من بغداد وفي سلاح الطيران وعبر هذا استطعنا أن نداهم مقر وزارة الدفاع.

لذلك فإن أول من ابتدع طريقة التدخل من القوات المسلحة هو عبد الكريم قاسم ومن يحالفه من الأكراد والشيوعيين ولسنا نحن. بعد ذلك وحين اختلف البعثيون مع عبد السلام عارف ثم اختلفوا فيما بينهم بين يسار طفولي بقيادة علي صالح السعدي وجماعته وبين القيادة القومية استطاع خصوم البعث في القوات المسلحة أن يرحلوا البعثيين وأن يصفوا وينظفوا من الجيش كل العناصر الموالية للبعث وأحلوا محلهم ضباطاً لا لون لهم ولا طعم ولكن كانوا ضدنا لم يكونوا وحدوين أبداً ولم يسمحوا لعبد السلام عارف أن يحقق أي خطوة وحدودية مع مصر.

في عام /1968/ قاد الرئيس أحمد حسن البكر رحمه الله تحالفاً جديداً مع ضباط في الجيش العراقي بعد مقتل عبد السلام عارف وتنصيب عبد الرحمن عارف محله للتخلص من حكم لا لون له ولا طعم فعاد البعث إلى السلطة.

حين عاد البعث إلى السلطة كنت لاجئاً سياسياً في مصر وعدت مع كل المبعدين.

في القيادة درسنا وضع القوات المسلحة كأمر ملح لمنع الانهيارات في هذه الساحة ولوقف مسلسل الانقلابات العسكرية فتم الاتفاق على الصبغة الجديدة وهي الجيش العقائدي.

اتفقنا على أن الجيش يجب أن لا يكون في قياداته غير البعثيين ووافقنا على تحديد دور الجيش في العمل العام وتأهيله ليكون جيشاً في خدمة العراق والعرب.

العمل السياسي ممنوع على ضباط الجيش فمكان البعثي في الجيش هو الدفاع وأما العناصر المدنية من الحزب فمكانها إدارة شؤون البلد وسياسته ولا تقاطع بين هذين الخطين.

عبر هذا الاتفاق تمكنا من إعطاء القوة للقرار السياسي للقيادة التي تضم بعض العسكريين المنتخبين من الجيش نفسه ولكن أي ضابط قيادي لم يسمح لـه أن يتحدث باسم القوة العسكرية التي يمثلها هو في القيادة كعضو سياسي فقط.

هذه الصبغة منعت الانقلابـات العسكريـة في الجيش منذ عام /1968/ حتى مجيء الاحتلال وأمنت للعمل السياسي الذي يقوده الحزب الحرية والاستقلال.

رئيس المحكمة : الجيش العقائدي الذي تفخر به حرم كل العراقيين من دخول جيش بلدهم الذي تحول إلى جيش للحزب لا للعراق وسرحتم كل الضباط غير البعثيين وكل العناصر الأخرى مهما تدنت مراتبها فهل هذا هو جيش دولة ؟

صـدام حسين : الجيش العقائدي كان بخدمة العراق والدفاع عنه وقد خاض الحرب ضد الفرس وضد التحالف العالمي بقيادة بوش الأب ثم بوش الابن وضد المخربين في الشمال المرتبطين بتركيا وإيران وبالتالي كان جيش الدفاع عن العراق بغض النظر عن الصيغة لهيكليته ما دام تابعاً للقيادة السياسية كما هو الحال في أي بلد ديمقراطي في العالم.

رئيس المحكمة : ألم تقم بعد عام /1979/ بإعادة النظر في هذه الصيغة فجعلت الجيش لا تحت أمرة الحزب بل تحت قيادة مجموعة من ضباط عشيرتك وأهل بيتك بحيث صارت القيادة العسكرية تكريتية ؟

صـدام حسين : هؤلاء الذين تسلموا مراكز قيادية في الجيش كانوا من البعث ويمثلونه في الجيش وكان هناك الكثيرون من الضباط من كل أنحاء العراق وقصة تكريت كانت شعاراً معادياً استخدمته المعارضة العراقية والخارج للإيحاء بأن الحكم في العراق هو حكم عشيرة لا حكم الحزب..

يا رئيس المحكمة سجل لديك أسماء وزراء الدفاع ورئاسة الأركان وقيادات شعب الأركان وقادة الفرق والألوية وسوف تجد أن نسبة الضباط من تكريت لا تزيد عن الربع فهل في هذا أكثر دلالة على أن الانتماء الحزبي لا للعشائري كان المقياس والشرط الواجب تطبيقه في القوات المسلحة؟

رئيس المحكمة : كان ضباط تكريت الأكثر نفوذاً وقوة لقربهم منك وهذا أمر يعرفه كل العراقيين وإلى هؤلاء ذهبت المنافع والمكاسب..

صـدام حسين : أية مكاسب ومنافع تزعم..؟

إن الذين قتلوا واستشهدوا من تكريت كانوا الأكثر ولم توزع لا عليهم ولا غيرهم المنافع ونحن في الوطن العربي كنا النظام الأقسى في محاربة الرشوة والفساد.

نحن في العراق لم نسمح أبداً للعسكريين بأي دور يومي وبالتالي لم يستطع أي ضابط أن يخرج على هذا الخط, دور قومي للجيش في إطار قيادة الحزب السياسية أما العسكريون فليس لهم أي حق بمتابعة أية قضية أو تعهد أو مقاولة ومن يفعل كان يلقى أقسى عقاب..

أما أن الجيش تحول إلى عصابة فهذه إهانة لا أقبلها ولا يقبلها العراقيون من الشرفاء, وجيش يقاتل الفرس ثماني سنوات دون أي اختراقات خيانية ويقاتل جحافل الحلفاء دون اختراقات لا يقال عنه عصابة لأنه فعلاً كان جيش العراق ودافع عن البلد في حدود إمكانياته مرة ينتصر ومرة يندحر ولكنه لم يكن عصابة لأحد واستمرار ضباطه وجنوده بعد احتلالهم للعراق في المقاومة دليل على انه لم يكن جيش شخص ولا نظام بل جيش العراق وحين قمتم بحل الجيش فليس لأنه جيش صدام حسين أو جيش العراق بل لكي تشكلوا جيشاً ترضى عنه أمريكا وإسرائيل ويكون للدفاع عن مصالحهما وهذه هي العصابة العملية الخائنة التي يمكن أن تنسب إلى غير جيش العراق..

رئيس المحكمة : انتقل إلى الحرب الإيرانية التي تسببت فيها بقتل وأسر ما لا يقل عن مليون عراقي..

صـدام حسين : عندما قامت الثورة في إيران وعبر إعلاناتها الإيجابية حول فلسطين وبعد أن أنهت حكم شاه إيران الذي كان رجل أميركا في المنطقة والذي كان يهدد جميع جواره من دول وإمارات تأملنا خيراً كثيراً.

كانت هناك مشاكل بين العرب والفرس بحاجة لحل عقلاني يأخذ بعين الاعتبار انتماء الجميع للإسلام الذي قامت الثورة باسمه.

أهم هذه المشاكل هي انحياز شاه إيران لإسرائيل وإقامة العلاقات معها خارجاً على القرار العربي والإسلامي وكان يمدها بالنفط ويتعامل معها في حين كانت جميع الدول العربية والإسلامية تطبق المقاطعة وترفض الاعتراف بها كدولة أقيمت بالقوة والغزو.

وقد سرنا كثيراً أن تعلن الثورة موقفاً صريحاً بتأييد الحق العربي في فلسطين وهذه نقطة إيجابية كنا فعوّل عليها.

المشكلة الثانية هي احتلال إيران الشاه بالاتفاق مع بريطانيا للأحواز وهذا الاحتلال تم عام /1925/.

الأحواز بلد عربي تنتمي أصوله العربية إلى خزاعة وتميم وتعداده خمسة ملايين.

الشاه منع تدريس اللغة العربية في المدارس وحتى في الجوامع مُنع رجال الدين من تعليم اللغة العربية ما عدا بعض الآيات المتعلقة بالصلوات ومن يخالف يعاقب بقسوة.

منع الشاه توظيف أبناء الأحواز في شركات النفط العاملة في الأحواز حيث النفط الإيراني كله في أرض الأحواز ما عدا بعض الأعمال في التنظيفات وفرض تعيين الفرس تحديداً.

حتى الأسماء لا يجوز لعرب الأحواز أن يسموا أبناءهم بأسماء عربية وأُلزم الجميع بإضافة اسم زاده على أي اسم عربي وزاده معناها الابن باللغة الفارسية.

قام الشاه بزرع مستوطنات فارسية في الأحواز وأقطعها أحسن الأراضي ثم قام بتهجير السكان العرب إلى مشهد ومن يعاقب منهم أكثر يرسل إلى الحدود الأفغانية في أقصى الشمال.

الشاه لم يحترم الانتماء المشترك للفرس وعرب الأحواز للمذهب الشيعي وفرض احتلالاً قاسياً.

العرب في الأحواز كانوا يتعبدون وفق المذهب الشيعي ولكن هذا لم يمنعهم من الثورة على الفرس ولا استطاعت وحدة المذهب أن تلغي الوجود العربي.

وفي شط العرب استغل الشاه الوضع العربي وضغط علينا عبر تنشيط الثورة الكردية في شمال العراق للحصول على حقوق ليست لإيران في شط العرب.

نحن في العراق تأملنا بتوجه جديد مع قيام الثورة ولكن فجأة وجدنا إصراراً على خط الشاه في كل هذه المشاكل فزاد الضغط على عرب الأحواز وزادت المعونات للثورة علينا في الشمال ثم خرج الثوار الإيرانيون بشعار أن ثورتهم هي ثورة الإسلام كله وهددوا بامتدادها إلى الخليج العربي تحت شعار تصدير الثورة.

عند هذه النقطة اصطدمنا مع الثورة الإيرانية لأن الخميني كان فعلياً وسياسياً شاهاً آخر ولكن يلبس عمامة !

ثم قام الإيرانيون بتحريض الشيعة في العراق وهددوا بالزحف لاحتلال العتبات المقدسة.. ثم ألقى الخميني خطاباً قال فيه أنه سيزحف إلى بغداد ويحتلها ويسقط النظام فيها!!

فوجئنا فعلاً بهذه التصرفات وكان لا بد من موقف يمنع تدهور الوضع ويحمي العراق من هذه الهجمة الباغية عليه.

كان في القيادة رأيان الأول أن نسعى بالوسائل الدبلوماسية وبالضغط الدولي لردع الثورة الإيرانية ولوقف تهديداتها للعراق والمنطقة كلها.

وكان هناك رأي آخر أن نذهب إلى مربع الخطر فهذا أفضل من انتظاره.

الحرب بين إيران والعراق بدأتها إيران بتهديداتها الفعلية وعلى لسان الخميني ولم يبدأها العراق أبداً.

قررنا المجابهة المسلحة وحصلنا على دعم السعودية والكويت وجميع دول الخليج وإماراته.

في تلك الفترة كانت الثورة الإيرانية على خلاف مع الأميركيين حيث لم يقدر الإيرانيون دور الولايات المتحدة في تسهيل النجاح للثورة التي قامت بالقضاء على حزب توده الشيوعي الذي تعاظم نفوذه وصار يهدد منطقة نفوذ أميركية.

وللتاريخ قام ثوار إيران الإسلامية بالقضاء على الحزب الشيوعي في مذابح جماعية وفردية لم تؤرخ بعد وخدموا بذلك الأميركيين في الحرب الباردة بين المعسكرين.

بعد أن تأمن النجاح لثورتهم أرادوا أن يلعبوا ورقتهم الخاصة بتصدير الثورة إلى مناطق النفط في الخليج فحدث الافتراق بينهم وبين الأميركيين.

قام الجيش العراقي ببدء العمليات العسكرية في عرض من القوة استهدف وقف امتداد الثورة الإيرانية إلى بلاد العرب في حين أن إعلان الحرب على العراق والمنطقة بدأ من إيران.

نحن في العراق لم نخض الحرب بل فرضت علينا ودافعنا عن العراق وعن دول الجوار بوجه هجمة فارسية تتستر بالإسلام لتحتل بلادنا وهذا من حقوق الدفاع في أي قانون دولي.

استمرت الحرب 8 سنوات وتم فيها تدمير متبادل للقوى والمنشآت النفطية وغير النفطية.

كانت دول الخليج والسعودية تمدنا بالمعونات العسكرية والاقتصادية لأنها عملياً كانت طرفاً في هذه الحرب وكانت مبيعاتنا من النفط إلى العالم قد توقفت بسبب الحرب فكانت دول الجوار النفطية تنفذ مبيعات العراق في حدود حصته من الأوبك إلى الزبائن من نفطها لإمداد الحرب بالموارد اللازمة.

استدان العراق ثمناً للأسلحة مبالغ كبيرة وصلت مع نهاية الحرب إلى أكثر من 180 مليار دولار وكان في العراق فائض من الموجودات النقدية بحوالي مئة مليار دولار كلها وضعت في خدمة الحرب.

دفع العراق دم أبنائه في هذا الحرب ودفع كل موارده ودفعت دول الخليج والسعودية المال أيضاً.

مصر أمدتنا بمقاتلين وبالطيارين وساعدتنا علناً في حين أن إسرائيل كانت ترسل مباشرة وعن طريق تجار الأسلحة الموالين لها الأسلحة إلى إيران..

نحن لا ننكر أن هذه الحرب حققت للأميركيين فوائد في إضعاف خصهم الإيراني الجديد وحققت للصهاينة اقتتالاً بين طرفين عربي ومسلم كل واحد منهما لا ترتاح لقوته.

ولكن السؤال هو من تسبب في هذا الوضع؟

هل العراق الذي دافع عن أرضه وعن الدول العربية المجاورة هو المسؤول أم مجموعة الأئمة التي أرادت الإسلام شعاراً لإعادة إمبراطورية الفرس ؟

لقد سقط للعراق أكثر من مليون قتيل وأسير هذا صحيح ولكن في الحروب الأمور مرهونة بنتائجها والعراق استطاع أن يرد الغزو الفارسي عن المنطقة ويوقف امتداد الثورة الإيرانية إلى بلاد العرب وحقق انتصاراً قبلت معه إيران الفارسية بوقف تدخلها في المنطقة وفهمت أن أحلامها باحتلال العراق والخليج لن تتحقق فإذا دفعنا هذا الثمن هل نكون مجرمين ونحاكم من قبلكم عليه وبأي حق يقال لنا ذلك من قبل جهة الإدعاء..هل كانت الحرب عملاً طائشاً أم أنها كانت عملاً مسؤولاً من أعمال السيادة والدفاع ولو لم تكن الحرب كذلك لماذا شاركت فيها مصر والسعودية والكويت والإمارات وكل دول الخليج؟ ولماذا أيدها الشعب العربي كله ؟

إنني في هذا المجال أحمل المسؤولية عن الحرب لشاه إيران الجديد الذي ظن أن تستره بالإسلام يعطيه الحق في احتلال بلاد العرب ونحن في العراق نظاماً وحزباً خارج حدود المسؤولية فهذا هو حق الدفاع الذي أيدتنا فيه دول العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة التي تحاكمنا اليوم على هذا الموقف.. إنه لأمر غريب صيف وشتاء على سقف واحد.

رئيس المحكمة : ألم يكن بالإمكان أن تنتظروا المباحثات السياسية دون أن تستعجلوا الحرب فتوفرون دماء جنودكم وأموال العراق ومنشآته من ويلات الحرب؟

صـدام حسين : كانت الحرب على الأبواب وعمليات التخريب الداخلي قد بدأت وأي حاكم مسؤول إذا تأخر عن الرد فإن مسؤوليته عن الانهيار والاحتلال ستكون أكبر ونحن في هذه العملية الاستباقية كنا نمارس حق الدفاع والحروب الاستباقية معروفة في الميدان العسكري والولايات المتحدة في حربها على العراق اعتمدت مفهوم الحرب الاستباقية بحجة منع الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل وغير ذلك من الأكاذيب..

رئيس المحكمة : كفى الآن وفي الجلسة القادمة تتابعون مرافعتكم وضرب بالمطرقة معلناً انتهاء الجلسة.

*    *    *


 

الجلسـة السادسـة

دخلت هيئة المحكمة وضرب الرئيس بالمطرقة معلناً بدء الجلسة الخامسة وأمر الجميع بالجلوس.

رئيس المحكمة : بإمكانك متابعة الرد على الإدعاء وأعتقد أننا وصلنا إلى موضوع الثورة الكردية ومذابح الأكراد في الشمال وخاصة في حلبجة حيث استعمل المتهم السلاح الكيماوي ضد شعبه وقتل ما لا يقل عن خمسة آلاف كردي عراقي والصور والوثائق موجودة في ملف القضية.

صـدام حسـين : المشكلة الكردية كانت في العراق هماً ليس بسبب التعددية بل بسبب استغلالها من قبل تركيا وإيران والاتحاد السوفياتي لغايات لا علاقة لها بحقوق الأكراد.

كان البرزاني الأب يقود الثورة لصالح الاتحاد السوفياتي الذي كان أثناء الحرب الباردة يضغط على العراق عن طريقها وكانت موسكو هي الملجأ الآمن لـه وإلى قواته أرسلت موسكو الأسلحة فالعراق كان منطقة نفوذ غربي ومن مصلحة السوفيات إزعاج الغرب, وكل الشيوعيين في الداخل انخرطوا في تأييد هذه الثورة التي أربكت الوضع الداخلي بامتدادتها.

شاه إيران من جهته وللضغط على العراق كان يؤجج الثورة في المناطق الكردية المتاخمة لإيران للضغط على العراق وللحصول على حقوق مزعومة في شط العرب.

الأتراك أيضاً ساعدوا الأكراد في الثورة لأن أحلامهم كانت بضم العراق إلى حلف بغداد الذي تقوده تركيا والغرب..

في قيادة الحزب درسنا المشكلة الكردية من خلال موقف الحزب من الأقليات في الوطن العربي.

في دستور الحزب لا توجد عصبية قومية ضد الأقليات ولكن توجد مساحات تسمح باندماجها في الحياة العربية وتشجيع ذلك واحترام الكرامة الإنسانية وحق التعدد الذي فرضه التاريخ..

في الحزب كنا ضد انفصال الشمال وهذه نقطة حاسمة ولكن لم تكن لدينا أي عصبيات ضد حقوق الأقليات الدينية والعنصرية في العراق.

لقد قررنا سحب الورقة الكردية من التداول الخارجي وقررنا توظيفها لصالح وحدة العراق والوحدة الوطنية فيه.

وافقنا عبر التفاوض مع إخواننا الأكراد على إقامة حكم ذاتي وسمحنا للأكراد بمجالس وبتدريس اللغة الكردية واعتبرناها لغة رسمية في مناطقهم وخصصنا لهم موارد كبيرة للاعمار مقابل إنهاء التدخل الخارجي.

العراق وحده هو الذي وافق على الحكم الذاتي في حين رفضته تركيا وإيران حيث لا مدارس عربية ولا مجالس محلية ولا أي إعمار في مناطق النفوذين التركي والإيراني في مناطق الأكراد لديهما.

وحتى الآن ومع أن الأكراد قادتهم الولايات المتحدة للعمل ضد العراق وطنهم كما هو وطننا فإن ما يعرض عليهم اليوم ليس الاستقلال لا في العراق ولا في تركيا ولا في إيران.

لقد استغل الأعداء من الخارج عواطف الأكراد القومية لإحداث الصدام مع القومية العربية والعراق ولكن لم يحصلوا على أي حق يتجاوز ما قدمه العراق بلدهم ووطنهم من مكاسب وحقوق.

نحن ننظر إلى الأكراد كمواطنين ونشركهم في الوزارات والمجالس وحتى في الحزب لم يكن المجال العام أمامهم مغلقاً وانتسب إلى الحزب أعداد كبيرة منهم كانوا مثالاً في الوطنية ودعماً للحقوق العربية ووعياً يتسم بالمسؤولية.

رئيس المحكمة : انتقل إلى القتال مع الأكراد وإلى حلبجة اختصاراً للوقت فهناك كانت جريمتك الكبرى..

صـدام حسين : أثناء الحرب مع إيران فوجئنا بنشاط معاد في المناطق الكردية خاصة التي تجاور إيران وكان أمراً مفجعاً لنا بعد أن اتفقنا مع إخواننا الأكراد على صيغة مشتركة للحياة تقوم على الاعتراف بالحكم الذاتي لهم.

وفهمنا أن الخارج عاد إلى استغلال القيادات العشائرية عن طريق المال للثورة ضد الحكم العراقي الذي يخوض حرباً وربما أعطوهم الأمل بإقامة دولة كردية وظنوا هم أن ذلك صحيح في حين أن الواقع هو غير ذلك تماماً.

في منطقة حلبجة وحين كان العراق في الشرق يخوض حرباً طاحنة وصلت في بعض المناطق إلى الاشتباك بالسلاح الأبيض حين دفع الإيرانيون بالآلوف من المقاتلين الأغرار إلى المعركة ابتغاء إرضاء الإمام الخميني والحصول على مكان في الجنة, كان وضعنا العسكري صعباً للغاية..

في تلك الفترة فوجئت القيادة العسكرية بحركة التفاف عسكرية إيرانية جاءت من الشمال بالاتفاق مع بعض العشائر الكردية في منطقة حلبجة..

كان الهدف همن هذا الالتفاف أحد أمرين الأول أن نضطر لإرسال القوات من جبهة القتال إلى الشمال الكردي فتضعف جبهة المقاومة الشرسة هناك أو يكون الهدف تطويق القوات العراقية في عملية عسكرية جديدة.

القيادة العسكرية أرسلت مجموعات صغيرة بصورة عاجلة للتعامل مع الاختراق الإيراني وأمرت باستعمال كافة أنواع الأسلحة لفك هذا الحصار ولكي لا يكون العراق مضطراً إلى إضعاف الجبهة الشرقية لأن ما حدث في حلبجة في العلم العسكري كان جبهة جديدة وليس ثورة أكراد محدودة وقد تم التعامل مع هذا بكل الأسلحة المتوفرة في الجيش وقد ارتد هذا الاختراق وحمل الإيرانيون جثث قتلاهم بالألوف وتركوا جثث الأكراد ليكون ذريعة استغلها بعض المعارضين الأكراد واستغلها الخارج الاستعماري للإدعاء بوحشية النظام.

هذه هي الحقيقة التاريخية, كان مقتل أبناء العراق في حلبجة أمراً مفجعاً لنا ولكن مسؤوليته كانت على بعض القيادات الكردية الخائنة التي ساعدت الإيرانيين على تحقيق هذا الاختراق لمحاصرة الجيش العراقي..

حادثة حلبجة لم تكن بقرار سياسي بل نتيجة قرار عسكري أثناء الحرب التي يقودها ضباط يقدرون المخاطر ومهمتهم الدفاع عن العراق بأية وسيلة..

من هذه الزاوية نحن نعتبر القتلى من أبنائنا في الشمال شهداء ولكن المسؤولية هي على عاتق الذين فتحوا الحدود والطرق للجيش الإيراني ليشكل فكى كماشة ضد جيش العراق..

رئيس المحكمة : استعملتم الأسلحة الكيماوية والنابالم ضد المدنيين أليس هذا الذي تعترف به ؟

صـدام حسين : استعمل الجيش في الميدان كل أسلحته المتوفرة ضد الغزو الإيراني لمناطق في العراق وكان الإيرانيون هم الهدف ولردعهم وردهم وليس الأكراد المدنيين وقد حقق الجيش هدفه العسكري.. والمدنيون دائماً قد يصبحون ضحايا غير مقصودة في الحرب..

رئيس المحكمة : انتقل إلى حرب الكويت.. كيف استطعت الانتقال من الحرب ضد الفرس إلى الحرب ضد العرب؟

صـدام حسـين : قصة الكويت هي قصة الغدر.

لقد دفع العراق دماء أبنائه وأمواله لمنع امتداد الثورة الإيرانية إلى الخليج وإلى الكويت أولاً وخرج من الحرب مديناً للعالم بأكثر من مئتي ملياري دولار وكان جيشه منهكاً والجسور مهدمة والطرقات والمطارات والمعامل ومنشآت النفط وكان بحاجة ماسة لإعادة إعمار العراق.

تصرف الكويتيون تصرفاً عدائياً في نقطتين أساسيتين :

الأولى : هي أنهم بدءوا باستثمار حقول عراقية على الحدود الجنوبية ووقعوا عقوداً للشركات فيها وهي امتداد لحقل الرميلة الشمالي الذي يملك احتياطاً عالمياً ضخماً مع أن هذا الحقل كله يقع في العراق.

الأمر الثاني : أن الكويت زادت الضخ بغرض عدم السماح برفع أسعار النفط التي من مصلحة العراق أن ترتفع ليكون لديه موارد يسد بها نفقات الحرب..

أدت سياسة الكويت والتي أنفرد بها دون باقي العرب إلى المشكلة مع العراق وتدخلت السعودية وبعد أن عرضت أن تدفع للعراق تعويضاً عن الخسارة فوجئنا بولي عهد الكويت الذي يعاني من خلل عقلي يرفض المبادرة السعودية مصراً على موقفه المعادي وتبين للعراق أن قوى خارجية تساند هذا الموقف لإبقاء العراق ضعيفاً ومنع إعادة إعمار الجيش والبلد وبدا واضحاً أن الغاية هي تحجيم قوة العراق بعد انتصاره على إيران وهذا التحجيم يعكس خوف أمراء الكويت من المد العربي الشعبي وخوف إسرائيل من عملية إعادة بناء الجيش العراقي كما يخفى اتفاقات سرية للاستيلاء الأميركي على نفط الرميلة.

شعرنا بالغضب وذهبنا لاحتلال الكويت رداً على من دافعنا عنهم فغدروا بنا.. اتق شر من أحسنت إليه وكان هدفنا ليس شعب الكويت العربي بل الأسرة الحاكمة..

رئيس المحكمة : أنتم بعد احتلال الكويت قلتم أن الكويت جزء من العراق وقمتم بتسميته بالمحافظة التاسعة عشر..

صـدام حسين : كان هذا صحيحاً فالكويت مشيخة صنعتها بريطانيا وأخذتها من العراق وكانت تابعة لولاية البصرة طيلة الحكم العثماني.. ومكان الكويت هي العراق..

كان هدفنا بعد إسقاط حكم آل الصباح أن نستعيد الكويت إلى البيت العراقي الأم ولم يكن هدفنا إنزال الأذى بالكويتيين لأنهم شعبنا..

رئيس المحكمة : ولكن جنودكم قتلوا الكثيرين من أبناء الكويت ونهبوا الموجودات وعاشوا فساداً.

صـدام حسين : في كل حرب تحدث تجاوزا ت وإذا عدتم لأرشيف وزارة الدفاع فإن المحاكم الميدانية في الكويت أعدمت الكثيرين ممن تصرفوا خارج الأوامر المعطاة إليهم بضرورة التعامل العربي مع شعبنا في الكويت.

رئيس المحكمة : بعد أن تبين لكم رفض العالم لاحتلال الكويت وبعد أن عرفتم أن الأميركيين خدعوكم بواسطة سفيرتهم وأوهموكم أنهم لا يتدخلون في خلافكم الكويت لماذا لم تنسحبوا وتوفروا على شعبكم وجيشكم الخسائر والدماء خاصة وأن كل الحكام العرب دعوكم إلى انسحاب فوري..؟

صـدام حسين : كانت هناك مفاوضات لتحقيق انسحاب مشرف مقابل ثمن سياسي يدفعه حكام الكويت وليس صحيحاً أننا رفضنا كل نداء بل على العكس كانت هناك قنوات دولية وعربية تعمل وتقدم الحلول ولكن الأميركيين وجدوها فرصة سانحة لتحقيق نفوذ أكبر لهم في كل الخليج ولابتزاز حكامه ولإضعاف قوة الجيش العراقي لصالح إسرائيل..

وأذكركم أنه في الوقت الذي كانت القوات العراقية تنسحب تدريجياً من الكويت وفق المنطق التفاوضي الذي كانت تديره مصر كانت الحرب قد بدأت وقسم كبير من قواتنا التي كانت في الكويت تم ضربها بالطيران الأميركي والتحالفي وهي على أبواب البصرة.

رئيس المحكمة : مع ذلك فإن الأميركيين لم يلاحقوا نظامك إلى بغداد فما هو السر في هذا التصرف إذ كان بإمكانهم أن يفعلوا ذلك فلماذا لم يفعلوا أليس لأنهم حققوا أهدافهم بواسطتكم ؟.

صـدام حسين : إنك تتحدث كما تحدث الكثيرون من حكام العرب ونسبوا إلينا الاتفاق مع الأميركيين وإنه لأمر مضحك تماماً أن تقدم دولة عظمى بقيادة تحالف من 38 دولة لتدمير العراق ثم يقال عنا عملاء.. إن هذا التصرف من البعض يهدف إلى احتواء الردود الشعبية على مواقفهم لا أكثر ولا أقل ولكن هذه المزاعم مضحكة وغبية إلى درجة لم يصدقها إلا الذين فبركوها.

 الأميركيون الذي ركزوا هجماتهم على قواتنا التي كانت تغادر الكويت والتي كان بعضها قد عاد إلى البصرة حققوا أهدافهم المعلنة وهي تحرير الكويت أما احتلال بغداد فهو أمر لم يوافق عليه حلفاؤهم في الحرب لذلك توقفوا ليس اتفاقاً معنا بل لأن مثل هذا الامتداد لا يحظى بموافقة كل دول التحالف الذي يقودونه.

بالإضافة إلى ذلك كان لدينا قوات أساسية حول بغداد وتملك صواريخ تستطيع إنزال الخسائر بقوات التحالف لذلك قاموا بتقسيم العراق إلى منطقتي حظر في الشمال والجنوب معتقدين أن الشعب في العراق نتيجة للحصار سوف يسقط النظام.

ولكن الواقع أن الشعب لم يسقط النظام ودافع عنه وتحمل مصاعب الحصار واستطاع أن يعيد المنشآت المدمرة والجسور والكهرباء ومتطلبات القوات المسلحة في زمن قياسي..

رئيس المحكمة : إنك بتصرفاتك دفعت الكويت ودول الخليج والسعودية إلى بيت الطاعة الأميركي وصاروا محل ابتزاز أخذ كل ميزانيات هذه الدول لقد خربت استقلال هذه الدول.

صـدام حسين : الكويت لم تكن دولة هي شركة نفط يتولى حراسه شؤونها آل الصباح.. هي جزء من العراق اقتطعها البريطانيون لصالح استثمارهم لنفطها..

لقد اعترفنا بالكويت بعد الانسحاب ووافقنا على ترسيم الحدود ولكن الكويتيين سمحوا للطيران الأميركي أن يقصفنا لعشر سنوات من الحصار كما أنهم ضاعفوا استثمارهم لحقولنا النفطية على الحدود ثم هم صالحوا إيران التي شاركونا في الحرب ضدها لثماني سنوات ورفضوا أي حوار معنا..

رئيس المحكمة : لماذا هذا الحقد على الكويت ؟

صـدام حسين : معاذ الله الكويت والعراق شيء واحد نحن نتحدث عن الكويت الرسمي لا الشعبي وحين تتاح لشعب الكويت الحرية فلن يكون في صف الذين باعوا البلد وأقاموا القواعد الأجنبية.. في مؤتمر القمة في بيروت حاولنا إعادة الحوار وكان كل الحكام العرب معنا في ضرورة هذا الحوار لحماية المنطقة العربية من التهديدات الجديدة ولكن الكويت بقيت على رفضها لأي حوار.

إن قضية الكويت ليست مشكلة بحد ذاتها المشكلة هي في التجزئة التي تستبيح المنطقة العربية كلها وأي حاكم أو مواطن عربي يعرف أن الهدف الاستراتيجي للعرب هو إزالة هذه التجزئة بالتعاون والاتحاد والوحدة وليس لدينا شكل جاهز مفروض لتحقيق هذا الغرض الاستراتيجي الذي يجب تطبيقه حسب ظروف كل بلد وقدراته..

إن الكويت مهما أوغلت في حقدها على العراق فإنها لن تدمر وحدة البلدين والشعب الواحد فيها.. وإذا توفر لحكام العراق اليوم تحالف أجنبي يحميهم من التيار العربي يوماً فإن المستقبل ليس مع العداء للعراق بل مع الحوار معه والتعاون وهو الأمر الذي استهان به الحكام الكويتيون وسيدفعون ثمنه يوماً.

لم يقع في عملية الكويت ضحايا وكانت عملية نظيفة تمت بساعات..

رئيس المحكمة : أين الأسرى من الكويتيين يا صدام؟.

صـدام حسين : لا يوجد أسرى بل يوجد عشرات من الأفراد فقدوا أو قتلوا أثناء المعارك وليس لدى العراق أي سجلات بوجودهم وقد أوضحنا للجان حقوق الإنسان والصليب الأحمر ومجلس الأمن كذلك وسمحنا لهم بتفتيش السجون ووافقنا على لجان تحقيق بشأن فقدانهم والآن أنتم في السلطة في العراق وفي متناولكم كل الوزارات والأجهزة والسجلات وبإمكانكم أن تحققوا ولن تجدوا شيئاً.

إن قضية الأسرى هي قميص لحكام الكويت وكانوا يتذرعون بها للحيلولة دون تحقيق تسوية عربية لا يريدها الخارج الاستعماري.. إنها أكذوبة جرى تضخيمها كثيراً ولو كان لدينا أسرى بهذه الأسماء كنا قمنا بتسليمهم لسحب هذه الورقة من الساحة العربية والدولية..

كان لدينا عشرات الألوف من الأسرى الإيرانيين وقمنا بمبادلتهم فحين تنتهي الحروب يكون من منطق الأمور حل مشاكل الأسرى..

رئيس المحكمة : قد يكون نظامك قد قتلهم لإخفاء جريمة خطفهم..

صـدام حسين : لماذا نقتلهم؟ ما أهميتهم؟ لا أدري نحن لم نستهدف أصلاً أي واحد من شعب الكويت ولم نقتل أحداً بعد احتلال الكويت.. هذا الأمر غير وارد وهو أكذوبة للاستمرار في ضخ الحقد ضد العراق ولخدمة الأهداف الاستعمارية المطلوبة من الكويت وحكامها الذين لولانا لالتهمهم شاه إيران والشاه الإيراني الجديد الذي يلبس عمامة!.

رئيس المحكمة : كفى الآن سأرفع الجلسة, وضرب بالمطرقة داعياً صدام حسين إلى تحضير مرافعته عن المذابح ضد الشيعة في البصرة وكربلاء والنجف..

*    *    *


 

الجلسـة السابعـة

دخلت هيئة المحكمة ووقف الجميع لها وضرب رئيس المحكمة بالمطرقة طالباً من الجميع الجلوس..

رئيس المحكمة : حدثنا الآن عن المذابح المنسوبة إليك وإلى نظامك في المناطق الشيعية في العراق بعد هزيمتك في الكويت.

صـدام حسين : بعد أن تم الانسحاب من الكويت وتوقفت المعارك قامت عناصر إيرانية مدفوعة من إيران وعلى رأسها بعض الأئمة من الأصل الفارسي بعمليات تخريب معتقدة أن النظام قد انهار وأنهم قادرون على إسقاطه بدعم من إيران التي سهلت للعدوان وللأساطيل والطائرات حركتها في الأجواء والخليج..

وكان بعض العملاء من المخابرات الأجنبية يمارسون دورهم في هذا المجال وتلاقت أحقاد الفرس وبعض الشيعة المتجنسين للقيام بتظاهرات وأعمال تخريب واحتلوا المخافر وبعض مراكز الدولة فقمنا على الفور بالرد على هذه المؤامرة التي هي امتداد للحرب علينا وطردناهم من هذه المراكز واعتقلنا الكثيرين وهرب الكثيرون وأعدنا الاستقرار إلى هذه المناطق.

وللتاريخ فليس كل الشيعة كانوا في هذا العمل, فقط مجموعات تنتمي إلى حزب الدعوة الذي أسسه شاه إيران ثم جرى ترحيله لجماعة الخميني وبعض عملاء المخابرات الأميركية أما شعبنا العربي الشيعي فلم يشارك في هذه الأعمال لذلك قمنا بعملية فرز لهؤلاء عن هؤلاء ولم يحصل أي اعتقال إلا لهذه القلة الخائنة..

لقد تصرفنا إزاء هذه العمليات كما يتصرف أي نظام من مهامه حماية الأمن والاستقرار للناس فكيف إذا كانت هناك استخبارات أجنبية ترعى هذا الشكل من العمل التخريبي ؟

رئيس المحكمة : هناك معلومات وشهود على عمليات تصفية جسدية في الشوارع فماذا تقول ؟

صـدام حسين : كانت هناك حرب حقيقية في الشوارع وكان هناك سلاح وإطلاق نار متبادل ومن يحمل السلاح ويقاتل الدولة فمسؤوليته على نفسه.

لقد أخمدنا ثورة معادية واستعدنا مقرات الدولة ومخافرها وإذا وقعت ضحايا فهذا أمر مشروع في أي حرب..

لم نكن نواجه مظاهرات سلمية بل حرباً حقيقية دفع إليها الإيرانيون والأميركيون ولم ينجدوها لكي يقال أن صدام حسين يقتل شعبه.

نحن استهدفنا العملاء ولم نستهدف الشعب بدليل أن الناس خرجوا محتجين عليهم وأعلنوا ولاءهم للدولة.

رئيس المحكمة : مظاهرات التأييد هذه نعرفها, كلها تتم عن طريق أجهزتكم التي نشرت ثقافة الخوف وما دام إنكم قتلتم الناس فمصلحة الباقين أن لا يقتلوا ولكن في أعماقهم يكرهونكم لأنكم قتلتم واعتقلتم وهجرتم أبناءهم لذلك فهذه التظاهرات المؤيدة للقمع هي جزء من مشكلة نظامكم وليست دليلاً على المحبة.

لماذا أعدمت الشيخ الجليل الصدر ؟

صـدام حسين : لقد حوكم محاكمة عادلة وصدر الحكم عليه بالإعدام وراجعني العديد من رجال الدين بشأنه وكنت أنوي أن أعفو عنه ولكن جماعته ارتكبوا في حادثة جامعة المستنصرية أعمال قتل وتخريب يندى لها الجبين.. وحين حضرت إلى مكان الحادث وشاهدت الجثث المبعثرة والمقتولة بالخناجر والهروات أمرت بتنفيذ الحكم من غير المعقول أن أذهب للعفو حين يكون جماعته يعاودون أعمال القتل والتخريب لذلك فإن مقتل الصدر لم يكن عملاً قامت به الأجهزة بل كان نتيجة لحكم القضاء ولولا حادثة المستننصرية لكان هامش الرحمة والغفران قد أنقذه.

مشكلتنا مع هذه المجموعة أنها تضم الفرس الذين تجنسوا بالجنسية العراقية وكان أئمتهم رغم معرفتهم اللغة العربية يأنفون استعمالها ويتحدثون بالفارسية.

لم تكن مشكلتنا مع العرب الشيعة وفي حزبنا عشرات الألوف منهم وكانوا رفاقاً مناضلين ولم نغلق بوجههم لا أبواب التوظيف ولا أبواب الحزب وفي الحرب مع إيران قاتلوا مع العراق ودافعوا عن العراق ولا نضمر للمذهب الشيعي إلا كل احترام لأن الشيعة العرب جزء من التكوين البشري للعراق ونحن في البعث لسنا حزباً دينياً بل حزباً علمانياً والبعثيون يصلون ويصومون ولا أحد منهم كان ملحداً ولكننا مع احترامنا للتراث والطوائف والأديان لا نتبع الطريق الديني في السياسة.

وحتى الذين تعاونوا مع الاحتلال لم يستطيعوا حتى الآن أن يقولوا أنهم مع الاحتلال بل يعلنون أنهم يعملون بالطريق السياسي لترحيله وهذه نقطة إيجابية فرضها الواقع الشعبي..

رئيس المحكمة : والأموال التي قمت بنهبها من موارد النفط ثم الأموال التي قام ابنك عدي بالاستيلاء عليها من المصرف المركزي قبل الحرب الأخيرة أين هي, إن الأرقام تدل على انك أودعت في مصارف العالم المختلفة ما لا يقل عن مئة مليار دولار من أموال الشعب العراقي وهذا المال العام هو لشعب العراق فأنت ومجموعة من أبنائك وأهل بيتك سرقتم من المال العام المليارات..

صـدام حسين : هناك أموال مودعة في الخارج ولكنها ليست أموالي, فنحن في قيادة الحزب خصصنا أموالاً للحزب بعد التجربة القاسية التي واجهتنا حين انقلب علينا عبد السلام عارف فصرنا مشردين في البلاد العربية والعالم نتسول موارد عيشنا من أجهزة المخابرات المختلفة تحت اسم اللجوء السياسي وكنا مضطرين لمراعاة مطالبهم ومصالحهم الإقليمية ففقدنا استقلال قرارنا. ولكي لا تتكرر التجربة قمنا بإيداع أموال احتياطية في بعض البنوك بعضها باسمي وبعضها بأسماء عدد من أعضاء القيادة وهي ليست أموالاً شخصية بل مسجلة في سجلات الحزب ولدينا إقرارات شخصية بأنها تعود للحزب.

رئيس المحكمة : وهل من المعقول أن تصل إلى عشرات المليارات؟

صـدام حسين : لا ليست بهذه الكميات المزعومة وعلى أي حال فإن الإدعاء لم يقدم لكم أي كشف من أي مصرف في العالم لا بهذه الأموال ولا بغيرها فبقي هذا الإدعاء مجرد أكذوبة نظمتها الصحافة والمخابرات الأجنبية للإساءة إلى سمعتي وسمعة النظام.

رئيس المحكمة : من أين جئتم بهذه الأموال هل هبطت عليكم من السماء أو كانت نتيجة أي عمل تجاري ؟

صـدام حسين : الحزب كان يضم مليون ونصف مليون عراقي وكلهم يدفعون الاشتراكات وهذه الأموال هي أموال المؤسسة الحزبية ومنها ونحن لم نختلس مالاً عاماً وأنتم لم تثبتوا شيئاً من هذا القبيل..

رئيس المحكمة : على أي حال إن لجاناً مختصة تتابع هذا الموضوع على امتداد مصارف العالم وسوف نحصل على الكشوف الخاصة بكم وبعائلتكم ليرى الشعب العراقي كم كنتم منزهين وشرفاء ولا تمسون المال العام!!

صـدام حسين : قدموا كشوفكم ونحن مستعدون للدفاع عن أنفسنا وليس عندنا ما نخفيه في هذا الشأن وأذكركم بأن حافظ الأسد حين استولى على السلطة عام /1970/ في سورية واجهته نفس المشكلة فقد كانت توجد أموال في الخارج أودعت باسم نور الدين الأتاسي وعدد من أعضاء القيادة الذين اعتقلوا واستعادت سورية قسماً كبيراً منها لخزينة الحزب.

رئيس المحكمة : هذا ليس مبرراً لهذا الأسلوب على أي حال كلكم تطبخون نفس الطعام.. وتطبقون أساليب القمع المختلفة فهذه المدرسة لم تنتج غير الفساد والقمع ولذلك ثار عليكم الشعب ورفضكم.

صـدام حسين : أي فساد تزعمون ونحن النظام الوحيد في المنطقة الذي لم تستطع الرشوة أن تستوطن فيه وكان العقاب لها شديداً جداً.

إن نظافة اليد كانت عنوان سلوكنا الداخلي وكل الذين مارسوا الفساد اعتقلوا وطردوا وعلى أي حال الشعب يعرف موقفنا هذا وليس عندنا ما نخجل منه في هذا الخصوص.

رئيس المحكمة : ألم يتمتع الأتباع من هذه المدرسة بالامتيازات والمنافع.

صـدام حسين : في كل نظام توجد منافع للذين في السلطة ولكنها عندنا ربما كانت الأقل كأن تحصل على هاتف أو توظف قريباً أو على حق الحصول على شقة وهذه الأمور كانت متاحة فعلاً للقيادين لكي لا يذهب أحد منهم تحت ضغط الضرورة إلى الرشوة.

رئيس المحكمة : انتقل إلى تزوير الانتخابات وتركيب المنظمات الصورية وإخضاعها للمخابرات وإجراء الاستفتاء المزور لانتخابك وإعادة انتخابك.

صـدام حسين : لا يوجد أي تزوير, كان الناس ينتخبون بحرية وكانت الصحافة العربية والعالمية تراقب هذه الانتخابات في مواعيدها..

رئيس المحكمة : كيف يكون انتخابك شرعياً وليس هناك سواك مرشحاً فرداً مفروضاً على الناس؟

صـدام حسين : حسب الدستور القيادة ترشح شخصاً ويعرض ترشيحه على الاستفتاء فإذا فشل في الحصول على الأكثرية المطلقة عليها أن تقدم مرشحاً آخر..

رئيس المحكمة : كيف يمكن أن يحصل ذلك تحت رقابة قانون الطوارئ والأحكام العرفية, إن النتائج التي بيدكم تحديدها كانت دائماً تأتي في حدود الرقم 99%.

إذا كان أكثر من مليونين من العراقيين قد هجروا خارج البلاد وكانت مناطق عديدة في الشمال لا تمارس هذا الحق فكيف حصلتم على هذه النسبة ؟

إن العالم كله يعرف أن الأنظمة الشمولية الفاسدة والمستبدة لا تأتي نتائج انتخاباتها إلا في حدود الـ 99% والعالم كله كان يضحك منها ويعرف حقيقتها..

إن الناس لم تذهب إلى الانتخابات وقمتم بإملاء الصناديق عن طريق لجان الانتخاب والتي كلها من اتباع نظامكم وحتى في الجداول قمتم بالانتخاب حتى عن الموتى..

كفاكم أكاذيب فهذه كلها تركيبات لم يصدقها أحد.

صـدام حسين : والتظاهرات التي كانت تعم البلاد هل نحن أيضاً حشدناها للتعبير عن إرادة الجماهير.

رئيس المحكمة : أي حاكم مستبد ولديه أجهزة قمع يستطيع في ظل الأحكام العرفية أن يحشد مئات الألوف فعامل الخوف يدفع الناس إلى الموالاة ولكن قلوبهم مليئة بالاحتجاج..

الشعب يا صدام حسين ليس الجماهير التي يمكن حشدها, الشعب هو مؤسسات المجتمع المدني من أحزاب وجمعيات ونقابات منتخبة وغير مفروضة على الناس وأنتم أجهزتم على كل حزب معارض وحتى الذين وافقوا على موالاتكم كانوا قلة استخدموا لإعطاء الانطباع على وجود تعددية سياسية.. كانوا ديكوراً لا أكثر.

صـدام حسين : أنتم تتحدثون على الديمقراطية وكأننا في بريطانيا أو في الولايات المتحدة, نحن كان عندنا ديمقراطية شعبية أتاحت لشرائح كثيرة من الفقراء من الفلاحين والعمال أن يصعدوا إلى مراكز السلطة أما الرأسماليون والإقطاعيون فلا مكان لهم لأنهم لا يدافعون عن وطنهم بل عن مصالحهم الخاصة.

رئيس المحكمة : تحت اسم الديمقراطية الشعبية قضيتم على حق الاختيار وألغيت في نظامكم كل منافذ التعبير وكل ما فعلتموه هو تدمير الديمقراطية باسم الشعب..

هذه الأساليب لم تعد تنطلي على أحد وكنتم أعجز من أن تتركوا الناس يختارون نقاباتهم ومجالسهم لأن النتيجة ستكون طردكم خارج السلطة..

أنتم تفهمون الحرية لحزبكم وسلطتكم وتعتبرون أن الخالق أعطاكم الحق بأن تحكموا الشعب إنكم امتداد طبيعي لكل الطغاة الذين حكموا المنطقة باسم الحق الإلهي المقدس وأنتم حكمتم الناس على أنكم طليعة للوحدة وتحت هذا الزعم أخذتم حقوق الناس في الاختيار والديمقراطية..

الآن انتقل إلى السلاح النووي والمفاعل الفرنسي واستيراد أسلحة الدمار الشامل وموادها..

صـدام حسين : حتى أنتم ترددون هذه الأكذوبة التي تسول به الأميركيون وحلفاؤهم التأييد لغزوهم ثم تبخرت أكاذيبهم حتى لدى شعوبهم.

رئيس المحكمة : نريد الآن أن نعرف لماذا هدرتم الثروة النفطية في مثل هذه المشاريع ولماذا بعد قصف المفاعل النووي العراقي عدتم لمتابعة مثل هذه المشاريع التي تبين أنها ممنوعات المنطقة ؟

صـدام حسين : أولاً نحن اتفقنا مع فرنسا على إنشاء المفاعل النووي للأغراض السلمية ولإنتاج القدرة الكهربائية وغير ذلك من حاجات الصناعة ومثل هذه المفاعلات موجودة في كل بلاد العالم ولم يكن هناك أي سر في هذه الصفقة مع فرنسا لأنها تمت في وضح النهار وليس لإنتاج أي سلاح نووي كما زعم الإسرائيليون وصدقهم الأميركيون وبعض العالم. كانت المنشآت العراقية تحت رقابة منظمة الطاقة الذرية ونحن وقعنا كل الاتفاقيات المتعلقة بهذا الاستخدام.

رئيس المحكمة : لو لم تكن مصمماً على إدخال السلاح النووي سواء ضد إيران أو إسرائيل لما كانت هناك ضرورة لقصف المفاعل..

صـدام حسين : نحن أرسلنا البعثات للدراسة وتكون لدينا مجموعة من العلماء في الاستخدام السلمي للذرة وهذا أخاف إسرائيل وحتى السيدة رايس مسؤولة الأمن الأميركي حين فوجئت بقرار المفتشين الذين سمحنا لهم بتفتيش المنشآت العراقية, بأنه لا يوجد في العراق أي سلاح نووي مزعوم قالت ومع ذلك إن العراق يمثل خطراً على إسرائيل وعلى دول الجوار من حلفائنا لأنه صار قادراً ولديه علماء يستطيعون إنتاج القنابل النووية.

صار الهدف يا رئيس المحكمة ليس السلاح النووي بل العلماء الذين يملكون القدرة على صنعه, الهدف هو أن لا يصل العراق إلى مرحلة علمية متطورة لا في السلاح النووي بل في كل أنواع الأسلحة ومعامل الدفاع..

إنه لأمر غريب أن تسألني هذا السؤال وأنتم تعرفون أن لدى إسرائيل أكثر من 200 رأس نووي موجه إلى كل بلد عربي فإذا كان هذا السلاح خطراً ممنوعاً في المنطقة فلماذا ينصب اللوم علينا وحدنا نحن العرب ونحرم حتى من الاستفادة من المفاعل لإنتاج الطاقة لحاجات الصناعة والتطور ؟

رئيس المحكمة : هذا المفاعل كلف المليارات ثم دمر في ليلة واحدة وذهبت أموال العراق سدى وكان بإمكانكم استخدام هذا المال لتطور التعليم والصحة والإنتاج الزراعي والصناعي.

صـدام حسين : دائماً كنت أقول وهناك وثائق بهذا الشأن أن امتلاك السلاح النووي في مجتمع شبه بدوي هو خطر ولكن حاجتنا إلى تنوير الريف واستخدام الطاقة الرخيصة في المشاريع الاقتصادية جعلنا نذهب باتجاه إنشاء المفاعل.

رئيس المحكمة : ولكن كل هذه المصروفات دمرت وكان عليكم أن تعرفوا أن الإسرائيليين ومن يحالفهم لا يريدون للعرب أن يملكوا سلاحاً نووياً.. (سلاح نووي على زناد عربي من ممنوعات المنطقة). هذا أمر يعرفه كل الساسة العرب فكيف فاتكم ذلك؟

ثم إن الذي يريد بناء هذا المفاعل كان عليه أن يؤمن لـه الحماية الجوية فكيف اخترق الطيران الإسرائيلي أجواء العراق ودمر المفاعل ولا مقاومة تذكر!

صـدام حسين : تم تدمير المعمل أثناء عطلة العمال والمهندسين الفرنسيين وحتى العمال من أبناء العراق لكي لا تكون إسرائيل محرجة أمام فرنسا والعالم.

جاء الطيران مخترقاً أجواء الأردن والسعودية فكيف مر ومن سمح لـه بالمرور ولماذا لم يخبرونا وهو يقطع أجواءهم الطويلة!

ألم يكن ذلك في إطار مؤامرة إسرائيلية وإقليمية ودولية ؟

رئيس المحكمة : لماذا لم تكشفهم الرادارات العراقية وهل هناك مؤامرة داخلية ولماذا لم تقدموا التبرير لهذا التقصير ؟

صـدام حسين : خلال القصف تبين أن عمليات تشويش من أكثر من مصدر من حاملات الطائرات ومن الطائرات ومن أمكنة عديدة عطلت مفاعيل الرادارات العراقية وكان تشويشاً حديثاً لم يعرفه التاريخ العسكري العراقي.

لقد شكلنا لجاناً للتحقيق وتبين أنه لولا التآمر من بعض العرب ومن السفن الأميركية لما تمكن الإسرائيليون من إنجاز مهمتهم.

ثم إننا لم نعتقد أن مثل هذا الأمر يمكن أن يحدث والمفاعل لم يتم إنشاؤه وهو تحت الرقابة الفرنسية وكان يحتاج لأكثر من سنة ولم يكن العراق قد تعاقد مع أي شركة عالمية لشراء المواد اللازمة التي هي تحت الرقابة الدولية الصارمة.

رئيس المحكمة : تريد أن تقول أنه لم يكن لديك أي نية في إنتاج السلاح النووي؟

صـدام حسين : كنا نعتقد أن امتلاك العراق والعرب للقدرة يكفي لردع إسرائيل ولدفع العالم لتجريد المنطقة من السلاح النووي.

السلاح النووي سلاح ردع ولا يمكن استعماله لا من قبل إسرائيل ولا من قبلنا لأن الغبار الذري ينزل بكل المنطقة الأضرار الهائلة. حتى الصهاينة اكتشفوا أنهم أخطأوا في إدخال هذا السلاح إلى المنطقة وكان هدفهم هو إخافة العرب ودفعهم للاعتراف بوجود إسرائيل ولكن العرب لم يخافوا لأن الموت في دين المنطقة هو حق والناس سيموتون بالنووي أو بغيره إذا أراد الله ذلك.

لم يذهب العرب إلى الاعتراف بإسرائيل خوفاً من السلاح النووي بل بسبب الضغوط الأميركية على دول المنطقة وقدموا ثمناً سياسياً هو إعادة الأراضي المحتلة وإقامة حكم ذاتي للفلسطينيين على الأرض المحتلة عام /1967/.

رئيس المحكمة : هناك أكثر من تصريح طائش صدر عنكم برفض الاعتراف والصلح وكنتم تدعون إلى إسقاط النظام الإسرائيلي.

صـدام حسين : هذا صحيح, نحن لم نعترف ولكن حين قبل كل العرب في مؤتمر القمة في فاس أن يقدموا مشروعهم للسلام فإن العراق لم يرفض ذلك وقدم بعض التحفظات فنحن كان رأينا هو حل المشكلة الفلسطينية على قاعدة إقامة دول فلسطينية لجميع الأديان والطوائف دولة ديمقراطية وفق تصور منظمة التحرير في ميثاقها.

رئيس المحكمة : وبعد أن تم ضرب المفاعل لماذا بدأتم في إعادة إعماره بواسطة العلماء العراقيين ؟

صـدام حسين : هذا غير صحيح.. إن العمل في المفاعل توقف منذ تدميره وتوقفت فرنسا وكل الدول عن مساعدتنا في هذا الشأن بسبب التهديدات والضغوط الدولية وفي زمن الحصار لم يكن وارداً أن نقوم بتعميره لأن الجهود كانت منصبة على إعادة تأهيل القوات العسكريـة التقليديـة التي تـم تدميـرها بعد حرب /1991/.

رئيس المحكمة : ولكنكم ذهبتم إلى إنتاج أسلحة كيماوية بديلة وجرثومية فهل هذا كذب أيضاً.

صـدام حسين : الأسلحة الكيماوية موجودة في كل دول العالم وجيوشها وفي جميع دول الجوار أما الأسلحة الجرثومية فالعراق لم ينتجها وكل ما تم تسويقه في الأوساط الإعلامية العالمية كان جزءاً من الحرب النفسية على العراق ولتبرير العدوان عليه..

الآن أنتم في السلطة.. أين هي الأسلحة الجرثومية ؟

ابحثوا عنها وقدموها للعالم وإلا فإن هذه الأكذوبة ستنضم إلى أكذوبة السلاح الشامل.

رئيس المحكمة : الأسلحة الجرثومية يمكن إخفاؤها لأنها صغيرة الحجم ولكن لدينا بعض العلماء المعتقلين الذين كانوا يعملون في هذا المجال وسوف نكتشف المخابئ في وقت ما.

صـدام حسين : العلماء الذين تقصدون كانوا في معاهد الدراسات لكل الأنواع من الأسلحة وهناك دراسات جاهزة لمقاومة أي استعمال عدائي ضدنا بمثل هذه الأسلحة وماذا نفعل وكيف نحمي شعبنا إذا واجهتنا هجمات بهذه الأسلحة لذلك فهذه الدراسات علمية ولم تأخذ طريقها لإنتاج أي سلاح جرثومي.

رئيس المحكمة : تعترفون بوجود السلاح الكيماوي وطبعاً هذا كان واضحاً ولكنكم لم تستعملوه في حروبكم لا ضد إيران ولا ضد إسرائيل ولكن ضد شعبكم الكردي في حلبجة.

صـدام حسين : استعملناه ضد الجيش الإيراني في حلبجة هذا محتمل عسكرياً وحين يكون الهدف محاصرة الجيش العراقي فكل الأمور تبرر اللجوء إلى هذا الإجراء الدفاعي الذي نجح في إحباط محاولة الالتفاف على الجيش العراقي من الشمال أثناء الحرب..

رئيس المحكمة : يكفي الآن.. سنتابع المحاكمة..

وضرب بالمطرقة وخرجت هيئة المحكمة من القاعة !

*    *    *


 

الجلسـة الثامنـة

دخلت هيئة المحكمة, وضرب الرئيس بالمطرقة وطلب جلوس الجميع..

رئيس المحكمة : بقي الآن أن تدافع عن نفسك في موضوع الإرهاب ودوركم ونظامكم في مساعدة منظمات الإرهاب في العالم من القاعدة إلى غيرها من المنظمات التي ضربت المدنيين وقتلت الأبرياء وأساءت إلى السلام العالمي وإلى السلام في المنطقة.

صـدام حسـين : أما القاعدة وابن لادن والملا عمر فنحن لا نعرف أحداً منهم ولم نتعامل معهم يوماً لأننا النقيض لتفكيرهم السلفي ونحن لا نبحث عن طريق ديني لإحداث أي تغيير قي المجتمع العربي..

البعثيون متدينون ويقومون بواجب العبادة كباقي الأديان ولكنهم لم يكونوا ملحدين كالشيوعيين ولا هم يقبلون بدولة دينية ويعملون على تحقيق الحريات الدينية ولكن إدارة المجتمع هي من اختصاص الأحزاب..

رئيس المحكمة : هل يعني ذلك أنكم ضد الإسلام ؟

صـدام حسين : لا أبداً ولم نكن نقبل باستخدامه في العمل السياسي وللتاريخ فإن أول من استخدم ذلك هم الأميركيون بعد احتلال السوفيات لأفغانستان حيث قامت المخابرات الأميركية بالبحث عن المتطرفين وجندتهم بحجة الدفاع عن الإسلام لمقاومة الشيوعية وهي التي سلحتهم ومولتهم مباشرة أو عن طريق السعودية.

إننا في العراق لم نجد يوماً ما يجمعنا في التفكير أو الوسيلة بهؤلاء ولكن حين بدأت أميركا حربها عليهم فإن شرائح دينية عديدة في المجتمع كانت تعطف عليهم أما الحكم في العراق فلم يقدم لهم أي مساعدة أو تمويل أو حتى تسهيل..

رئيس المحكمة : والمنظمات الإرهابية الأخرى..؟

مجاهدي خلق ومجموعة أبو نضال والجبهة الشعبية ومنظمة التحرير ومجموعات الإخوان المسلمين في سورية ؟

صدام حسـين : مجاهدي خلق كانوا مجموعة من الإيرانيين العلمانيين المعارضين للنظام الديني القمعي في إيران وهجروا إلى حدودنا وقدمنا لهم التسهيلات لمساعدتهم على تحرير بلدهم ولنافي ذلك مصلحة دفاعية فالإيرانيون سمحوا بتأسيس جيش من جماعة حزب الدعوة وأعلنوا الثورة والحكيم رئيسهم صار يحمل اسم رئيس المجلس الأعلى للثورة العراقية.

كان جماعة حزب الدعوة يقومون بأعمال التخريب ويتجاوزون الحدود العراقية ويفجرون القنابل ويقتلون العراقيين وبالمقابل سمحنا لمجاهدي خلق أن تحقق التوازن المطلوب لردع إيران عن هذه الأعمال وحقق لنا ذلك فوائد دفاعية عديدة.

ليس في هذا الأمر ما نخجل به ونحن كنا نؤيد كل القوى العلمانية في إيران ضد هذا الشكل المتخلف من حكم الملالي والذين يتابعون سياسة الشاه ويعادون العرب ويحلمون باحتلال بلادنا.

رئيس المحكمة : وأبو نضال ماذا تقولون بشأنه..

صدام حسين : في المقاومة الفلسطينية منظمات عديدة كانت كل الدول العربية تتوزع مساعدتها وهدف هذه المنظمات ليس إرهابياً ولا هو موجه ضد العالم ولا ضد المدنين بل ضد الوجود الصهيوني.

نحن نفرق بين الإرهابي والمقاوم والعراق قدم للمقاومة الفلسطينية كلها وليس لأبي نضال وجماعته فقط المساعدة كل فصيل فلسطيني طلب مساعدتنا قدمناها له وأول هذه الفصائل منظمة فتح ومنظمة التحرير.

منظمة التحرير صارت بنظر العرب بعد مؤتمري القمة العربي في الخرطوم والقاهرة بمثابة دولة فلسطين وكنا نساعدها بلا حدود لتحقيق إرادتها في الوصول إلى حق تقرير المصير. هذه ليست إرهاباً ولو كانت كذلك لماذا اعترفت بها الولايات المتحدة وحتى إسرائيل وعقدت معها اتفاقية أوسلو ؟

أما الجبهة الشعبية فكان دعمها يأتي من اليمن وهي منظمة وطنية مقاومة فأين هو الإرهاب المزعوم يا رئيس المحكمة.

حين يقتل الصهاينة الفلسطينيين ويدمرون المخيمات ويقتلعون الأشجار ويهدمون البيوت ويقصفون المدن والقوى الآمنة لا يكون ذلك إرهاباً ولكن حين يقوم مقاوم بالرد عليهم يصبح في الحرام الدولي.. هذه ليست سياسة عادلة هي عين الظلم كل مساعدة ذهبت من العراق كانت لإعادة بيوت أهل الشهداء ولإعمار المدن نحن نعترف بها ونفتخر..

كيف يستقدمون اليهود من كل بلاد العالم ويحرمون الفلسطينيين من حق العودة إلى بيوتهم وكيف يستقيم ذلك مع أوروبا المتنورة ومع الولايات المتحدة التي قدمت نفسها للعالم بعد الحرب العالمية الثانية أنها بجانب الشعوب وساعدت الكثيرين على التحرر ما عدا الشعب الفلسطيني.

أما الإخوان المسلمون في سورية فكان العراق يستضيف لاجئين من الحكم السوري وكان هؤلاء يشكلون جبهة تحرير سورية وكنا نقدم لهم المأوى ونساعدهم إعلامياً أما الاغتيالات والتفجيرات التي تمت في سورية فهي نتاج عمل داخلي لا علاقة لنا به وقد تم تسوية هذا الموضوع مع سورية واستعدنا علاقاتنا معها على قاعدة حسن الجوار وأوقفنا كل أشكال المعارضة من أرضنا ولسنا في وارد تأييد الفكر الديني في سورية ولكن وجود معارضة منهم في جبهة تحرير سورية أعطى الانطباع بأننا وراء الأحداث وهذا غير صحيح لأننا لم نكن في وارد تمكينهم من حكم سورية لأسباب إيديولوجية ولخلافنا معهم في التفكير والأسلوب.

نحن في العراق خضنا وشاركنا في جميع الحروب ضد إسرائيل ولكن لم نوقع أي اتفاقية هدنة معها ولم نعترف بحق الوجود لها إلا في إطار مؤتمر القمة في فاس تمشياً مع الإرادة العربية ومع تحفظاتنا لجهة عدم صدق الإدارة الأميركية في تحقيق السلام ولأن الصهاينة لا يريدون السلام لأنهم يريدون احتلال كل شرقي المتوسط لإقامة مشروعهم الصهيوني الأساسي الوارد في ميثاقهم.

ولقد تبين أن المشكلة لم تعد في إسرائيل الصغرى بل في إسرائيل الكبرى واحتلال العراق جزء من هذا المخطط الذي قاد إلى احتلال العراق..

تذكروا يا رئيس المحكمة أن الهدف من هذه الحرب ليس صدام حسين ولا أسلحة الدمار الشامل بل هناك مؤامرة شارك فيها الأميركيون والصهاينة بحيث يكون للصهاينة الأرض ويكون للأميركيين النفط أما أهل فلسطين في خارطة الطريق فسوف يقدمون لهم دولة لا حدود لها وجميع ممراتها في البحر والجو والبر تحت حراسة الصهاينة.. إدارة ذاتية لشؤون السكان العرب تحت سيادة شعب آخر..

إن ما يزعمه المحامي العام بأن حرب /1991/ أعطت إسرائيل الحق أن تنجز سلاماً لا تعيد فيه الأرض المحتلة كما ورد في كتاب مكان تحت الشمس لنتنياهو هو جزء من هذه الاستراتيجية المجنونة التي جعلت كل العرب يكرهون أميركا.

لقد أنهيت دفاعي ومرافعتي والمهم أن المحامي العام لم يقدم دليلاً واحداً على أقواله ولا إثباتاً بل كان قرار اتهامه مليئاً بالأكاذيب.. وأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض..

رئيس المحكمة : هل لدى المحامي العام من ردود على مرافعة المتهم ؟

المحامي العام : 1- نعم بالتأكيد.. هذا المتهم الذي كان حاكماً فرداً ديكتاتوراً دموياً في العراق يحاول الاختباء وراء حزب البعث الذي لم يعد لـه وجود سياسي ولا قيادة سياسية حقيقة تخرج عن طاعته لقد اختزل الحزب في نفسه وقيادته وما كان من وجود شكلي لـه لا يخرج عن الإتباع والانتهازيين والمنتفعين أما البعثيون الحقيقيون من شعب العراق فقد قتلوا جميعهم وقتلت قياداتهم بيد هذا السفاح وتم تهجير الآخرين وعائلاتهم خارج العراق.

2- هذا المتهم يحاول التستر بالقضية العربية والدفاع عنها مع أن هذه القضية لم تواجه أزمة ولا انهياراً في التضامن العربي إلا في عهده وحكمه لقد ناصب الكويت العداء واحتلها وقتل بعض الأمراء فيها ونهب موجوداتها وبنوكها وأشعل النفط في آبارها ثم أرغم على الرحيل..

وناصب السعودية ودول الخليج العداء واتهمها بالعمالة فاستحال على العرب أن يجتمعوا في مؤتمر لبحث أمورهم وأجهز على مشروع العرب لبناء الجبهة الشرقية التي قامت بعد اتفاقية مصر مع إسرائيل وتسبب في عودتها للجامعة العربية وتسبب في عقد مؤتمر مدريد وموافقة العرب على التفاوض والاعتراف والصلح..

إن هذا المتهم يتحمل مسؤولية انهيار الوضع العربي كاملة.

3- إن هذا المتهم سفك دماء العراقيين وخاض بهم حروباً مجنونة فقتل في الحروب أكثر من مليون عراقي وبعثر ونهب أموال العراق لتحقيق أحلامه الإمبراطورية في قيادة العرب..

4- لقد نشر ثقافة الخوف في المجتمع العراقي وحوله إلى دولة بوليسية تقتل وتزور الانتخابات وأساء إلى وحدة العراق حين اختار أتباعه من طائفة معينة ثم قاد عمليات حربية ضد الأكراد من شيعة وقصفهم بالسلاح الكيماوي وهو يعرف أن هذا السلاح سيبعثرهم إلى جثث محروقة مدعياً هنا أنه كان يقصف الإيرانيين وكأن حلبجة هي أرض إيرانية.

5- لقد تسبب هذا المتهم بأسلوبه في عداء أميركا للعراق والعرب حين وضع صورة الرئيس الأميركي الأسبق على مدخل فندق بغداد ليدوس عليها الداخلون والخارجون ومع أن هذا العمل صبياني إلا أنه أساء إلى كرامة الأميركيين وجعلهم يعادون العراق والعرب واستفادت إسرائيل من هذا العمل الصبياني لتحقيق تحالف قوى لها مع القطب الأوحد..

إن جرائم هذا المتهم لا تحتاج لإثباتات وشهود لأن شهودنا كلهم صاروا في المقابر الجماعية والسجون والمهاجر لذلك فإن جهة الإدعاء تكتفي بهذا القدر وترى أن السماح للمتهم بالاسترسال في دفاعه وأكاذيبه ليس إلا مضيعة للوقت ولكن العراق الجديد، أراد محاكمته بصورة علنية لكي لا يقال أننا نفعل ما كنا نرفضه من أفعاله فقد قتل الألوف دون محاكمة وجاء الآن يتباكى على العدالة في محكمتنا..

إن حكم الشعب عليه قد صدر والذين جروا تماثيله في الشوارع قالوا كلمتهم وإذا كان هناك قضاء عادل وهو موجود بحمد الله فسوف يقتص منه ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب...

شكراً سيدي الرئيس

رئيس المحكمة : يضرب بالمطرقة معلناً انتهاء المحاكمة وتأجيلها إلى يوم الأربعاء القادم الساعة الحادية عشر صباحاً للنطق بالحكم مذكراً أن مندوبي الإعلام العالمي والفضائيات سيسمح لها بالتصوير ونقل وقائع الحكم ومذكراً بأن أعضاء مجلس الحكم سيكونون شهوداً على هذا القرار.

*    *    *


 

الجلسـة التاسعـة

دخلـت هيئـة المحكمـة إلـى القاعـة ثـم دخـل السـيد بريمـر ثـم دخـل أعضـاء مجلـس الحكـم الانتقالي..

كان جلال الطالباني يبتسم ويوزع ابتساماته على الصحفيين أما أحمد الجلبي فكان لا يخفي فرحته العامرة وأما الحكيم بلباسه الديني فكان في نشوة الانتصار والآخرون على شاكلته كانوا يعتقدون أن السلام والاستقرار في العراق سيتحقق بعد النطق بحكم الإعدام الجاهز سلفاً والمترجم سلفاً إلى اللغة الإنكليزية ولكن البرزاني لم يحضر.

جلس الجميع في أماكنهم المخصصة وضرب رئيس المحكمة بمطرقته ثلاث مرات ودعا الجميع إلى الجلوس والصمت ليبدأ بتلاوة قرار الحكم..

كانت الساعة قد جاوزت الحادية عشرة والربع حين سمع الحاضرون دوي انفجارات هائلة متتالية تقترب من المكان حيث تولت أكثر من عشر شاحنات ضخمة اختراق الحواجز محملة بالمتفجرات حتى وصلت إلى مكان المحاكمة وقتلت جنود الحراسة من البشمركة وحزب الدعوة ثم أحدثت دوياً هائلاً متتالياً هدم كل الأبنية وبعثر جثث الجميع..

استحال المكان كله إلى أرض خراب كأن زلزلاً هائلاً قد ضربه ولم يعد فيه أي أثر للحياة ..

فقط من بعيد كانت شجرة نخيل عراقية واقفة!.

*    *    *
الفهــرس

     المقدمـة                                                       3-5

     في تشكيل المحكمة                                              7-12

     بريمر ومجلس الحكم الانتقالي                                   13-18

     مجلس الحكم الانتقالي                                           19-24

     مجلس الحكم يعدل القانون                                      25-26

     المحاكمة الجلسة الأولى (قرار الاتهام)                         27-42

     الجلسة الثانية (شهود الإدعاء)                                    43-67

     الجلسة الثالثة (الجزء الأول من الدفاع)                            68-72

     الجلسة الرابعة (الجزء الثاني من الدفاع)                           73-78

     الجلسة الخامسة (الجزء الثالث من الدفاع)                         79-100

     الجلسة السادسة (الجزء الرابع من الدفاع)                         101-112

     الجلسة السابعة (الجزء الخامس من الدفاع)                        113-126

     الجلسة الثامنة (الجزء السادس من الدفاع)                         127-134

     الجلسة التاسعة (الجزء الأخير وقرار الحكم)                       135


 

بطاقـة تعريـف بالمؤلـف

    من مواليد /1935/ عمل محامياً وكان عضواً منتخباً من مجلس نقابة المحامين .

    مارس العمل السياسي واعتقل مراراً .

    انتخب بالإجماع أميناً عاماً مساعداً لحركة الاشتراكيين العرب في سورية .

    كاتب سياسي معروف صدرت لـه كتب عديدة في الأدب والسياسة والقانون وله محاضرات عديدة مطبوعة .

    أهم كتبه القانونية : شرح قانون العمل, قضايا التسريح في القانون السوري, الموسوعة العمالية القضائية .

    أهم كتبه السياسية: تفجير النفط, نحو فكر تقدمي للطبقة العاملة, قضايا عربية, مواقف في الزمن الصعب, المضحك المبكي, العراق والمهمة المستحيلة, ترتيب العالم, الاشتراكيون العرب  الفكر والتاريخ.

    أهم كتبه الأدبية: أصوات الناس (مجموعة قصص قصيرة) .

    كتب مئات المقالات في صحف الوطن العربي وفي الصحافة المهاجرة وحاضر في مختلف الأندية في سورية والمهجر .