المركز العربي للتحليل السياسي - رئيس المركز المحامي ادوار حشوة

The Arabic Center for Political Analysis - President Adwar Hachwa Attorney in Law

 Home   The Author   Books      Articles       Forum     News  Literary Articles   Syrian Pictures     Content     Contact us

     الاتصال       دليل الموقع          صورسورية         مقالات ادبية            اخبار      اعلن رأيك      مقالات            كتب        الكاتب   الصفحة الأولى

 

 

 

 

 

 

 

ادوار حشوة

 

العـراق

و

المهمة المستحيلة

 

الطبعـة الأولـى
تشرين الأول 2003

 /  جميع الحقوق محفوظة  /

 مطبعة جرمانوس / بيروت

 

الكتابة عن العراق وحقول الألغام

 

في هذا الزمن الصعب , الكتابة عن العراق كالسير في حقول الألغام في الحرب .

إن الاحتلال قد تم بقوة الخارج الاستعماري وبالتواطؤ العربي وباستعصاء الساحة الداخلية في العراق عن تحقيق وحدة وطنية تواجه المحتلين .

النظام العراقي الاستبدادي الذي حوّل العراق إلى سجن كبير للحرية مسؤول حتماً عن نتائج الحرب لا عن شرعيتها وحين يتحول الناس إلى عبيد و رعايا فان اختراقهم و تخاذلهم أمر طبيعي كما حدث على أبواب بغداد .

حين يتنفس الناس يستعيدون صفاءهم و قدرتهم على المقاومة ويجدون القواسم المشتركة للعمل الوطني باتجاه تحقيق الجلاء .

تبقى قلة من الخونة خارج هذه القواسم و مع الزمن سينهزمون لأن الوطنية تجبّ كل فساد و كل تبرير فالاستبداد صار من الماضي و من العبث الاستمرار في إلقاء المسؤولية عليه .

الآن يواجه العراقيون المستقبل مستفيدين من دروس الماضي وأخطائه لأن مخاطر الاستعمار الجديد الذي تربع على أرض العراق و ثرواته أهم كثيرا من اجترار هذا الماضي .

السؤال الآن : كيف يمكن التعامل مع واقع الاحتلال ؟ و ما هي الآليات الوطنية لرده ؟

إن روح الانتقام يجب أن تتوقف لأن الساحة يجب أن تستدرج إليها كل الناس الذين يضعون فكرهم و سلاحهم في خدمة قضية التحرير.

النظام الاستبدادي ليس مسؤولية تيار بقدر ما هو مسؤولية المستبد الفرد الذي ألغى الحرية أما الذين شايعوه فهم بين مقتنع بالأسلوب و بين خائف يبحث عن رزقه فالإرهاب لم يترك فسحة للتنفس و بالتالي فان ما هو مطلوب اليوم هو فرز جديد يستعيد فيه العراق كل أبنائه , بحيث تكون حلقة المسؤولين عن الاستبداد أضعف الحلقات في الجسد الوطني العراقي .

إن تعميم المسؤولية على الجميع يتجاهل حقائق الحياة وضرورات الواقع وإمكانية استرداد الكثيرين للانضمام إلى معسكر الحرية ومعسكر التحرير.

إن إثارة النزاعات العنصرية و الطائفية و تحميل بعضها المسؤولية ليس بالعمل السياسي الواعي و سوف يقود البلد إلى حروب أهلية يفتقد معها الوضع الصلابة المطلوبة ويؤخر عملية التحرير ويؤسس للتقسيم تمهيداً لإلغاء العراق من الخارطة العربية .

وفي هذا الكتاب عن العراق نحاول تحليل هذا الواقع من منظور وطني يهمه أولاً ترحيل المحتلين أما الفاسدون والمسؤولون فحذفهم رهن ٌ بالاختيار الديمقراطي للشعب الذي لم يكن موجوداً بالمعنى السياسي .

الشعب .. ليس الجماهير الذين يمكن لأي حاكم مستبد جمعهم ، بل هو بالضبط الأحزاب والمؤسسات الأهلية التي تعبر عن الشعب والتي لم تكن موجودة .

لذلك ولكي تبدأ عملية الحساب يجب أن يسترد الشعب وجوده السياسي وأحزابه ودوره في الاختيار الديمقراطي وإلا تحولت الساحة إلى ثارات من العنف والمذابح .

حين سقط الاتحاد السوفياتي لم يذهب الروس إلى المذابح بل ذهبوا إلى الديمقراطية وعبرها تم محاسبة المسؤولين عن عصر الاستبداد فإذا هم قلة في البرلمان .

ما حدث في الاتحاد السوفياتي وروسيا هو بالضبط ما تحتاجه الساحة العراقية اليوم التي يجب أن تفرز وتحدد الدور وتحاسب بالوسائل السياسية وحدها .

إن التيار القومي العربي في العراق موجود بفعل حقائق الحياة وتدمير هذا التيار ليس بالعمل السياسي الواعي لأن المشكلة لم تكن بسبب وجوده بل بسبب سياسة أقلية مستبدة نسبت نفسها إليه ومارست العنف والاستبداد وألغت الحرية .

وحين يكون الاحتلال موجوداً فإن احتواء هذا التيار في العملية الوطنية هو من أعمال السياسة الواعية لتحقيق الوحدة الوطنية حول القاسم المشترك .. التحرير .

إن الذين يدعون للتصفيات والمذابح يؤسسون لدولة قمع أخرى على الساحة وربما يخدمون المخطط الصهيوني الذي يريد جواراً عربياً مقسماً ومختلفاً ومقتتلاً على مختلف الشعارات الطائفية والعنصرية .

أما التيار القومي فعليه أن يقوم بمراجعة ذاتية لأخطائه تمهد لحالة من التسامح يتناسى فيها الناس الماضي لخدمة مستقبل التحرير .

في السياسة لا يمكن تجاهل الواقع وفي كل مشكلة فإن الحل السياسي أقرب إلى روح التعايش في حين أن العنف لن يخدم أبداً إلا الذين يريدون بقاء الاحتلال وتقسيم العراق .

من هذا المنظور السياسي الوطني يمكن في الزمن الصعب الانتقال من الاقتتال الداخلي المحمول على الماضي إلى الوحدة الوطنية التي تحتوي الجميع .

من أخطاء التيار القومي أنه اختصر وجوده بقائد لم يحسن قيادة البلد وألغى جميع الحريات والأحزاب ومارس العنف فكان الحصاد كارثياً .

وحين يقبل هذا التيار بمبدأ تداول السلطة وحين يكون مستعداً للانخراط في عملية المقاومة السياسية وغير السياسية لتحرير البلد من المحتلين فإن من الغباء السياسي حذَفَه لأن ذلك يتناقض مع الديمقراطية التي اغترب عنها العراق وتسبب ذلك في مآسيه وأهمها على الإطلاق الاحتلال .

في الزمن الصعب للعمل الوطني نطالب الأخوة في العراق أن يتجاوزوا الخلافات السياسية و أن يذهبوا بشجاعة إلى طي هذه الصفحة , فالبلاد المحتلة والمهددة بالغزو تتحد جميع الأحزاب والعناصر المكونة للشعب لمواجهة الاحتلال كقضية مركزية .

إلى هذه الوحدة الوطنية ندعو ومن أجلها يجب أن يتجه الدعم العربي إلى العراق بعيداً عن المكاسب الإقليمية للأنظمة لأن الحريق لن يوفر أحداً و الذين يأخذون من دروس التاريخ العظة غير الذين يصنعون تاريخ العراق الجديد و هؤلاء إذا أحسنوا التصرف و أحسنوا العمل السياسي فإن الاحتلال سيزول والاستبداد سيزول و يبقى العراق وتبقى الحرية والمهم دائماً كيف نصنع عراقاً موحداً بغض النظر عن شكل الحكم في ظل الاحتلال لأن العراق الموحد والعراق الديمقراطي كلاهما هدف استراتيجي وما عدا ذلك من التفاصيل .

 

دمشق 1/10/2003

 

 

 

 

 


 

العراق في التاريخ

 

الوضع الفريد للأرض العراقية المحصورة بين الجبال التركية من الشمال و الجبال الإيرانية في الشرق ثم في السهول التي يجري فيها نهران ضخمان الفرات ودجلة وروافد عديدة تتقاطع في السهل الذي يجمع في الجنوب النهرين في شط العرب - ثم الصحراء في غرب العراق أي بادية الشام وصحراء الجزيرة في الجنوب , هذا الوضع جعل العراق غنيمة هائلة لكل الذين يبحثون عن الماء والأرض الخصبة .

وحين تكون الصحراء العربية جافة إلى درجة العطش فإنها ستدفع القوافل باتجاه ما بين النهرين .

وحين تكون الجبال الوعرة في الشمال و الشرق تفتقد الأرض الصالحة للزراعة فإنها ستدفع الناس باتجاه السهول .

هذا الوضع جعل العراق أرض الحضارات القديمة بلا منازع وأوغل تاريخه في الزمن كما لم يحدث لأي بلد آخر في العالم .

وهذه البقعة من الأرض من الطبيعي أنها ستكون محلاً صالحاً لقيام الحضارة .

و لا نريد سرداً بعيداً للتاريخ و لكن يمكن أن نتوقف عند بعض محطاته المهمة التي قدمت للإنسانية إنجازات هامة غير تاريخ الغزو و الفتوح و السيطرة على الآخرين في المنطقة .

كان في العراق الأكاديون والسومريون ومن امتزاجهما نشأت مملكة بابل التي أعطت الإنسانية حمورابي الذي كان بامتياز أول صاحب تشريع متكامل في التاريخ الإنساني .

حكم حمورابي من عام 2123 ق.م إلى عام 2081 ق.م و بقيت أهميته مغيبة إلى أن تم في عام 1902 م اكتشاف حجر من الديورينت على شكل اسطوانة في مدينة السـوس تبين من الكتابات المنقوشة عليها أنها ( قانون حمورابي) .

كان الدين في التاريخ القديم مصدراً للتشريع و لكي يقتنع الناس بأي تشريع وقانون كان الحكام ينسبونه للآلهة و في أوقات كثيرة كان الحاكم هو الإله أو هو صوته أو ظله أو الناطق باسمه .

حمورابي وحده من بين الحكام لم يربط تشريعه بنبي جاء به و كلّمه من فوق الجبل كما في الدين اليهودي و لا كلّمه من فوق التلة كما في الديانات المصرية .

حمورابي كان تطوراً مهماً لأنه هو واضع هذا التشريع و إن الإله شمش إله الشمس هو الذي أوحى به إليه .

لم يقل أنه إله و لا رسول بل مجرد حاكم تصرف بوحي الإله ليس بسبب سلطوي و لكن لتحقيق روح العدالة و لرعاية مصالح الناس في دولته .

في هذا القانون ورد في مقدمته العبارة التالية التي تفسر هذا التشريع كله وهي شبيهة بالأسباب الموجبة لإصدار القوانين اليوم.

تقول المقدمة :

" أنا حمورابي الأمير الأعلى عابد الآلهة ناداني ( أنـو ) لكي أنشر العدالة في العالم , وأقضي على الأشرار الآثمين , وأنشـر النـور في الأرض , وأمنع الأقوياء أن يظلموا الضعفاء , وأرعى مصالح الخلق".

لا أعتقد أن تبريراً يمكن أن يكون أجمل و لا أكثر صفاء من مقدمة حمورابي هذه .

الهدف الإنساني للعدالة إذن بدأ من العراق و الحاكم ليس إلهاً بل هو عابد آلهة ومخلوق إنساني لم يفرض نفسه إلهاً وهدفه العدالة .. و منع الظلم والقضاء على الشر و نشر النور في الأرض .

كانت هذه هي بداية العراق في الحياة الإنسانية للبشرية جمعاء ..

هذه الرسالة الإنسانية التي تبدأ خطواتها منذ حمورابي بقيت أساساً في المجتمع العراقي و أثّرت في الشخصية العراقية على مرِّ التاريخ .

دائما كانت المنطقة ومن ثم الحياة العربية تجد في العراق منجداً لها ضد الظالم سواءً أجاء من الفراعنة أو من الفرس أو من الحكام العرب .

 في هذا المجتمع نشأ الإنسان العراقي محباً للحرية و رافضاً للظلم وإليه و إلى سهوله و جباله لجـأ كل المعارضين وكل المدافعين عن الحرية و وجدوا الأمـان.

حمورابي في تشريعه المكون من 285 مادة مرتبة ترتيباً يكاد يكون حديثاً ، ليست قوانين دينية بل قوانين دنيوية و لكن خلع عليها رضى الآلهة و لم يجعلها من صنع السماء لكي يترك للعقل مساحة أن يبدلها حسب الظروف .

في الشمال من العراق قامت دولة آشور التي وصلت إلى بابل واندمجت في حضارتها إلى درجة أنها سميت الدولة البابلية الثانية .

من هذه الدولة خرج نبوخذ نصر الذي اجتاح الشرق كله و أخذ يهود فلسطين سبايا إلى بابل فكان أول من استشعر خطرهم على الحياة الإنسانية .

لذلك نجد الصهاينة اليوم يعتبرون العراق خطراً و يطمحون دائماً إلى ثأر تاريخي منه .

أما في العصر العربي فلم يتبدل شيء كثير في الحياة العراقية فالعروبة لم تأتِ إلى العراق مع عصر الفتوحات لأنها كانت مقيمة هناك منذ القديم .

عملياً جاء الدين العربي إلى عرب العراق الذين كانت حياتهم كحياة أمثالهم من العرب في بلاد الشام تخضع لتأثير دولة الفرس تماماً كما خضع عرب الشام من الغساسنة لدولة الروم .

أولاد معن بن عدنان خرجوا من الجزيرة من تهامة في اليمن إلى بلاد الرافدين..

كانت أهم قبائلهم الأزد وقضاعة ومن تحالفهما تشكل ما يسـمى ( تنوخاً ) التي أنشأت مملكة في القرن الثاني للميلاد .

اللخميون أقاموا في العهد الساساني مملكة كانت عاصمتها الحيرة وبقوا كذلك حتى مجيء الإسلام .

ساعد الفرس على نشوء الحيرة لكي يصدوا هجمات البدو الرحل و أعطوها حكماً ذاتياً تابعاً للفرس ووجهوها ضد البيزنطين للسيطرة على قوافل التجارة .

كان من سكان الحيرة ( العباد ) وكانوا من قبائل شتى وأخذوا هذا الاسم لأنهم يتعبدون اللّه و في رواية أن وفداً منهم جاء إلى كسـرى فسأل عن أسمائهم فقيل له هذا عبد المسـيح و هذا عبد ياليل وهذا عبد يشوع وهذا عبد الله وهذا عبد عمرو فقال كسرى كلكم عباد و ذهبت مثلاً .

كان هؤلاء يعرفون القراءة والكتابة و إليهم ينسب المؤرخون تحول اللغة العربية المحكية إلى لغة مكتوبة فأنجزوا في التاريخ العربي أعظم ما يمكن أن تتمخض عنه الحضارة من إنجازات وهي الكتابة .

وفي الحيرة قام ملوك كامرئ القيس الأول والنعمان وعمرو بن هند والنعمان بن المنذر وحتى المنذر الخامس حيث جاء خالد بن الوليد وفتحها عام 633 م.

في الحيرة كانت المسيحية منتشرة و طقوسها بالسريانية و لكن اللغة العامة كانت العربية المحكية إلى أن تولى العباد استعمال الحرف العربي .

نبغ في العراق في الحيرة الشعراء كالأعشى و النابغة وعدي بن زيد الذي كان أول من كتَب العربية في ديوان كسرى و التي تعلمها من العباد .

 وفي العهد الأموي خضع العراق للحكم الأموي في دمشق و لم يكن لعرب العراق من دور حقيقي في السلطة الجديدة ولم يشعروا أن تبدّلا حدث لحياتهم غير استبدال النفوذ الفارسي بنفوذ الأمويين تحت اليافطة الدينية فثاروا عليهم.

كانت المعارضة في التاريخ العربي تعمل دائماً تحت اليافطة الدينية لذلك اختار العراقيون أن يكونوا في صف الإمام علي و أهل البيت كواجهة لمعارضتهم النظام الجديد .

الحكم الأموي قمع العراقيين بقسوة بالغة وكان همّـاً دائماً لخلافهم لا تتوقف ثوراته و لا تنتهي احتجاجاته و لم يقبل يوماً بوالٍ عليه ودائماً كان الأمويّون يبدِّلون الولاة لاكتساب ثقة الناس ولتحقيق الاستقرار ولكن دون جدوى .

العراق كان ضد تحويل الخلافة عن خط سيرها خارج أهل البيت نكاية بالأمويين الذين حوّلوها إلى وراثة ملكية على الطريقتين الفارسية والبيزنطية .

وحين جاء أبو مسلم الخرساني قائد جيوش أبو العباس - الذي ينتسب إلى العباس عم الرسول لقي في العراق سنداً قوياً ضد بني أمية الذين افتقدوا ثقة دمشق حين نقل مروان الثاني العاصمة منها إلى حرّان فأجهزوا على الدولة الأموية وهم يحملون الرايات السوداء فسقطت الكوفة عام 749 م .وفي 30 تشرين الأول من هذا العام نودي فيها بأبي العباس خليفة للمسلمين ، واستسلمت دمشق في 26/4/750م بعد حصار قصير تولى فيها وجهاء دمشق تحقيق استسلام لا يأخذ غير بني أمية .

هذا السرد التاريخي لحياة العراق يعني أن العراق كان يمثل وجوداً فاعلاً في التاريخ القديم وفاعلاً في الحياة العربية ، وكان دائماً رقماً صعباً ، ولكن أبداً لم يغادر روح العدالة التي أسسها حمورابي على قاعدة نشر النور في الأرض ، ومنع الأقوياء من ظلم الضعفاء ورعاية مصالح الخلق .

ومن هذا الموقع المستمر في التاريخ يأخذ العراق أهميته اليوم كرقم صعب في الحياة العربية ..

وحين يتحالف ضده أكثر من ثمان وثلاثين دولة عظمى وغير عظمى عام 1991 ثم عام 2003 فليس لأنه الخارج عن القانون بل لأنه الخارج على الظلم وكل تحليل آخر لا يخدم الحقيقة .

وباستقراء التاريخ فإن إلغاء العراق من التاريخ غير ممكن ومستحيل لأن البناء النفسي للشعوب التي سكنته وللعروبة التي تلقت هذا الإرث التاريخي فيه أوجدت فيه الصلابة التي يعجز كل الغزاة على تكسيرها .

وهكذا كان العراق في التاريخ هدفاً للغزاة فطَوْراً هو في قيادة المنطقة وطَوْراً تدوسه سنابك الخيل ولكن أبداً بقي وسيبقى عصياً على الطغيان لأن أحداً لم يصنعه ، ولأنه كان صانع التاريخ .

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

الصراعات داخل البعث العراقي

 

بإيجاز جديد يمكن وضع إطار لصورة الوضع بعد ثورة 14 تموز 1958 التي قادها عبد السلام عارف وعبد الكريم قاسم عسكرياً لإسقاط الملكية .

كانت هذه الثورة تحظى بتأييد البعثيين الذين قويت شوكتهم وازداد نفوذهم الشعبي كما نمت شرائح عديدة في الجيش العراقي ترى فيهم أملاً .

كما أنها حظيت بتأييد الشيوعيين في الجيش والشعب وبدا واضحاً أن بعض القوى في الجيش ذات الأصل الكردي كانت تخشى من صعود الفكر القومي وتشدده لذلك شايعت بعض شرائعها الشيوعيين في الجيش .

كان الحكم بعد 14 تموز يحفل بالصراعات بين هاتين الفئتين وكانت الجمهورية العربية المتحدة وخاصة في الإقليم السوري تشايع القوى الوحدوية وتجهد لتأمين سيطرة منفردة لهم بحيث يتم عزل القوى الموالية للشيوعية .

بقي الحال على هذا الشكل الخفي للصراع إلى أن تفجرت الأزمة في دمشق بين البعث وعبد الناصر فانعكس ذلك فوراً على الساحة العراقية حيث انقسم الوحدويون إلى قسمين أحدهما يوالي مصر وعبد الناصر والثاني يوالي القيادة القومية للبعث ممثلة بميشيل عفلق كأمين عام قومي لأن البعث الذي حل نفسه تلبية لشروط عبد الناصر في سورية لم يحل نفسه في باقي الأقطار العربية حيث بقيت مؤسسة القيادة القومية تعمل .

في هذه الفترة تفرّد عبد الكريم قاسم بالحكم و تلقى دعماً سوفياتياً واضحاً كما تلقى دعماً شعبياً من العناصر غير العربية ومن الشيوعيين .

وقعت مجازر عديدة و قامت محاولات ثورة أو انقلاب و أعدم الشـواف والطبقجلي ورفعت وغيرهم ، وسحل الشيوعيون في الموصل البعثيين .

كان العداء للتيار القومي العربي واضحاً في نظام عبد الكريم قاسم وتشدد في ذلك إلى درجة أن بعض القياديين في بعث العراق ذهبوا بعيداً ووافقوا على تبني أسلوب الاغتيال الشخصي الذي كانت أدبيات الحزب تدينه فجرت محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم في شارع السلام في بغداد ونجا منها بعد إصابته بجروح وكان من بين الفريق الذي قام بالاغتيال صدام حسين الذي جرح وعبر الفرات سباحة ثم التجأ إلى سورية .

أعاد البعث تنظيم صفوفه مرتبطاً بتوجيهات القيادة القومية التي صارت تعمل في الساحة العراقية منفردة و فكّت ارتباطها بالقوى الناصرية إلى الحد الأدنى المقبول .

في تلك الفترة تعرض نظام عبد الكريم قاسم الموالي للشيوعية إلى الضغط الاقتصادي و مارست شركات النفط جانباً من هذه الضغوط عن طريق تخفيض الإنتاج لإنقاص موارد الخزينة العراقية التي كان النفط أهم مواردها فأصدر عبد الكريم قاسم القانون رقم /80/ الذي أمّم جميع مناطق الامتياز النفطي لها في العراق وحصر وجودها في مناطق إنتاجها . وعمليا استولى على نفط الرميلة الشمالي في البصرة الذي يحتوي أكبر الاحتياطات النفطية المكتشفة في العالم يومئذ ، وشكّل شركة النفط الوطنية و استقدم إليها الخبراء السوفيات و حشرها بالموظفين من الشيوعيين .

صارت النقمة على نظام عبد الكريم قاسم مزدوجة داخلية و يمثلها التيار القومي الذي يمثله البعث والثانية خارجية تمثلها الشركات المدعومة من الحلف الأطلسي .

استثمر البعثيون هذا الوضع الداخلي و الدولي فقادوا بالاشتراك مع أعداد محدودة و بسيطة من قطعات الجيش وبأعداد بسيطة من المقاتلين المدنيين انقلاباً واحتلوا مقر وزارة الدفاع وقتلوا عبد الكريم قاسم وعدداً من مساعديه في 14 رمضان1963 و نصّبوا عبد السلام عارف قائداً مستورداً لاحتواء التيار الناصري ولإرضاء مصر .

أما ما حدث بعد ذلك فأمران قيام مجلس قيادة الثورة بالاعتراف بالكويت وقبض العراقيون 50 مليون دولار مقابل ذلك كما ألغوا القانون رقم /80/ و أعادوا الوضع النفطي إلى ما كان عليه الأمر قبل عبد الكريم قاسم وكافأتهم الشركات التي كانت قد خفضت الإنتاج إلى 3% بالألف سنوياً فرفعته إلى 14 بالمائة دفعة واحدة وعاد حقل الرميلة الشمالي إلى امتيازات النفط للشركات؟

و بدأ في العراق بعد نجاح الثورة صراع آخر بين جيل الشباب الذي يقوده علي صالح السعدي وبين القيادة القومية التي كانت تريد فرض سيطرتها على العراق ، واقتتل البعثيون فيما بينهم وفشلوا في تحقيق الوحدة الثلاثية بعد نجاح ثورة 8 آذار 1963 في سورية و عجز بعث العراق و بعث سورية حتى في إقامة وحدة بين القطرين اللذين ينتميان إلى مدرسة فكرية وقيادة قومية واحدة.

وعبر هذا الصراع أمكن ترحيلهم عسكرياً من قبل عبد السلام عارف ومعه ما تبقى من التيار الناصري المدعوم من عبد الناصر مباشرة .

استعاد البعثيون تنظيمهم و عبر الوجود العسكري المحترم لأحمد حسن البكر تمكن هؤلاء بعد وفاة عبد السلام عارف أن يستردوا السلطة تؤيدهم القيادة القومية للبعث التي تم إجلاؤها عن دمشق بعد حركة شباط 1966 .

كان صدام حسين قد عاد إلى العراق من لجوئه السياسي الأخير في مصر و اقترب من ميشيل عفلق كثيراً والتصق بأحمد حسن البكر و بدأ صعوده في السلطة من هذا الموقع إلى أن استطاع في عام 1979 أن يستولي على السلطة بالكامل .

مما لا شك فيه أن صدام حسين أبعد كل القيادات التي كان يشك في ولائها له اعتقالاً واغتيالاً فخلت له الساحة وتمكن من قيادة الحزب وارتدى الألبسة العسكرية قائداً منفرداً للبعث والجيش.

 في الجيش تصرف على أساس أن لا يكون في الجيش غير البعث تحت اسم الجيش العقائدي .

و كان يقول : (العسكري يمارس السياسة في الجيش ما دام بعثيّاً أما الحزبي فيمارس السياسة من خلال العمل في المؤسسات المدنية).

وطرح أفكاراً جديدةً منها " العراق منارة " و أوضح في خطابه 7 نيسان أن الجيش هو جيش الأمة العربية و أنه يحمل رسالتها .

و في خطاب آخر قال أنه يطمح إلى اقتصاد قومي يجعله المنأى عن الضغوط الخارجية و إلى جيش قوي يستطيع الدفاع . و اضطر تحت عوامل الضغط أن ينجز في الجزائر اتفاقية مع شاه إيران لاقتسام شط العرب و تخلى عن حقوق كثيرة لكي يتمكن من تحييد إيران التي كانت تدعم بوضوح ثورة الأكراد .

ثم توجه إلى المشكلة الكردية فوافق على إقامة حكم ذاتي وسمح للأكراد أن يدرسوا لغتهم الخاصة مع العربية وخصص لهم جزءاً كبيراً من موارد النفط للأعمار .

و اسـتقر وضعه الأمني مع أن إيران و تركيا كلاهما لم يرتاحا للحكم الذاتي الذي أقامه لتأثير ذلك على الساحة الكردية في بلديهما و كلاهما كان يبحث عن ظرف لتخريب هذا الإنجاز العراقي الذي استهدف إغلاق الملف الكردي.

و ازدادت موارد النفط وأكثرها ذهب لتأهيل الجيش وتزويده بالأسلحة من الشرق السوفياتي ومن الغرب الفرنسي وأقام صناعة عسكرية وبدا أن أفكاره لإقامة جيش قوي أخذت طريقها للنجاح.

و من الصحيح أن كل القوى البعثية التي رفضت فكرة القائد الفرد قد تم تصفيتها و عملياً تم اختزال البعث كحزب بالقائد الذي وحده صار يملك سلطة القرار .

و في الساحة العربية كان متشدداً في الموضوع الفلسطيني فالعراق لم يقبل بأي اتفاق ولا قرار وكان بالأساس القطر العربي الوحيد الذي لم يوقع مع إسرائيل اتفاقيات هدنة مع أنه خاض كل الحروب العربية ضدها .

كان هدفه هو إسقاط الكيان الصهيوني لإقامة دولة فلسطين لا تخلو من اليهود بالضرورة واقترب في هذا من منطلقات منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت تدعو إلى دولة فلسطينية ديمقراطية و تعددية لجميع الأديان .

هذا الوضع الذي ألغى دور الحزب في صنع القرار لصالح نظرية القائد خلق له خصوماً محليين من كل الأحزاب والشرائح التي قتل بعضها و اضطر الكثيرون إلى الهجرة خارج العراق إلى درجة أن حجم الاسـتبداد جعل أرقام الهجرة تقترب من مليونين من العراقيين توزعوا في سورية وإيران والأردن وفي أوروبا والولايات المتحدة ومن هناك قادوا معارضة قوية إعلامية فقط لأن قدرتهم على تحريك الساحة الداخلية محدودة جداً بسبب النظام المخابراتي القوي والقاسي .

بعض هؤلاء كان يسعى إلى إسقاط النظام عن طريق معونة خارجية ولا يرى أملاً في انتظار عمل شعبي قد يستغرق وقتاً طويلاً.

مع بعض المعارضين من هؤلاء كان لي حديث قالوا فيه أن العرب في ظل الحكم العثماني استمروا 400 عاماً ولم يثوروا ولم يتحرروا إلا عندما تولت قوة خارجية دعمهم وقيادة ثورتهم .

كان تبريرهم لطلب المعونة الخارجية هو أنه لا يمكن إسقاط هذا الحكم الديكتاتوري إلا حين توجد إرادة دولية تساهم في الدعم .

هؤلاء ظنوا أن الخارج الاستعماري سيحررهم من صدام ثم يسلمهم البلاد كأصدقاء له في حين أن الواقع بعد حرب 2003 على العراق أدى إلى احتلال العراق أما قضية تسليمهم البلد فهي مؤجلة ومرتبطة بعوامل أخرى تتعلق بإيجاز عملية ترتيب المنطقة وتهديم دول وأنظمة فيها ومن ثم تتعلق بالدرجة الأولى بالنفط والسيطرة المنفردة عليه .

لذلك نجد اليوم كل الذين تعاونوا مع الأميركيين لإسقاط نظام صدام ما عدا قلة من العملاء المباشرين , يطالبون بإنهاء الاحتلال ويقدمون بديلاً عن ذلك نظاماً ديمقراطياً موالياً لا يزعج الجوار ولا يعطل مسيرة السلام في المنطقة ولا يقترب من استعمال النفط كسلاح ويقبل الشراكة في أمور الإنتاج والتسويق والتسعير ..

أما الآن فإلى أين ... هذا هو السؤال الذي لا جواب عليه إلا إذا توضحت مخططات القطب الأوحد في المنطقة .

 

 

 


 

أفكار النظام العراقي الصدّامي

بعد أن سقط صدام حسين في الحرب التي شنتها على العراق دول عظمى وحلفاء وبعد أن حطوا رحالهم في بغداد ، وبعد أن سقطت الذريعة الكبرى وهي أن العراق يملك أسلحة دمار شامل يمكن تشغيلها بأقل من ساعة ، وبعد أن سقطت أكذوبة الأسلحة الجرثومية أيضاً ، صار من الضروري التوقف عند النظام العراقي البعثي والذي اتهم بالوحشية والاستبداد وصار لزاماً على الولايات المتحدة باعتبارها راعية حقوق الإنسان والحريات أن تخلص شعب العراق منـه أن الآلهة انتدبتها للحلول محل الشعوب في إجراء التغيير المطلوب .

ولكي يكون التحليل عادلاً فلا بد أن نركز على إيجابيات النظام وسـلبياته بحيـاد لكي يكون التحليل في المكان الصحيح .

فما هو فكر هذا النظام ؟ ثم ما هي أخطاؤه ؟

لنعترف أن النظام العراقي الذي سقط كان امتداداً للوجود السياسي للبعث في السلطة منذ عام 1968 و امتداداً أبعد لوجوده منذ سقوط نظام عبد الكريم قاسم في الثورة التي أخذت اسم " رمضان " عام 1963.

 ولنعترف أن البعث بعد عام 1968 اختزل نفسه عام 1979 بقائد هو صدام حسين و لم يعد للمؤسسة أي دور فاعل بمعزل عن القائد الذي يقرر و يوجه في حين تمارس المؤسسة الحزبية طقوس الطاعة .

لذلك فإننا سنناقش موضوع النظام من خلال هذا الوضع بحيث تملك المناقشة مساحة بين الحزب والقائد في الإيجابيات والسلبيات.

فما هي أفكار النظام العراقي و توجهاته من خلال فكر القائد ؟


 

الموقف من الوحدة العربية

 

مما لا شك فيه أن الرئيس صدام كان وحدوياً على الطريقة الصوفية التي أسس عليها ميشيل عفلق الحزب و كثيراً ما كان يربط بين الوحدة وعودة العرب إلى التاريخ الذي جعل الفتح العربي يصل إلى الصين شرقاً و إسبانيا غرباً .

في عام 1979 و بعد استلامه السلطة منفرداً قال مخاطباً الجنود في دورة 7 نيسان 1979 : لا تنسوا أنكم جنود رسالة و عليكم مهمة أساسية أن تكونوا الفصيل الأمامي في حمل الراية مثلما كان جيش المسلمين والعرب عندما وصل إلى الصين وإسبانيا .

و حين قامت وحدة سورية و مصر كان الرجل معها و لكن عندما سقطت بالانفصال الذي تم في أيلول عام 1961 كان مفجوعاً أن سورية افتقدت إلى مقاومة شعبية حقيقية تمنع حدوث الانفصال ..

وحين سأله فؤاد مطر ( كتاب رجل وقضية ) عن الموقف من الوحدة المصرية السورية بعد أن صار قائداً للعراق قال :

"الوحدة المصرية- السورية كانت تحركها نوازع الخير و العواطف القومية في الوصول إلى الأفق أكثر مما كانت ترتكز على توفير المستلزمات العملية لاستمرارها ولجعلها وحدة مشعّة ."

وهكذا يتبين أن الرجل لم ينسب الانفصال إلى المؤامرة الخارجية فقط بل إلى الممارسات وإلى الفشل في خلق نموذج حـر يشكل إشعاعاً يستدرج إليه كل العرب .

وإذا عدنا لمناقشات الوحدة الثلاثية بعد عام 1963 نجد أن عدم الإشعاع في الوحدة كنموذج يعود إلى النظام البوليسي الذي امتد إلى سورية وأخذ أحزابها وديمقراطيتها ، فكانت هناك فجوة استدرجت احتجاج الكثيرين الذين كان طموحهم هو قيام دولة الوحدة على أسس الحرية و الديمقراطية لتصبح مركز جذب للآخرين لا أن تكون دولة بوليسية وهو الأمر الذي أدى إلى سهولة الانقضاض عليها .

 


 

موقف النظام من الدين

 

مما لا شك فيه أن الرجل كان متديناً شأنه في ذلك شأن الأغلبية العظمى من البعثيين .

و في حديثه لفؤاد مطر في نفس المرجع يقول :

"عندما نقول أننا لسنا محايدين بين الإيمان و الإلحاد و إنما نحن مؤمنون فهذا يعني أن البعثيين من الشعب , يصلون ويصومون ويقومون بواجبات العبادة الأخرى "

ويقول : " النظرية العلمانية تقف موقفاً محايداً بين الإيمان والإلحاد وربما تجنح إلى الإلحاد من خلال نظرية مادية ".

أما عن البعث فيقول : "إننا نستوحي الأحكام من روح الدين بدلاً من أن نتعامل مع الحياة من خلال طريق ديني" .

ويقول : "نحن نتصل بالدين اتصالاً مباشراً من خلال تطبيق مستلزمات العبادة تاركين لكل إنسان حق ممارسة طقوسه بحرية وفق منهجه فالبعث في البدايات انطلق من نظرية أن نستوحي من أحكام مبادئ السماء في تطبيقاتنا على الأرض دون أن نعالج شؤون الحياة عن طريق ديني " .

الرجل من مواليد 28 نيسان 1937 وفي قرارة نفسه كان متديناً وتصدر عنه اهتمامات دينية وكان إذا سئل عن هذه الاهتمامات يقول : " نحن لم نشعر أن هناك افتراقاً بين روح الدين وروح البعث , إن البعث هو حالة استلهام روح الأمة بصيغة جديدة ".

في موضوع البعث والدين فإن البدايات كشفت أن البعث لم يفصل الدين عن الدولة ولكن تعريفه للعربي جاء غير مرتبط بالدين الإسلامي.

فالعربي هو الذي يعيش على الأرض العربية و يتكلم لغتها ولا توجد لديه عصبية تمنعه من الاندماج في الحياة العربية .

هذا الموقف دفع الكثيرين إلى صفوف البعث باعتبار أن هذه الصيغة لا تلغي الآخر لأسباب دينية أو مذهبية أو عنصرية ما دام أن الانتماء القومي يرتبط بالأرض وبالدفاع عنها بالدرجة الأولى دون المساس بحقوق الآخرين في العبادة .

هناك أحزاب نشأت في نفس الفترة الزمنية كانت تنادي بفصل الدين عن الدولة وأحزاب تشجع على الإلحاد وكلاهما لم يحققا وجوداً فاعلاً لأن البيئة ترفض مثل هذا الفصل الحاد في منطقة تنتسب إلى الشرق الروحي .

من هذه الزاوية فإن صدام حسين في توجهاته الدينية وخاصة بعد الحرب على إيران والتي استخدمت فيها الدين كسلاح ضده كانت تمثل ردّاً يجرّد هذا السلاح الموجه إلى نظامه أكثر مما تعني اختباراً لطريق ديني في العمل السياسي .

ومن هذه الزاوية أيضاً فإن الذين حاولوا ربط نظام صدام حسين بالحركات الإسلامية المتطرفة والتي صارت تسمى الإرهـاب بعد 11/9/2001 فشلوا في تسويق هذه الذريعة لأن النظام العراقي وليد مدرسة البعث التي تحترم الدين أي دين وتستلهم روح الشرق الدينية في الأحكام ولكن لا تأخذ بالطريق الديني سواء أكان ولاية الفقيه عند الشيعة أو الإسلام هو الحل عند الأخوان المسلمين من أهل السنة .


 

الموقف من الشيوعية

 

في حديث مع فؤاد مطران في رجل و قضية حدد صدام حسين موقفه من الشيوعية و الماركسية فلم يعلن عداءه للماركسية كنظرية لإنصاف العمال و الفقراء بمواجهة النظام الرأسمالي و حدد الخلاف بأنه سياسي بحت مع الشيوعية أو مع أنواع منها لا تراعي المصالح القومية لخدمة أممية يراها متعارضة مع الانتماء القومي .

يقول الرئيس صدام في هذا الخصوص وبإيجاز بسيط " أنا أحترم الماركسية ولكن لا أحترم الشيوعيين الذين يجعلون الصلة بينهم وبين النظرية الماركسية جسراً للعلاقة التبعية مع أي دولة في العالم ".

من هذا المنظور كان الرجل يفرق بين الماركسية كنظام اقتصادي يقوم على ملكية الشعب لوسائل الإنتاج وبين الشيوعية كنظام سياسي يستهدي بالماركسية ويحدد بإيجازه خلافه لا مع الشيوعية النظام بل مع الشيوعيين بالأممية التي يقودها يومئذ الاتحاد السوفياتي .

في هذا الموضوع فإن البعث في سورية والعراق وكل البلاد العربية لم يكن حزباً يدور في الفلك السوفياتي وكانت هذه النقطة في علاقة الشيوعيين العرب بالاتحاد السوفياتي محل خلاف دائم بين الأحزاب الشيوعية العربية والبعث .

وللحقيقة فإن قوى عديدة داخل الأحزاب الشيوعية انحازت متأخرة وإلى هذا الفهم البعثي للعلاقة ونشأت تيارات تقول بأن الشيوعية العربية لا تستلزم التبعية ولقيت مثل هذه التيارات تشجيعاً كبيراً في الأوساط القومية لزوال نقطة الخلاف ولأن التحالف بين الأحزاب القومية والأحزاب الشيوعية غير المرتبطة سياسياً بالسوفيات يمكن أن يعزز قوة التغيير اليسارية في الساحة العربية وأن يخفف عليها ضغوط الاتجاهات الدينية والوطنية التي كانت تصطادها من هذا المقتل .

ولذلك فإن الرئيس صدام والبعث اصطدم دائماً بالشرائح التي تتمسك عبر الأممية بالعلاقة مع السوفيات وكان يعتبرهم طابوراً خامساً للأجنبي دون أن يعني ذلك أنه في الصف الآخر في الصراع الدائر في الحرب الباردة بين المفكرين الاشـتراكيين بزعامـة السوفيات والرأسماليين بزعامة الولايات المتحدة .


 

الموقف من السلاح النووي و الذرة

 

كان الرئيس صدام حسين يريد وكان مصمماً على استخدام الذرة للأغراض السلمية شأنه في ذلك شأن دول عديدة في العالم ذهبت في هذا الاتجاه واستخدمت العلماء والآلات اللازمة ولم يكن في منظوره استخدام الذرة كسلاح نووي .

صار عنده علماء وصار قادراً على إنتاج السلاح النووي ولكن لم يفعل ذلك وأدخل العراق في المعاهدات الدولية للطاقة وأخضع دائماً المنشآت للتفتيش.

وفي حديثه حول الذرة كان يقول : " ليس في إمكاننا أن نتصور إمكان استخدام الذرة للأغراض السلمية وعلى نطاق واسع في مجتمع بدوي ..

فالقنبلـة الذريـة ليست لعب أطفال , هي عبء ثقيل في الوقت الذي تبدو فيه ليست كذلك ..

نحن نركز على استخدام الذرة للأغراض السلمية وعلى الإمكانيات العلمية والتقنية وهذا هو الأساس في منهجنا ".

وعملياً وباستقرار الواقع فإن العراق الذي أنشأ المفاعل النووي بمعونة فرنسا كان يخدم هذا الاستخدام السلمي .

ولكن الصهاينة فهموا أن قيام المفاعل قد يؤدي إلى إنتاج قنبلة نووية في المستقبل بغض النظر عن النوايا السلمية وعن توقيع العراق للمعاهدات فأجهزوا على هذا المفاعل في عمل عدواني شاركت في المساعدة عليه أطراف عديدة أميركية وعربية سهلت ووفرت للعدوان المرور الآمن .

بعد هذه الغارة وبعد الحرب على العراق عام 1991 والتي سميت حرب الخليج الثانية فهم العراق الرسالة الدولية بأن الصهاينة والغرب كله لا يريد دخولاً لاستخدام الذرة للأغراض السلمية في المنطقة ولا يحتمل مجرد التفكير بإمكانية امتلاك العرب لسلاح نووي (فسلاح عربي على زناد عربي ) من ممنوعات المنطقة لذلك لم يبادر إلى إعادة بناء المفاعل .

و حين جاء الأميركيون محتلين للعراق تحت هذه الذريعة تبين أن لا مفاعلات ولا أي سلاح نووي وصارت هذه الأكذوبة محل احتجاجات شعبية وسياسية على امتداد العالم لأنها جردت الحرب العدوانية على العراق عام 2003 من كل مبرراتها وكشفت أن الهدف منها ليس السلاح النووي بل القدرات العراقية العسكرية التقليدية والدور العراقي في الحياة القومية والتي يخشى على أمن إسرائيل منها ولكنها قطعاً غير موجهة ضد الأميركيين ولا هي ضد مصالحهم ..

كانت قصة السلاح النووي أكذوبة صهيونية شحنت العقل الأميركي بالأحقاد والمخاوف في عملية استغل فيها الصهاينة أحداث 2001 في نيويورك وواشنطن لكي يكون العراق ثأراً لها في حين أنه لا يشكل خطراً على أحد ولا هو ينتمي إلى المدرسة الفكرية للمتطرفين في أفغانستان الذين ولدوا وترعرعوا في أحضان المخابرات الأميركية أيام الغزو السوفياتي لأفغانستان ..


 

الموقف من القضية الفلسطينية

 

يقترب موقف الرئيس صدام من موقف منظمة التحرير الفلسطينية في بدايـات نضالها حيث دعت إلى دولة ديمقراطية لجميع الأديان .

حين سأل فؤاد مطر صدام حسين عن فلسطين وعن تصوره للمستقبل قال بلا تردد :" فلسطين الخالية من كيان صهيوني مغتصب , هذه لا تعني أننا ندعو إلى كيان فلسطيني خال من اليهود " .

إذن لم يكن النظام العراقي مع الطروحات في بداية الصراع والتي ذهب فيها البعض عن حماس أو غباء إلى ضرورة إلقاء اليهود في البحر فاستنفروا كل أوروبا ضدنا.

 وجود اليهود في البلاد العربية كان دائماً من حقائق الحياة حيث مساحة التسامح أعطت حق البقاء لأتباع الديانات السماوية ومنها اليهودية وحتى حين مارست أوروبا كلها الوحشية ضد اليهود فيها استقبلت مختلف البلاد العربية في المشرق والمغرب أعداداً كبيرة منهم .

وما يطرحه النظام العراقي هو نظام يقوم على دولة فلسطين تحتوي على تعدديات فالقضية ليست وجود يهود في فلسطين وقد كانوا موجودين بفعل التاريخ ولكن القضية التي فجرت الأزمة هي استقدام الغزاة من كل بلاد العالم في إطار المشروع الصهيوني لاستعمار فلسطين واستعمار شرق المتوسط كله .

بهذا المعنى فإن النظام العراقي كان ضد المشروع الصهيوني الذي يجب أن يرتد ولا ينظر إلى المشكلة من زاوية دينية لأنه قال أن الكيان الفلسطيني ليس خالياً من اليهود .

مع الزمن فإن العراق كان داعماً للنضال الفلسطيني ومع أنه خاض كل الحروب العربية ضد إسرائيل إلا أنه الوحيد من الدول العربية الذي لم يوقع اتفاقية هدنة ولا دخل في مفاوضات مباشرة أو غير مباشـرة ولا أعلن قبوله لأي اتفاقية أو معاهدة أبرمها العرب الآخرون .

في حرب تشرين أرسل العراق كل جيشه تقريباً إلى الجبهة السورية مع أغذيته وعتاده ودفع بدباباته بدون حاملات كافية فسارت حوالي ألف كيلومتر على جنازيرها لتصل في الوقت المناسب و تشارك في الحرب وفي صد الهجوم الإسرائيلي المضاد .

وحين أوقف السادات القتال وحين صدر القرار 338 أرسل الرئيس صدام حسين للرئيس الأسد رسالة قال فيها كما أفاد هو بذلك " إذا واصلت سورية الحرب فإن الجيش العراقي بكامله سيحارب إلى جانبها أمـا إذا وافقت على القرار 338 فإنه سيسحب قطعاتـه لتعود إلى العراق ".

وفعلاً سحب قواته التي أرسلها في الزمن الصعب للحرب مع الأكراد ومع شاه إيران فكانت مجازفة كالانتحار . ومع أنه بعد الحرب عليه عام 1991 كان أقرب إلى الاعتدال الذي ساد الساحة العربية التي دعت إلى الاعتراف والصلح على أساس إقامة الدولة الفلسطينية إلا أن النظام العراقي لم يدرّس منتسبي حزبه على تقبل ذلك وبرر موافقته بالوضع الصعب وفي بعض الأحيان كان أقطاب النظام يقولون أن ما هو أهم هو بناء القوة العربية وبعد ذلك فالمعاهدات قصاصات من الورق تدوسها نعال الأقوياء.

ومع ذلك ومع تفرد العراق في بعض المواقف إلا أن صدام حسين كان يقول دائماً " لا يمكن تحرير فلسطين بدون استنهاض الأمة العربية وتوفير مستلزمات التحرير".

وكان يربط بين استقرار المنطقة وبين تحرر العرب من النفوذ الأجنبي وقيام الدولة الفلسطينية .

وكان يقول أن العراق يؤيد بعض العمليات الفلسطينية الحادة إذا كانت تخدم قضية النضال وربما في هذا الأمر يشير إلى عمليات أبو نضال .

وعلى هذا الأساس فإن العراق شئنا أو أبينا استمر مع المقاومة الفلسطينية رافضاً كل الحلول حتى سقوط بغداد .

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

الموقف من إيران

 

كان العراق دائماً على خلاف مع إيران التي كانت هدفاً للفرس لأن فيها العتبات المقدّسة للشيعة قبر الإمام علي في النجف وقبر الحسين في كربلاء ولأنها تريد الاستيلاء على نفط العراق وأن تشكل كماشة حول دول الخليج و السعودية .

بعد نجاح الثورة الإيرانية توقع العراق منها أن تعيد الجزر المستولى عليها في الخليج إلى العراق وأن تلغي الاتفاقية التي وقّعها صدام مع الشاه في زمن الضعف لتأسيس علاقة جديدة ، ولكن الثوار في إيران ذهبوا بعيداً وأعلنوا أن ثورتهم هي ثورة الإسلام كله وأن على النظام العراقي أن يرحل .

الإيرانيون بـدأوا الحـرب بالكلمات والتهديدات ولم يبدؤها العراق إلا بالحرب..

الخميني في 17 نيسان بعد الثورة قال :" إن إيران ستأخذ العراق وستتقدم إلى بغداد " .

العراقيون أهملوا الجانب الديني في الصراع مع إيران وأعلنوا( أن المجابهة مع إيران هي مجابهة بين الفرس والعرب وأن الخميني هو شاه يلبس عمامة) .

حوّل العراقيون الصراع عن طابعه الديني أو الطائفي إلى صراع قومي . وحين هدد رئيس وزراء إيران بني صدر العراق بالحرب كان جواب صدّام في خطاب له في الموصل ( مسكين بني صدر لا يدري أن نصف أجدادنا ماتوا على ظهور الخيل ) !.

وحين تفاقم الخلاف فإن قومية المعركة كانت عنواناً للحرب التي شارك فيها السعوديون وحكام الخليج كلهم دعماً وتمويلاً ليس من أجل القومية العربية بل خوفاً على عروشهم من الثورة الإيرانية .

أما الأميركيون الذين صاروا في خصومة مع النظام الإيراني فقد أبدوا ارتياحهم لهذه الحرب .

واستغرقت الحرب 8 سنوات وانتهت بتوقف الإيرانيين عن تصدير الثورة واستمر النظام العراقي معادياً لإيران سياسياً وعيون النظام تراقب طابورها الخامس داخل العراق وتسحقه.

لقد ارتاح حكام السعودية و الخليج من الهم الإيراني ولكن حجم القوى العسكرية العراقية أخافتهم وأخافهم أكثر المشروع القومي العربي . وحتى الصهاينة نظروا بقلق إلى القوة العسكرية العراقية المتنامية و تجاربها في الحرب الطويلة وسعوا إلى الأميركيين ليحجموا هذا المارد .

وكان العراق على لسان صدام حسين يقول للثوار في إيران أن يعوا بعض الحقائق وأن لا تأخذهم السلطة بعيداً في الاستبداد فقال ( على حكام إيران أن يفهموا أن شعبهم ليس الفرس وحدهم وأنه مكون من خمس قوميات منها العرب والبلوش والأكراد والأذربيجانيين والفرس وعليهم إذا أرادوا لبلدهم حياة السعيدة والبعيدة عن التدخل الخارجي أن يفهموا أن لا تناقض بين روح الدين والخصوصية القومية التي يجب أن تعطى للقوميات الأربع) .

و لكن هذه الصيحة لم تلق قبولاً حتى الآن وحتى بعد رحيل صدام حسين لأن النموذج الإيراني يقوم على سلطة منفردة للفرس وعلى تجاهل تام للحقوق القومية للأقليات المكونة للدولة مما سيعرضها دائماً للانتكاسات وللتدخل الأجنبي في المستقبل ودائماً مثل هذا التشدد يحمل معه عوامل الانفجار ليس في إيران وحدها بل في كل المجتمعات التعددية ...

إن النموذج الإيراني القائم على سيطرة رجال الدين على الحكم وعلى ولاية الفقيه يتعارض مع روح العصر ومع الحضارة التي نشأت بسبب حركة العقل والتي أقامت اختصاصاً واضحاً بحيث يكون مكان رجال الدين المعابد ويكونون فيها أحراراً ومحترمين ويكون المجتمع تحت إدارة العقل وعبر المؤسسات المنتخبة من الناس.

لذلك فإن مستقبل هذا النظام محفوف بالمخاطر وسوف يأخذ الصراع شكلاً جديداً بين الذين يريدون دولة دينية يحكمها رجال الدين وبين الذين يريدون دولة تحكمها الديمقراطية ويختار رجالها الناس بالاقتراع السري ..

وفي استقرار التاريخ فإن هذا النموذج غير قابل للحياة طويلاً لأن التاريخ لا يعود إلى الوراء .

 


 

الموقف من الكويت

 

بدأ الكويتيون الحرب على العراق حين توقفوا عن دفع المستحقات وفق الاتفاقات كما زادوا ضخ النفط للضغط على العراق بدلاً من مساعدته على إعادة الإعمار في الحرب الطويلة فيها والتي دفع العراق مليون جندي دفاعاً عن الخليج وحكامه وثرواته .

كان صدام مفجوعاً من الموقف الكويتي التي لولا العراق لابتلعها الإيرانيون في ساعات... وحين أخذه الغضب بعيداً أرسل قواته واحتل الكويت بعد أن أشعرته السفيرة الأميركية في بغداد أن الأمر لا يهم الأميركيين كثيراً.

وحين تم له احتلال الكويت بدأ المشروع الأميركي المضاد لتحجيم القوة العراقية واستغل الأميركيون الاحتلال ليجمعوا حشداً عالمياً ضد العراق لإخراجه من الكويت ولكن عملياً دمروا الجسور والمنشآت والمعامل والكهرباء وقتلوا الآلاف وحصلوا على هدفهم الاستراتيجي في إضعاف العراق وتركوا للأزمة أن تأخذ صدّام من الداخل فالأميركيون لم يقدموا أية ضحايا في الحرب التي كانت من جانبهم نظيفة وبدون ضحايا ، ولكن في الجانب الآخر تم عسكرياً تحجيم العراق وقتل الآلاف من جنوده وشعبه وتم إضعافه فترك ذلك ارتياحاً واضحاً في إسرائيل وفي دول الجوار النفطية ..

وكما أرى فإن الكويت ليست دولة بالمعنى القانوني هي بالضبط تجمع لشركات نفط عديدة والمهم في وجودها هو النفط الذي هو ملك للشعب لا إلى آل الصباح ولا غيرهم من الآلات والأدوات...

أما العراق فلم يسقط نظامه وبعضهم يعزو ذلك إلى حاجة السوق العالمية لنفطه وحاجة تركيا إليه والحصار عليه لم يكن غير قابل للاختراق فتم استمراره واستعاد عافيته الاقتصادية وأعاد بناء ما تهدم بزمن قياسي .

بعضهم يعزو استمرار النظام إلى القسوة البالغة في القمع والتصفيات وهذا جانب صحيح جزئياً ولكن في العمق لا يمكن أن يكون للعدوان الأجنبي أنصار في العراق الذي رفض على مر التاريخ قبوله وإلى هذه الوطنية استند النظام في بقائه فالمعادلة ليست بين المحتلين والغزاة وبين النظام العراقي بل هي بين الغزو والعراق نفسه لذلك استعصى النظام على الإسقاط لمدة عشرة سنوات .

أما الكويت التي كانت جزءاً من العراق واستولد الإنكليز منها دولة واستعملها الأميركيون ذريعة للعدوان على العراق فهي مؤقتة في التاريخ لأن الدائم هو العراق ومصلحتها أن تصالحه لأنه قد لا يتكرر في التاريخ كل مرحلة أن يحصل حكام وحراس النفط فيه على حشد عسكري عالمي لحمايتهم من ثأر العراق .

وأنه لغريب أن يأخذ الحقد الكويتي مداه فيرفض كل المصالحات التي عرضها العرب خاصة بعد أن تم اعتراف العراق بالكويت وتحقق لهذه الدولة الأمان الإقليمي والدولي ، وعملياً ربحت هذه الدولة التي صنعها الإنكليز المشروعية الدولية ..


 

الموقف من القضية الكردية

 

استغرق بحث موضوع الأقليات في العراق وقتاً طويلاً وفي داخل حزب البعث كانت توجد لجان تولت بحث هذا الموضوع والتعامل معه في إطار الوحدة القومية .

الأقليات في العراق هي الآشوريون والأكراد ولكن المشكلة الكردية كانت الأهم بسبب حجم السكان الكبير ونظراً لأن تركيا وإيران كلاهما كانتا تستخدمان الأكراد للضغط على العراق لا حباً بهم ولا تأييداً لتوجهاتهم الاستقلالية نظراً لأن ذلك سيهدد وحدة تركيا في الشرق ووحدة إيران في الغرب .

لذلك فإن النظام العراقي وضع المسألة الكردية في خانة الأوليات من اهتماماته على أساس أن بقاءها بدون حل وقابله الانفجار بالتدخل الأجنبي سيحول الجيش العراقي إلى جيش محلي مهمته ممارسة دور محلي بدلاً من أن يتحول إلى جيش قومي.

وكان الرأي أن البعث العراقي إذا لم يكن يستطيع أو تكون له القدرة على حل مسألة أقلية من أقليات العراق بغير استعمال الجيش فكيف سيمكن توحيد الأقطار العربية الحافلة بالأقليات ؟

لذلك كان توجه النظام العراقي إلى حل المسألة الكردية هو في تشجيع اندماج الأكراد في الحياة العربية مواطنين ينعمون بالحرية والمساواة .

لذلك فإن عقد اتفاقية الحكم الذاتي سمح للأكراد باستعمال لغتهم الخاصة وخصص قسماً كبيراً من الميزانية العامة لصالح الإعمار في مناطقهم ...

ولكن كل ذلك لم يوقف التدخل الخارجي الذي استفاد من الوضع العشائري وإمكانية الشراء والبيع فيه في حين بقيت النخبة التي تريد الاندماج في الحياة العراقية الوطنية أقلية يهددها التعصب القومي وتغذيها عمليات الإرهاب التي تنظمها الفصائل الكردية خدمة لنفوذها وعلى حساب أمن واستقرار المنطقة ويدعم توجهاتها جهات عديدة عربية وإيرانية وتركية وأحياناً إسرائيلية .

وفي التحليل السياسي فإن ما قدمه النظام العراقي للأكراد هو أكبر وأهم وأكثر تسامحاً مما يقدمه الإيرانيون لأكراد إيران والأتـراك للأكراد حيث يمارس عليهم التمييز العنصري ويتعرضون للتصفيات والإبادة بدون رحمة ...

كان ارتباط بعض الفصائل الكردية بدول الجوار يغضب العراق الحاكم وكثيراً ما تعامل مع هذه القلة بقسوة دون أن يتخلى عن الحكم الذاتي وما وقعه من اتفاقيات ، ولكن العقول الفاسدة كانت أقدر على الاستمرار في اللعبة الأجنبية وعندما حصل العدوان على العراق بعد حرب الخليج الثانية عام 1991 ازدادت وسائل التدخل وأخذت شكلاً عسكرياً فرض مناطق الحظر على الحكم العراقي في المنطقة وبدا للأكراد أنهم حققوا لهم ولكن على الورق وكل ما فعله الأجانب من أميركيين وإيرانيين وأتراك هو أنهم نصحوا الأكراد بأن لا يذهبوا بعيداً إلى أكثر مما أعطاهم صدام حسين .. هذا هو الواقع الآن ....

إن المسألة الكردية في الوطن العربي مسألة صعبة بسبب التداخل في المصالح في مناطق وجودهم من جهة ومن جهة أخرى فإن الخلافات العشائرية فيما بينهم في داخل أماكن تواجدهم في كل الدول تجعل وحدتهم في مهب الريح .

أما في سورية فهم متواجدون فيها ومتعايشون وهم في دمشق وحلب وجبل سمعان وفي الجزيرة ونبغ منهم العلماء ورجال الدين ولا يعانون من مشاكل القهر والتمييز واندمجوا في الحياة السورية مواطنين أشداء ووطنيين .

وفي ما عدا بعض الإجراءات في الجزيرة حيث يتدخل الخارج لمنعهم من هذا الاندماج والتي اقتضت بسبب الهجرة غير المشروعة إلى سورية بعض القيود فان المسألة الكردية في سورية محددة في تجاوز هذه القيود ولا بد من حل سياسي لها عبر ممثليهم ولا أعتقد أن لمثل هذا التوجه أعداداً كبيرة من المعارضين .

 

 


 

الموقف من الشيعة في العراق

 

لم ينظر النظام العراقي إلى الشيعة كأقلية و لا تعامل معها على هذا الأساس فعروبة الشيعة أصيلة لا يستطيع أحد القفز عليها وكل التدخلات الإيرانية عبر المذهب عجزت عن حرف هذا القطاع عن الانتماء القومي .

وعلى عكس الأكراد الذين تحفظوا على الانتساب لحزب البعث فإن الشيعة لم يجدوا أبواباً مغلقة عليهم في الحزب وقيادات تاريخية كثيرة جاءت من الحقل القومي للشيعة ولم يكن لهذا التواجد أية معوقات ..

و لكن حين تأسس حزب الدعوة عام 1958 بالاتفاق مع نظام الشاه كان الهدف هو معاداة القومية العربية الصاعدة و بعد نجاح الثورة ضد الشاه تم احتواء هذا الحزب من إيران الخمينية وتم إمداده بالسلاح فصار تنظيماً مسلحاً . هذا الوضع أدى إلى اعتقال محمد باقر الصدر وهو الرجل القائد في الحرب بعد آية الله الخوئي وبعد حادثة جامعة المستنصرية المنسوبة إلى حزب الدعوة و التي ذهبت ضحايا مدنية عديدة بسببها , عمد صدام حسين إلى تنفيذ حكم الإعدام بالصدر بعد أن كان يرغب بإعادة النظر في الحكم .

المشكلة لم تكن في العراق مع الشيعة بل مع بعض الأئمة الذين في أغلبهم لم يكونوا من شيعة العراق بل من الفرس وأكثرهم لا يعرف العربية ومن يعرف منهم العربية لا يتكلم إلا الفارسية وهو الأمر الذي جعل النظام يقسو على هؤلاء تحديداً لا على شيعة العراق العرب .

وفي الحرب العراقية ضد إيران كان الشيعة في الجيش العراقي ولم يحصل أي تمييز ضدهم في الجيش للثقة بأن عروبتهم فوق الشك وهؤلاء حاربوا إيران في صفوف جيش بلدهم و بقيت قلة من المتعاملين مع إيران و بينهم بعض الأئمة في الصف الأخر .

ونتيجة لدراسة ميدانية أجراها النظام العراقي تبين أن أغلب منتسبي حزب الدعوة من العناصر الإيرانية التي تجنست وليس من العناصر العربية الأصيلة التي دافعت عن العراق وعن العروبة .

وأثناء الحرب ضد العراق 2003 لم يشارك الشيعة في تأييدها ولكن بعد سقوط بغداد أقامت فصائل منهم الجسور مع النظام الجديد في حين رفض الكثيرون مبدأ الاحتلال وحتى الذين قبلوا التعاون مع الأميركيين تحت اسم الواقعية السياسية كانوا يصرحون دائما أنهم يسعون بالوسائل السياسية لتعجيل رحيل الأميركيين .

لذلك نتوقع انتصار التيار العربي الشيعي الذي يدعو إلى التعايش وإلى التحرير وبانتظار ذلك سوف تسقط بعض الطيور التي تنعق خارج السرب مدفوعة من الخارج الاستعماري .

 


 

الموقف من الجيش

 

كان صدام حسين يؤكد في كل خطبه على أن العراق يجب أن يكون (منارة) و يكرر و يعتبر بلوغ العراق هذه المرحلة هدفاً استراتيجياً.

وفي سياسته كان يرى أن عوامل القوة في النظام العراقي تقوم على أساسين هما : ( اقتصاد قومي لا يسمح للضغوط الخارجية أن تصطاده ، وجيش قوي قادر على الدفاع ) .

والجيش العراقي بنظره هو جيش قومي بالدرجة الأولى وهذا الجيش يجب أن يكون عقائدياً يقوده البعثيون كطليعة للأمة العربية .

وكان يرى أن العسكري يتعاطى السياسة في الجيش ما دام بعثياً وأن لا مكان للآخرين في هذا المجال . أما البعثي المدني فمكانه في السلطة المدنية فقط .

وفي حديثه في دورة 7 نيسان عام 1979 توضيح جلي لهذا الموقف (جيش العراق هو جيش الأمة العربية الذي يلبي النداء عندما تحدق الأخطار بالأمة).

وعملياً فإن هذه الصيغة للجيش شبيهة بالصيغة البعثية للجيش في سورية إلى درجة ظن فيها البعض أن هذا جزء من المدرسة الفكرية للبعث .

في هذا المجال كان بالإمكان أن يكون العراق هو طليعة الأمة العربية وكذلك جيشه بالأسلوب السياسي للحكم وصيغة الجيش المحترف المقاتل الذي لا يمارس العمل السياسي ربما كانت أفضل من هذه الصيغة القاسية التي تجعل الدفاع عن الوطن وعن الأمة العربية حكراً على حزب فكان هذا الوضع بالغ التأثير على الساحة الشعبية التي اعتبرت أن مهمة الدفاع عن الوطن هي مسؤولية الحزب لا الشعب فأدى الأمر في حرب 2003 إلى افتراق حقيقي..

دور القوات المسلحة في العمل العام كان محل خلاف في الساحة العربية في زمن انتشار الديكتاتوريات العسكرية , ولكن بعد فشل هذه الصيغة فإن الانتقال إلى صيغة جديدة يكون فيها لقيادة الجيش دور قومي في القضايا القومية كالحرب والسلم والتحولات الكبرى في حين يتولى السياسيون وأحزابهم إدارة المجتمع .

قد يكون الانتقال صعباً ولكن لا يبدو إهمال دور الجيش صحيحاً كما لا يجوز أن يكون تفرده عنوان الحقيقة .

 

 

 

 

 

 

 


 

الموقف من حقوق الإنسان

 

حين كان يقال للرئيس صدام حسين أنه يذهب بعيداً في القسوة كان يقول لهم في القيادة القطرية :( إن قلوبنا ترتجف من جراء أبسط مظهر من مظاهر العنف عندما لا يكون مبرراً ولكن نمتلك قلباً يتحمل قطع الرؤوس للذين يخونون وطنهم ويتآمرون على شعبهم مهما كان عددهم ).

قضية العنف والقسوة ليست وليدة النظام الذي يدافع عن وجوده فالعراق كان دائماً قاسياً وعلى امتداد التاريخ .

فالعراق كما يقول صدام مبرراً هذا الطابع العنيف للشعب العراقي " إن العراق لم يعش حالة عادية ولم يوجد فيه دولة من الطراز المستقر المرتاح ودائماً كانت توجد تحديات ولهذا الوضع تأثير على الشخصية العراقية التي تتميز طبيعتها الحادة والتي ترد على التحدي مباشرة وبقوة وبعنف " .

إذن فإن القسوة هي من التراث وهي وليدة التاريخ الذي عاشه العراق وخاصة في الزمن العربي من تاريخه حيث كان ملجأ للمعارضين وأرضاً يجتاحها الخلفاء والحكام الذين اعتبروه عاصياً عليهم وأرضاً تتحدى جبروتهم فاعتاد على هذا الوضع وأثّر في تكوين شخصيته القاسية والعنيفة ضد كل الموجات وهذا صحيح في التحليل .

ولكن الوحشية في النظام العراقي الذي يمثله صدام حسين كانت أكثر من كل وحشية عربية موجودة اليوم .

العراق كان بنظامه وحشياً ولكن الآخرين من العرب لم يكونوا ملائكة .

هذا الوضع لا يبرر العدوان على حقوق الإنسان والحريات ولكن في التحليل السياسي هو جزء من مشكلة المنطقة مع الحريات وليس استثناء لها .

هذا الوضع لحقوق الإنسان والحريات ومع سيطرة حزب واحد على الحكم ومع القسوة البالغة في التعامل حتى مع المعارضة السياسية أدت إلى هجرة النخب السياسية والأفراد خوفاً من القمع وصار خارج العراق الملايين من الذين رفضوا الحياة في ظل الاستبداد .

كل مواقف النظام لم تشـفع لـه ولم تبرر عدوانه على الحريات فكان هذا مقتله الحقيقي ، لا أسلحة الدمار الشامل ولا خطره على الجوار ولا على استثمار النفط ..

صارت الوحدة الوطنية مفقودة وصار بإمكان الخارج الاستعماري أن يجد بعض المعارضين وأن يجندهم تحت هذه اليافطة للعمل ضد وطنهم لتحقيق أهدافه الاستراتيجية في السيطرة على نفط العراق وفي إضعاف العراق وإعادته إلى النفق الذي خرج منه .

ما يجب الاعتراف به بعد الحرب على العراق عام 2003 أن ما يزعمه النظام السابق من أن كل المعارضين في الطابور الخامس غير صحيح فهناك معارضة سياسية وطنية تريد الحرية وهناك بالتأكيد عملاء ارتبطوا بالخارج الاستعماري ولكنهم قلة وسيظلون كذلك. وإن فقدان الوحدة الوطنية كانت من العوامل التي ساعدت على سقوط بغداد بالسهولة التي تمت .

وعودة المعارضين أفرزت وضعاً فريداً جديداً ورغم تعاون هؤلاء مع السلطة الفعلية كانوا كلهم يصرحون بأن هدفهم من التعامل مع الواقعية السياسية التي أوجدها الاحتلال هو للعمل على ترحيله وتسليم العراقيين أمور بلدهم.

وهكذا تبخرت نظرية استقبال المحتلين بالورود والأزاهير فإذا العراق كله ضد الاحتلال ...

حين عادت العملية السياسية إلى العراق حرة استعاد العراقيون شعورهم الوطني متفقين على ترحيل الاحتلال , بعضهم ذهب إلى المقاومة المسلحة وبعضهم إلى السياسة ولكن كلهم لا يريدون الاحتلال الذي فقد كل مرتكزات الدعم الداخلي وصار يبحث عن طريقه للخلاص.

 

 

 

 

 

 

 

 


 

العراق و النفط

 

العراق يمثل حقلاً رسوبياً بقي مغموراً بالمياه لمدة تزيد على 300 مليون سنة وبالتالي فإنه أعظم حقل رسوبي يحتوي على مكونات النفط في العالم .

ولأن النفط صار بفعل التطور الحضاري مادة أساسية لإنتاج الطاقة وللأغراض المتطورة لصناعة النفط فإنه أضاف إلى خصب الأرض العراقية ومياهها ومركزها الجغرافي على طريق الهند عاملاً جديداً ساعد على توجه كل الدول نحوه للحصول على الامتيازات النفطية وتأسيس نفوذ مقيم فيه يحمي مستقبل الموارد الأهم في العالم .

وتاريخ العراق الحديث كما يقول صالح جبر هو تاريخ الصراع على النفط , ومن التاريخ القريب حين حاول عبد الكريم قاسم أن يجبر شركات النفط على زيادة الإنتاج لدعم الخزينة العراقية بالمال لإحداث التطور العلمي العسكري رفضت هذه الشركات الطلب وحين اجتمع بممثل الشركات السيد سيفر قال له إذا لم ترفعوا النسبة فإننا سنؤمم مناطق الامتياز ونحصركم في مناطق الإنتاج .

وكان حقل الرميلة الشمالي وهو من أضخم حقول النفط في العالم قد تم اكتشافه وفيه من النفط ما يعادل احتياطي الاتحاد السوفياتي قال سيفر : سنرى ما سيحدث ...

أقدمت الشركات على تحدي عبد الكريم قاسم وقامت بتخفيض الإنتاج من 8 % سنوياً إلى 3 % .

 

وحين أصدر عبد الكريم قاسم القانون رقم /80/ حصر الشركات في مناطق الإنتاج فإنه عملياً أمم حقل الرميلة الشمالي الواقع شمالي البصرة فقامت الشركات بتخفيض جديد للإنتاج إلى نسبة 3 بالألف. ما حدث بعد ذلك أن تم الإطاحة بعبد الكريم قاسم وعلى الفور رفعت الشركات النسبة من 3 بالألف إلى 14 % ؟ *1

إذن لا يمكن تحليل التطورات التي حدثت في العراق وحتى في المنطقة بمعزل عن النفط والصراع عليه .

وللدلالة على أهمية الموضوع فإننا سنختار لكم ما قيل في الغرب عن ذلك .

السناتور بروستر قال عام 1947 (إن من يقعد على صمام النفط في الشرق يمكنه أن يتحكم في مصير أوروبا)

الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون قال عام 1970 (إن 80 % من البترول الذي يذهب إلى أوروبا يأتي من الشرق الأدنى و90 % من بترول اليابان يأتي من الشرق الأدنى) .

وأنطوني إيدن عام 1956 قال لنيكيتا خروشوف أثناء زيارته إلى لندن (يجب أن أكون صريحاً حتى الفظاظة فيما يتعلق بنفط الشرق الأدنى لأننا سنقاتل من أجله ولن نسمح لأحد أن يميتنا خنقاً) .

وفي عام 1980 قال جيمي كارتر لمجلة التايمز (ليكن واضحاً , ليكن موقفنا قاطعاً أن أي محاولة من جانب قوة خارجية للسيطرة على الخليج الفارسي , سيعتبر هجوماً على الولايات المتحدة ثم أننا سنرد بكل الوسائل بما في ذلك العسكرية) .

*1-تفاصيل موضوع النفط العراقي والصراع عليه موجودة في كتابنا "تفجير النفط" الصادر عام 1969 والمصادر من كل الدول العربية .

وتنفيذاً لهذه الاستراتيجية العسكرية بشأن النفط أنشأت الولايات المتحدة عام 1980 قوة الانتشار السريع وهي مكونة من 200 ألف عسكري مع أحدث وسائل التقنية التي تعتمد على الأسلحة التقليدية التي يمكن حمايتها بالأسلحة النووية عند اللزوم .

من مهام هذه القوة احتلال الخليج والعراق في حشد عالمي من الأساطيل والجيوش لا مثيل له في التاريخ ...

عينت الولايات المتحدة الجنرال إكس كيلي قائد لقوات الانتشار السريع الذي أدلى بتصريح للتايمز قال فيه (إن استراتيجية الاستباق بالنسبة إليّ هي أن أنقل القوات إلى منطقة ما بغض النظر عن الحجم لأنه ما أن تدخل قوة إلى منطقة ما ليست محتلة من طرف آخر فإنك تغيّر كل حسابات الأزمة وعلى الآخر أن يتصرف برد الفعل بدلاً من أن ترد أنت عليه) .

وقال أيضاً : (لأن الحرب على البحار وعلى نطاق واسع يحتمل أن تبدأ وتنتهي في سرعة وبمعدل أكبر من أي حرب في التاريخ فإن احتمال استعمال الأسلحة النووية لا يجب عدم تصوره) .

كانت قوات الانتشار السريع تهدف إلى تحقيق وجود عسكري قوي في الخليج مع توسع في القوات البحرية وعلى هذا الأساس حصل الأميركيون على القواعد في السعودية والخليج بالموافقة مع الدول وكما تبين عام 1991 حين جاءت قوات الانتشار السريع مع حلفائها وجدت الثكنات المعدة لهذا الغرض والقواعد قائمة .

هنري كيسنجر كان أكثر صراحة فقال : (إذا ما تعرض هذا البلد إلى حالة اختناق اقتصادي في النفط يجب أن نكون مستعدين دون أن نحدد ما نفعل لاتخاذ الإجراءات الضرورية للحفاظ على مصالحنا.

وتطور مفهوم (الخنق) ولم يعد معناه قطع النفط بل امتد إلى ارتفاع أسعار النفط .

يقول روبرت تيكرود في مجلة كونتري كانون الثاني عام 1975 موضحاً مفهوم الخنق الجديد (إن العمل العسكري قد يكون ضرورياً لكي تمنع الولايات المتحدة أن تنزف حتى الموت بسبب الترف العالمي الضخم الناجم عن أسعار النفط الحالية وهنا لا بد من احتلال الإقليم الساحلي للعربية السعودية حتى قطر وليس في هذا الشريط مراكز سكانية كبيرة وليس فيه أشجار واحتلال القوات له لا يمثل أياً من العوائق الموجودة في فيتنام).

إذن وبعد هذا العرض الشامل لدور النفط في الحروب ضد المنطقة بداية من الغزو الصهيوني لفلسطين وامتداداً لحروب 1956 ضد مصر وانتهاء بالحرب على العراق عام 1991 وعام 2003 لا يمكن إهمال دور هذا الصراع على النفط في حدوثها غير ممكن إضافة إلى أن المشروع الصهيوني حقق تحالفاً مع هذه التوجهات الاستعمارية للسيطرة على النفط لإرهاب كل دول العالم والسيطرة عليها بدون حروب ...

وبعد أحداث 11/9/2001 في نيويورك واشنطن وبعد أن تمكنت الصهيونية استبدال البعبع الشيوعي الذي سقط بالبعبع الإسلامي صارت السيطرة على مناطق النفط في الدول العربية حاجة حقيقية لخدمة المخططين الأميركي والصهيوني .

والحرب على العراق هي نتيجة منطقية لهذه الاستراتيجية التي تمثل شكلاً جديداً من الاستعمار يتقاسم فيه الصهاينة والأميركيون المنطقة فيكون لليهود الأرض الموعودة ويكون للأميركيين وشركاتهم النفط يجلدون ويرهبون بـه كل اقتصاديات العالم ...

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

الأهداف الاستراتيجية للحرب على العراق

 

الذين اعتقدوا مدفوعين بالحرب النفسية الموجهة ضد العراق أن الحرب ضد العراق هي استمرار الحرب 1991 التي قادتها الولايات المتحدة في حشد عالمي فيه عرب ومسلمون لتأديب النظام العراقي الذي انتهك سيادة دولة الكويت ...

و الذين اعتقدوا أن الحرب على العراق هي امتداد للحملة التي قادتها الولايات المتحدة في حشد عالمي لتأديب جماعة القاعدة الذين انتهكـوا حرمة الأجواء الأميركيـة في 11/9/2001 بعمليـة انتحارية أودت بحياة أكثر من ثلاثة آلاف أميركي ...

والذين اعتقدوا أن الحرب على العراق هي لأنه نظام يملك أسلحة دمار شامل وأسلحة بيولوجية أو أنه يملك القدرة على صنعها في آخر تصريحات للسيدة رايس مسؤولة المخابرات الأميركية ...

والذين اعتقدوا أن الحرب على العراق هي بسبب تشكيله خطراً على الجوار الذي ينعم بالوصاية الأميركية والأوربية ...

والذين اعتقدوا أن الحرب على العراق هي لأنه نظام استبدادي قتل شعبه الكردي في حلبجه بالسلاح الكيماوي ولأنه غير ديمقراطي ...

كل هؤلاء كانوا ضحية الحرب النفسية التي شنّتها الولايات المتحدة قبل الحرب لخلق الذرائع للعدوان الذي تم .

 أسباب الحرب على العراق ليست كل هذا لأن الدول الكبرى حين تشن حرباً دولية لا تفعل ذلك لتحرير الشعوب من المستبدين خاصة إذا كانت هذه الدولة هي الولايات المتحدة التي ساهمت في زمن الحرب الباردة في نشر الحكومات العسكرية في العالم الثالث ووجدت في هذه الديكتاتوريات ما يحقق لها نفوذاً سريعاً أو يساعد على قمع الشيوعية والحركات الموالية في توجهها للسوفيات .

الدول الكبرى تضع البرامج والخطط للحروب لتحقيق أهداف استراتيجية تصبّ في مصلحة اقتصادية أو مصلحة سياسية تخدم دورها العالمي .

على أساس هذه القاعدة فإن حرب الولايات المتحدة على العراق هي لتحقيق هدفين استراتيجيين :

الهدف الأول : هو تحقيق سيطرة أميركية على مناطق النفط وإنتاجه وتسويقه في العالم .

فالنفط كمادة اقتصادية تمثل أعظم مشروع رابح في التاريخ البشري و إهمال السعي إلى هذه المادة ليس من أعمال التجارة فقط خاصة إذا كان العالم كله بحاجة إلى الطاقة التي تولدها .

الأميركيون بعد أن استتبّت لهم السيطرة على العالم عسكرياً بعد سقوط الاتحاد السوفياتي يريدون أن يثبتوا زعامتهم وسيطرتهم على دول العالم بغير الجيوش والسلاح فوجدوا النفط أداة يمكن استخدامها لدفع دول العالم إلى بيت الطاعة الأميركي دون حاجة للسلاح ...

من يقعد على صمامات النفط في الشرق الأوسط وامتداداً إلى الدول الإسلامية التي تمثل ثلاثة أرباع إنتاج النفط واحتياطاته يستطيع أن يسيطر على العالم بالاقتصاد .

الأميركيون يريدون أن يسيطروا على هذا النفط لإرهاب كل اقتصاديات العالم به لأن توريده ولأن كمية الإنتاج والسعر تصبح تحت سيطرتهم .

مثلاً اليابان تأخذ من نفط الخليج 90 % من حاجتها ووقفه كلياً أو جزئياً عنها أو رفع سعره أمر يؤدي إلى رفع أسعار منتجاتها وحتى توقف متطلبات معاملها فلا تكون والحالة هذه إلا مضطرة لتلبية متطلبات السياسـة الأميركية في الديبلوماسية والمزاحمة الاقتصادية وفي كل شيء ...

الأميركيون يعرفون أن قدرة جيشهم على الانتشار في كل البلدان هو أمر مستحيل ولا بد من بدائل تحقق لهم هذه السيطرة فذهبوا إليه وإلى السيطرة عليه بالحرب وبكل الوسائل الممكنة .

ولأن العراق حقل رسوبي بقي 300 مليون عام مغموراً بالمياه فإن ما هو مؤكد أنه يعوم على بحيرة هائلة من النفط تعطي آلاف المليارات من الدولارات ولا بد أن هذه الصورة عن الوضع النفطي قد استلزمت السيطرة على العراق ...

ولأن العراق بلد يصعب قياده كما هو الحال في الخليج وفي السعودية وفي أماكن أخرى فإن استبدال نظامه يقع في الهدف الاستراتيجي حتماً .

لذلك نجد أن نفط قزوين في الهدف الأميركي وكذلك نفط السعودية وكل الخليج وجنوب السودان وغداً إيران وغيرها فالمخطط هو مركز عالمي يسيطر بالدرجة الأولى على سيد كل الموارد الهامة في العالم وهو النفط واستعماله كسلاح اقتصادي لإرهاب وإخضاع كل دول العالم .

الهدف الثاني : هو (أمن إسرائيل) التي أصبحت بفعل الحياة السياسية في الولايات المتحدة مفتاحاً انتخابياً ليس للرئاسة وحدها بل لعضوية مجالس النواب والشيوخ ولرئاسة كل ولاية أميركية .

العراق هو البلد العربي الذي شارك في كل حروب العرب ضد إسرائيل وهو البلد الوحيد الذي رفض توقيع أي اتفاقية هدنة أو أي معاهدة سلام أو حتى قبول قرارات مجلس الأمن 242- 338 ولا حتى مفاوضات مدريد .

هذا البلد بنظامه السياسي الذي انهار مؤخراً وبأنظمته السابقة كلها بقي على انتمائه للجيل الذي رفض الغزو ويعمل على ترحيله وبهذه الثوابت صار يمثل خطراً على إسرائيل .

وحين تبين للصهاينة وطابورهم الخامس في الولايات المتحدة أن العراق بعد حربه مع إيران امتلك الخبرة والقدرات العلمية والفنية والعسكرية وصار ينتج السلاح ولا يمكن ضبط نظامه في العملية السياسية لصالح أميركا .

وحين خرج العراق من نفق التخلف مشبعاً بالفكر القومي صار يمثل خطراً على إسرائيل التي اعتبرته كذلك ودعت الولايات المتحدة للإجهاز على قوته وتطوره أعادته إلى بيت الطاعة كباقي العرب .

الصهاينة بنفوذهم السياسي في الولايات المتحدة دفعوا الأميركيين ليقوموا بهذه المهمة نيابة عنهم استناداً إلى ذلك الثابت الأميركي وهو أمن إسرائيل .

 لذلك فإن الحرب على العراق لا يمكن أن تخرج عن هذا المنظور وكل تحليل سياسي يتجاوز هذا المنظور لا يحقق إلا الشعارات التي دفعها الأميركيون إلى الساحة الدولية كذرائع للحرب ثم تبين بعد الحرب أن حبل الأكاذيب كان خادعاً وغير أخلاقي وكشفت أهداف الحرب ...

ما قاله مهاتير محمد في مؤتمر القمة الإسلامي عام 2003 عن الدور الصهيوني في الحرب على العراق كان يمثل هذا الجانب الاستراتيجي الذي تسبب بالحرب ...

وما لم يقله حكام الدول النفطية عن دور النفط وما لم يقله صراحة الألمان والفرنسيون عن دور النفط كسلاح ضد اقتصادياتهم وبلدانهم وبلدان العالم بقي طي الكتمان ولكن إلى حين .

 

 

 

 

 


 

العراق في زمن الحصار

 

بعد أن توقفت حرب الخليج الثانية وبعد أن انسحب العراق من الكويت وبعد أن دمر حلفاء ذلك الزمن بقيادة الولايات المتحدة المعسكرات وشركات الكهرباء والجسور والطرق والمدارس والمعامل وبعد أن قتلوا عشرات الألوف توقفوا عن المسير إلى بغداد معتقدين أن البلد حين يتحول إلى خراب فإن السلطة الباقية لن تحصل على تأييد الناس الذين سيسعون إلى إسقاطها دونما حاجة لأن يتكلف الغزاة تقديم ضحايا جسدية لا بد منها حين تدخل القوات مناطق الكثافة ومناطق الحشد العسكري حول بغداد .

 اكتفى الأميركيون والبريطانيون بالحصار الاقتصادي ورفعوا درجته إلى حصار عسكري في منطقتي الشمال والجنوب حيث تكفل طيرانهم الدائم بمنع حركة الطيران العراقي باتجاههما .

وفي الشمال دعموا قيام سلطة كردية موزعة زعامتين واحدة في الشرق بقيادة البرازاني وواحدة في الغرب بقيادة الطالباني وتركت لهما الحرية في موارد الحدود ودعمتهما وسعت إلى مصالحتهما في كل مرة ينشب بينهما النزاع .

الحسابات الأميركية حول احتمال ثورة داخلية لم تكن صحيحة وكذلك فإن الأزمة الاقتصادية لم تأخذ النظام .

هذا الحصار دام عشر سنوات تمكن العراق خلالها وبزمن قياسي من إعادة بناء ما تم تخريبه من جسور وطرق ؟ وأعاد الكهرباء والماء وأعاد بناء ما دمرته الحرب من مواقع عسكرية أما العتاد فكان تحت الحصار واضطر العراقيون إلى إصلاح ما أمكن منه .

واستخدم الأميركيون بقاء صدام في الحكم كفزاعة لأهل الخليج والسعودية ولابتزاز الأموال منهم بحجة خطره عليهم ولتأمين وجود قواعد لهم ينطلقون بطائراتهم لتدمير ما يلزم بحجة الحصار .

كان من مصلحة السعودية ودول الخليج أن ينتهي الحصار وأن تعود الأمور إلى طبيعتها بعد أن اعترف العراق بالكويت عبر الأمم المتحدة وبعد أن تراجعت قوة الجيش العراقي ولم يعد قادراً على خوض حرب جديدة ولكن الأميركان حالوا دائماً بينهم وبين المصالحة .

وإنه لمن الغريب أن حكام الخليج والسعودية الذين مولوا حرب العراق على إيران التي كانت تهددهم وعروشهم ومذاهبهم بعد ثورتها التي أوقف العراق بدمـاء أبنائـه امتدادها وحصرها في إيران فإنهم ذهبوا إلى مصالحة إيران وأعادوا العلاقات الطبيعيـة معها في حين أنهم رفضـوا مصالحة العراق .

واستمر كل العرب في رفض المصالحة مع العراق وأغلقوا حدودهم معه وفيما عدا ما قررته الأمم المتحدة من فك الحصار عن الغذاء والدواء فإن الساحة العربية لم تنجد العراق في زمن الحصار وكلهم كانوا ينتظرون سقوط النظام .

استمر العراق في توجيه خطاب سياسي عدائي للكويت والسعودية خاصة كلما قامت الطائرات الأميركية من أراضيهما لتدمير بعض المواقع .

المتنورون في الساحة السياسية العربية طالبوا دائماً العراق بأن يبدل خطابه السياسي وأن يكف عن الهجوم الإعلامي على السعودية والكويت وحكامهما كلما شن الأميركيون عليه الغارات لأن الأميركان لا يأخذون إذناً منهما لحركة طائراتهم كان لا بد من فسحة هادئة ومن هدنة بين الطرفين لكي تتمكن سفينة الحوار والمصالحة أن تبلغ الميناء .

ولكن الزمن طال إلى أن حانت الفرصة في مؤتمر القمة العربي في بيروت حيث ساد جو قريب إلى المصالحة ولكن لا أكثر ولا أقل .

وتمخض المؤتمر على قرارات أهمها أن كل العرب لا يوافقون على ضرب العراق وينددون بالعدوان عليه . كان هذا على الورق وأمام رجال الإعلام ، ولكن بعضهم كان يستقبل الجيوش والسفن المحملة بالسلاح ويؤمن القواعد و كان البعض ينتظر فرجاً يسقط معه النظام فيرتاحون .

أثناء ذلك انعقدت مؤتمرات لنصرة العراق وسمح الحكام العرب بالتظاهر تنديداً بالعدوان عليه .

في دمشق انعقد في فندق الشام مؤتمر نصرة العراق الذي حضر جميع جلساته نائب الرئيس العراقي طارق عزيز .

أذكر أنني قلت يومئذ وبالصوت العالي أن شعار التنديد بالعدوان لا يكفي بل هو عملياً بطاقة مرور للمعتدين إلى العراق وإلى المنطقة كلها لأن العرب قالوا أنهم سينددون فقط .

قلنا يومئذ أن على العرب إذا كانوا جادين في منع الحرب على العراق أن ينتقلوا إلى الشعار الشعبي المطلوب وهو التهديد بمقاومته بكل الوسائل من جيوش ونفط وودائع .

وقلنا أن الحكام العرب بعد أن تسقط بغداد بالحرب سوف يتحولون جميعهم إلى حكام ضعفاء يمكن للأمـيركيين أن يستبدلوهم بالهاتف وأن من يريد البقاء منهم فسوف يتسوله من الباب اليهودي..

وقبل الحرب بأسبوع وجهنا رسالة للأمير عبد الله عبر جريدة المحرر دعوناه فيها لاستعمال سلاح النفط لمنع الحرب على العراق وقلنا له أن السعودية مهددة بالتقسيم وأن الخطر عليها قادم وأنه هو شخصياً هدف وسوف لا يسمحون له بتولي العرش وقلنا له أن الذهاب إلى مربع الخطر وتوسيع دائرته أفضل من انتظاره لأنه سيلتهم جميع الأنظمة ويدجنها بالتدريج ومن يظن أن المنطقة سترتاح إذا سقط العراق يقع في الخطأ لأن هذه المنطقة ستدخل في المجهول .

والمدهش أن كل صيحات الجماهير ومظاهراتها وكل تحليل سياسي لم يحول الحكام العرب عن موقفهم الرسمي (نحن لا نستطيع المقاومة فقط نستطيع أن نندد) .

وهكذا بدأت الحرب على أرض مؤيدة ولا خوف فيها على الغزاة ولا من يقف في طريق الحرب غير الكلام فأخذت العراق .


 

العراق في زمن الحرب

 

حين بدأ غزو العراق كان العرب في كل أقطارهم يتظاهرون دعماً للعراق وتظاهرات عديدة تجاوزت إعلان الدعم وطالبت حكوماتها بالمشاركة في الحرب فتعرضت للقمع .

كان الشعب العربي صادقاً ومفجوعاً ولكن الحكومات لم تكن كذلك وتوزعت بين شامت وبين مؤيد إلى أبعد الحدود للغزو وبين خائف ينتظر دوره في مسلخ الأمم .

من أهازيج الشعب في تلك الفترة يمكن الحصول على صورة حقيقية للموقف الوطني الذي عبرت عنه الجماهير .

إحدى هذه الأهزوجات كانت أطروحة سياسية كاملة

وين الأخ ووين الجار            وين النفط بيشعل نار؟

وين العربان بشالاتن             وين النخوة تمحي العار

وين الثوار وأحزابن              وين الوحدة والأحرار

كل العالم هب وثار                هزّوا العرش وهزّوا الدار

حطّوا بالبنك الأموال              وصاروا يبيعونا أخبار

وتصريحات وبيانات              وعلك كتير وما في ثار

أخي وحبيبي العراق              وضده بالسّر الأشرار

وينو يوسف العظمة              وين الشهداء الأبرار

وين العسكر تهدر دم             وين الضباط الأحرار؟

ومن الأهازيج الشعبية الحزينة التي تندد بالضرر الذي قابل به العرب العراق اخترنا لكم التالية :

لمّا الحرب بتشرين                    جيش العراق الفادي

دبّاباته عالجنازير                     وحتى سعسع والوادي

ثورة رشيد العالي                     هدمت حلف الأعادي

وللعراق راح الثوار                  وحولوا شدّوا الأيادي

وبتموز قامت ثورة                   هزمت حلف بغدادي

ورفعت للعروبة الرّاي               وصار للوحدة تنادي

وينك يا شام تثوري                   وجيشك إلى بغداد

يد بيد ورب العرش                   بيحمي زحف الأمجاد    

وحين وصل الغزاة إلى بغداد وتبين حجم التآمر العربي على العراق خرجت إلى الشارع الأهزوجة التالية :

صار الغزو على العراق          وصاروا عأبوابك بغداد

قتل وتهجير وتدمير                وجيشو واقف بالمرصاد

والعرب يا أهل الدار               باعوا تاريخ الأجداد

خانوا العهد ولبسوا العار          وباعوا شعبن للأوغاد

ما في كبير وما في صغير          حتى نهزم هالأوغاد

هذا كان موقف الشعب العربي الذي لم يتوقف عند الخلافات ولا هو أعطاها أية أفضلية لأن الذي سيسقط ليس الشخص ولا النظام بل العراق .

كانت الانظمة العربية محرجة أيام الحرب وخائفة لأنها تجهل ما هو مخطط للمنطقة من ترتيبات لذلك وبعد سقوط بغداد ذهبت تهرول باحثة عن طريق يؤمن لها القبول الأميركي وبعض الانظمة عرض التنازلات والأموال وكلهم أعلنوا ارتياحهم لرحيل صدام حسين وتنصلوا من أية علاقة كانت تربطهم به أو بنظامه وكلهم اعتقدوا أنهم ارتاحوا وارتاح العراق ...

 

 

 

 

 


 

العراق والمفاجأة بعد الاحتلال

 

عندما قام الخميني بثورته ضد نظام الشاه في إيران متحالفاً مع التجار كان الشاة رجل أميركا في المنطقة وصاحب أكبر جيش وأضخم مخابرات وكانت إيران في موقع متقدم للدفاع ضد السوفيات.

فجأة تخلى الأميركيون عن حليفهم وطلبوا إليه الرحيل واعتقد هو أن الأمر مجرد مناورة أميركية لاحتواء النقمة الشعبية وأن الأميركيين سوف يعيدونه كما فعلوا أيام مصدق !

كان تصور الأميركيين أن الحزب الشيوعي في إيران أصبح قوياً ومؤثراً ويشكّل خطراً على مصالح الغرب وأن النظام الشّاهنشاهي عجز عن التصفية المطلوبة وخافوا من سقوط إيران بيد الشيوعية .

وجد الأميركيون في الحركة الدينية مخرجاً واعتقدوا أن عداء رجال الدين للشيوعية سوف يحقق لهم تصفية الشيوعية في إيران معتقدين أيضاً أن الإسلام الديني سوف يوالي الغرب بحكم عدائه الأيديولوجي للشيوعية .

وهكذا تركوا اللعبة تأخذ مداها فنجحت في الشق الأول منها فقام ثوّار الخميني بتصفية جسدية للشيوعيين لم يتم حتى الآن كشف مداها ولا الوسائل الوحشية التي اتبعها حرّاس الله في إزهاق الأرواح معتقدين أنهم يحققون إرادة الخالق !

أما في الشق الثاني فلم ينجحوا لأن الثورة الإيرانية خرجت بشعار أولي هو ( لا شرقية ولا غربية ) ثمّ طورته إلى ( تصفية الشيوعية ومعاداة الشيطان الأميركي الأكبر ) .

لا للشيوعية ولا للأميركان ، والإسلام هو الحل وتخصيصاً الإسلام الشيعي..

وأعلن ثوار الخميني انطلاقاً من هذا الفهم لحركة الصراع في المنطقة أن ثورتهم هي ثورة الإسلام والمسلمين التي يجب أن تمتد إلى كل الدول الإسلامية .

صار مشروع تصدير الثورة بعد نجاحها هماً جديداً للغرب الذي له مصالح بترولية ضخمة في المنطقة .

العراق كان المستهدف الأول من عملية تصدير الثورة لأن الشّيعة نظروا دائماً إلى العراق والكعبات المقدّسة لهم فيه على أنه جزء أساسي وقاعدة للإسلام الشيعي في العالم .

تجمع عرب الخليج والسعودية وتضامنوا مع العراق وشكلوا حلفاً لمقاومة مشروع تصدير الثورة الإيرانية إلى بلادهم ونالوا دعماً غربياً وأميركياً واضحاً . فالعراق قدّم الجيش ، وأهل الجزيرة والخليج قدّموا المال ، والأميركيون والغرب كله قدموا السلاح والمعلومات والدعم السياسي الدولي . ودارت الحرب بمدة ثماني سنوات وانتهت بسقوط مشروع تصدير الثورة ولم يسقط النظام الإيراني .

بعد انتهاء الحرب بدأ ( العم سام ) مشروعه لاضعاف العراق لأنه تبين أنه بقوته وخبراته وأسلحته المتوفرة يستطيع أن يشكل خطراً على إسرائيل وعلى المصالح النفطية بعد أن ارتاح من الخطر الإيراني.

كان العراق بحاجة للمال لإعادة بناء البلد الذي خرّبت الحرب الطويلـة فيه الكثير من المؤسسات والمعامل والجسور والأقنية والكهرباء والماء ويرغب بزيادة أسعار النفط وبزيارة مساهمة دول الخليج والكويت في مجهود إعادة الإعمار .

لكن تبين للعراق أن الكويت نفسها انخرطت في مشروع إضعاف العراق وتصرفت بشكل اعتبره العراق غدراً وتطاولاً على الدور الإنقاذي الكبير الذي قام به العراق فتأزم الوضع ثم انتهى باحتلال العراق للكويت والذي كان بإمكان الأميركيين منعه ولكنهم تصرفوا على مبدأ ترك اللعبة تأخذ مداها للوصول إلى تفكيك وحدة المنطقة مع العراق والتي اشتدت بعد انتصار العراق ومن ثم إلى ضرب العراق نفسه كخارج على الشرعية الدولية .

قاد الأميركيون اللعبة حتى تم الاحتلال فخرجوا يصيحون على حق تقرير المصير وعلى احتلال دولة لأخرى ثم تداعوا إلى حلف عالمي لتأديب العراق وإخراجه بالقوة !

الديبلوماسية العربية والعالمية فشلت في تفادي الحرب على العراق لأن المخطط الأميركي هو إنزال ضربة بالقوة العراقية تعيدها إلى حجمها الطبيعي ووزنها قبل الحرب مع إيران أكثر من ضرورة الرحيل عن الكويت .

قام بوش الأب بقيادة التحالف وأنزل بالجيش العراقي خسائر فادحة ودمر المصانع والجسـور والمعسـكرات فاضطر العراق للانسحاب وتوقف الأميركيون عن الزحف معتقدين أن الذهاب بالحرب إلى بغداد لن يكون نزهة ولن يكون مقبولاً من أطراف التحالف العربية خاصة وتركت النظام يتعثر بالخسائر وبالحصار مؤملة بسقوطه من الداخل .

النظام الذي حوصر عسكرياً واقتصادياً لم يسقط رغم العداء الإيراني والسعودي والخليجي وغيره وأعاد في زمن قياسي الماء والكهرباء والجسور والمصافي للعمل ولكن قدرته على إزعاج الجوار خفت وقدرته على تطوير برامج أسلحة متطورة صارت بعيدة وعاد إلى حجمه الطبيعي في المنطقة وارتاح أهل الخليج وارتاحت إسرائيل .

قام أهل الخليج بمصالحة إيران التي حاربوها بالدم العراقي لمدة ثماني سنوات ولكنهم عجزوا عن مصالحة العراق العربي واستمروا في الاعتقاد أن سقوطه ضروري لهم ولعروشهم ومصالحهم وأمانهم .

كل الوسطاء العرب فشلوا في إعادة الحوار بين العراق وعرب أميركا لأنهم جميعاً لا يريدونه واقفاً ويفضلون تجريده من السلاح والخلاص من طموحاته القومية في المنطقة .

أما الأميركيون فاستثمروا استمرار النظام العراقي كأداة لابتزاز عرب الخليج والضغط عليهم وتهديدهم به ونجحوا كثيراً في هذا المجال .

في 11/9/2001 ضربت الحركات الإسلامية المتطرفة التي اتخذت أفغانستان مقراً لقاعدتها برجي التجارة في نيويورك وأنزلت بالأميركيين خسائر كبيرة في الأرواح وبروح الكرامة فبدأ عصر جديد أميركي للثأر .

ذهب الأميركيون إلى أفغانستان للثأر واحتلوا البلد وأسقطوا نظام طالبان ولكن لم يقتلوا لا ابن لادن ولا الملا عمر !

وظن الناس أن الثأر الأميركي المباشر قد انتهى وأن متابعة الإرهابيين فردياً هو الشكل المقبل للثأر ولكن إسرائيل (المستفيدة الوحيدة من أحداث 11/9/2001) دخلت على الخط وقدم أنصارها تصوراً يجعل من الضروري إسقاط النظام العراقي زاعمين أنه يملك أسلحة دمار شامل وأسلحة كيماوية وأنه نظام وحشي وديكتاتوري .

ومع أن العراق لا ينتمي بنظامه إلى أفكار جماعة القاعدة وهو أقرب دول المنطقة إلى العلمانية والاعتدال .

ومع أن كل الخبراء يعرفون أن العراق بعد ضرب المفاعل النووي من قبل إسرائيل لم يتابع مشروعه بعد أن فهم (أن السلاح النووي على زناد عربي من ممنوعات المنطقة) .

ومع أن قصة الديكتاتورية والوحشية ليست مفاجأة في المنطقة التي لا تحميها الملائكة ولا تصلح ذريعة في منطقة اعتادت على هذه الأنظمة .

مع كل هذا ذهب الأميركيون إلى الحرب ضد العراق إرضاء للصهاينة فقط .

الموقف العربي كان كارثياً فقد أطلقوا في مؤتمر القمة في بيروت شعار (التنديد بالعدوان على العراق) .

وقام بعض الحكام بإجراء حوارات بين العراق وأهل الخليج لإعطاء شعارهم (التنديد بالعدوان) بعض المصداقية ...

الحوار مع العراق كان شكلياً ولم يغلق ملف الماضي والتنديد بالعدوان على العراق كان بالنسبة للمعتدين بمثابة بطاقة مرور إلى المنطقة , لأن العرب قالوا لهم أن موقفهم هو موقف كلامي وسياسي هو (التنديد) في حين كانت الجماهير العربية تطالب الحكام العرب بشعار (التهديد بمقاومة العدوان) .

ولكن الحكام العرب كانوا في واد آخر وظنوا أن الخلاص من النظام العراقي أفضل لهم فتركوا اللعبة الأميركية الصهيونية تأخذ مداها .

لم يكتشف الحكام العرب الحقيقة إلا بعد سقوط بغداد حيث تحولوا اليوم إلى أدوات حاكمة ضعيفة يمكن للأميركيين أن يستبدلوها بالهاتف وهرولوا نحو إسرائيل التي صارت تعطي اليوم الحكام العرب شهادات حسن السلوك .

أما في العراق فقد تكررت مفاجأة إيران الخمينية وبدلاً من الترحيب بالمحتلين واستقبالهم بالأحضان والزهور نشأت مقاومة عنيفة .

صار الشعار الذي أطلقه المتعاونون مع أميركا (تصفية حزب البعث ومقاومة أميركا).

تماماً كتصفية الحزب الشيوعي في إيران وقصة الشيطان الأكبر ...

وكما لم تحصد أميركا خيراً من إسقاط نظام الشاه غير تصفية الحزب الشيوعي في حين تصاعد العداء للأميركيين كذلك في العراق يعملون على تصفية حزب البعث فحصدوا المزيد من العداء لهم وتبين أن حلفاءهم في العراق هم حلفاءهم على صدام حسين فقط وأن هامش المحبة للأميركيين مفقود حتى لدى الذين افترضوا أنهم معهم ومن طابورهم الخامس.

في العراق أيضاً يستمر البعثيون في المقاومة لحسابهم ولحساب التيار القومي العربي فليس العراق هو إيران ولا البعث هو الحزب الشيوعي .

التيار القومي العربي في العراق والذي يستهدفه العنصريون والطائفيون لا يمكن تصفيته بالسهولة التي يظنها الأميركيون وعملاؤهم ويمكن دائماً تصفية بعض الرموز الفاشية فيه ولكن التيار القومي العربي سيبقى عصياً على مخططات العزل والتصفية وعراق بدون هذا التيار غير ممكن ومستحيل ، ومن يحلم بعراق طائفي أو عنصري معزولاً عن بلاد الشام والعرب عليه أن ينتظر ألف عام وهذه هي المهمة المستحيلة .

إن احتلال العراق تمهيداً لتقسيمه إلى دول عنصرية وطائفية ولإضعاف المنطقة مشروع صهيوني وجزء من مخطط (طبيعة السلام) الذي درسه الصهاينة منذ عقدين من الزمن وانتهوا إلى استراتيجية تقول : لكي تعيش إسرائيل بأمان لا يكفي أن يوقع معها الحكام العرب معاهدات السلام ولا بد أن يحيطها عالم عربي منقسم طائفياً وعنصرياً ومقتتلاً مع بعضه على هذه الشعارات وهذا الوضع العربي الانقسامي الضعيف هو الذي يعطي إسرائيل الأمان .

والذين اليوم ينظرون بارتياح إلى مشروع تقسيم العراق إلى كانتونات طائفية وعنصرية تقوم بتصفية التيار القومي العربي فيه عليهم أن ينتظروا دورهم في التقسيم فعملية إعادة ترتيب المنطقة وفق طبيعة السلام الإسرائيلي لن تقف عند العراق وكما يقول المثل (إذا حلق جارك بل أنت).

ومن لم يتعظ بضرورة التهديد بمقاومة العدوان على العراق هل يتعظ من تقسيمه أم ينتظر دوره في مسلخ الأمم ؟


 

العراق والديمقراطية

 

أعلن الأميركيون أنهم سيعملون على إقامة نظام حكم ديمقراطي في العراق يكون نموذجاً يجب تطبيقه في دول المنطقة وأنهم سيجرون الانتخابات استناداً إلى دستور ديمقراطي ثم يسلمون السلطة للعراقيين .

هذا الغرام الأميركي بالديمقراطية في المنطقة العربية لماذا؟

كان الأميركيون والغرب وراء نشر الحكومات العسكرية التي أقامت ديكتاتوريات في كل البلاد العربية والتي أجهزت على بدايات الحياة الديمقراطية التي تم تطبيقها بعد الاستقلال .

فلماذا الآن تبدلت الصورة ؟

الحقيقة أن أحداث 11/9/2001 التي قادها متطرفون مجهولو مصادر التخطيط غيرت كثيراً من استراتيجية الغرب في المنطقة العربية والإسلامية .

حين غابت الحريات الديمقراطية وقامت الديكتاتوريات العسكرية بدأت بؤر التطرف الديني تظهر وتصعد بسرعة فحين لا يستطيع الناس أن يتنفسوا سياسياً يتنفسون دينياً وهذه القاعدة عالمية .

ولأن الولايات المتحدة تريد وقف صعود التطرف الإسلامي الذي خربها فإن المعاهد المتخصصة في الولايات المتحدة في موضوع الإرهاب وجدت أن القمع العسكري للمجموعات الإرهابية التي تعمل تحت اليافطة الدينية لا يكفي لوقف هذا الصعود ولا بد من آليات فكرية ومدنية لتحقيق استقرار ولتأمين بدائل في العمل السياسي لا تكون في خدمة التطرف ولا تقود إلى صراع الحضارات و لا تؤدي إلى عمليات انتقامية كالتي حدثت في11/9/2001 .

اكتشفوا أن عودة الديمقراطية أفضل وأقل خطراً عليهم من بقاء الديكتاتوريات التي تتوالد من خلالها بؤر التطرف الديني لذلك وضعوا في برامجهم ضرورة إعادة اللعبة السياسية إلى المنطقة .

إن الولايات المتحدة قوة عالمية ولا يمكن هزيمتها عسكرياً من قبل أي دولة , وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي استطاعت أن تحول حتى مجلس الأمن الدولي إلى مجلس أمن أميركي لشؤون العالم .

وبسبب النفوذ الصهيوني في الولايات المتحدة فإن التأثير اليهودي بدا واضحاً وشريكاً ومن هذا الباب استطاع الصهاينة أن يلغوا اتفاقية أوسلو وأن يرفضوا عودة لاجئي 1967 وأن يرفضوا الدولة الفلسطينية منتظرين نتيجة عملية ترتيب العرب والنفط والإسـلام التي اعتمدتها المعاهـدة الأميركيـة كثأر لأحداث 11/9/2001 .

إذن الديمقراطية التي تسوقها الولايات المتحدة في المنطقة و تدفع إليها هي نتيجة الاختيار الذي تم . فالديمقراطية الموزعة على أحزاب تستقطب سياسياً الأفراد أفضل لها من ديكتاتوريات يضطر فيها الناس إلى الالتجاء إلى الله فيصطادهم متطرفون .

و إذا كان صحيحاً أن أحداً لا يستطيع الانتصار على القطب الأوحد فإن وجود منظمات تزعجه هو احتمال وارد ويمكن أن يكبر مع الزمن ومهمة الأميركيين الحصول على استقرار لسيطرتهم على العالم بدون منغصات .

من ناحية أخرى فإن الشعار الديمقراطي يلقى قبولاً في كل المجتمعات العربية حيث النخب السياسية والناس يرون أنها أفضل لهم من مجتمعات القمع والاستبداد ولذلك فإن هذا التسويق سوف يجد له أنصار في الداخل يتصرفون لا على أساس أفضلية أميركا على حكامهم بل على أفضلية الحرية على الحكم الاستبدادي .

المعادلة إذن هي أن الديمقراطية وسيلة من وسائل وقف الصعود الديني المتطرف من قبل أميركا في حين أنها هدف شعبي داخلي ومطلوب لأنها أفضل من الديكتاتورية .

لذلك فإن قيام نموذج ديمقراطي في العراق تحل فيه السياسة وصناديق الاقتراع محل النزاعات الدينية والطائفية لن يلقى قبولاً من دول الجوار ولا يريحها إلا إذا كانت ستقبل بخطوات مماثلة وهو الأمر الصعب بالوسائل السياسية حتى الآن .

ولذلك أيضاً فإن استمرار الفوضى في العراق واستمرار المقاومة فيه وفشل الاحتلال في تأمين الاستقرار هو جزء من سياسة الدول في المنطقة ويصب في مصلحتها لجهتين .

الأولى أنها حين تغرق القوات الأميركية في المستنقع العراقي فإنها ستبقى فيه مدة أطول وأنها ستكون عاجزة عن فتح جبهات جديدة في دول المنطقة ويؤخر ذلك عملياً عملية إعادة ترتيبها وفق المخطط الأميركي ولو إلى حين .

 ومن ناحية أخرى فإن الدول في المنطقة حين تتصاعد الفوضى في العراق لا تكون مضطرة لقبول الضغوطات الأميركية عليها سواء من أجل تنازلات لصالح السلام الذي يحفظ أمن إسرائيل وتوسعها أو لتحقيق متنفسات سياسية فيها تسمح بتداول السلطة .

هذا الوضع لشعار الديمقراطية يصطدم إذن بعدم قبول الدول العربية له وفق المنظور الأميركي ويصطدم بالمقاومة العراقية للاحتلال والتي تأخذ مشروعيتها من حق العراقيين في تقرير مصيرهم و ترحيل المحتلين ...

لذلك فإن ولادة عراق ديمقراطي أمر لا يمكن تحقيقه بسرعة خاصة إذا كانت الولايات المتحدة تريده من خلال عراق موحد يلغي إمكانية التقسيم إلى دول طائفية وعنصرية .

وما لم يوجد قاسم مشترك في المنطقة يضع في اعتباره الحالة الدولية ويحقق إنجازات ديمقراطية بفعل ذاتي من الداخل بدون أن يكون ذلك نتيجة للضغط الخارجي فإن الاحتلال للعراق سيستمر وقد يدفع الأميركيين إلى مخطط آخر يحتاجون فيه المنطقة على الطريقة العراقية بدلاً من الترتيب التدريجي خطوة خطوة ...

و المهم أن ندرك أن الخيار الديمقراطي والخيار الوطني في التحرير كلاهما يجب أن يدورا معاً وجوداً و عدما و أن يكون ذلك نتيجة الاقتناع الداخلي لا نتيجة الضغط الخارجي ...

وكثيرون يرون أن استعادة الحياة السياسية الديمقراطية ستؤدي بالضرورة إلى التحرير ولا أسبقية لشعار التحرير على شعار الديمقراطية ...

و إن ما تم في المنطقة العربية أن العدوان الإسرائيلي يستلزم تعليق الحريات العامة من أجل تحقيق التحرير كان من الأخطاء لأن مدة التحرير قد تطول و امتدت حتى الآن لنصف قرن .

إن إشراك الناس في قضية الدفاع عن الوطن لا تكون في الشعارات بل في حشد الطاقات السياسية كلها في جبهة المقاومة وفق برنامج سياسي وتعددي يتنفس الناس من خلاله سياسياً لا دينياُ و لا بفعل الخارج الاستعماري الذي إذا كانت مصالحه مع الديكتاتوريات يؤيدها وحين لا تكون مصالحهم معها يكون في الجانب الآخر ...

الديمقراطية في المجتمعات العربية وفي العراق حلم والتحرير هدف استراتيجي وكلاهما حاجة داخلية يجب أن نأخذ رايتها من الخارج الاستعماري وأن نحملها نحن بصدق لا من أجل عيون أميركا بل من أجل الخلاص من الصهيونية ومن الاحتلال الأميركي .

 

 

 


 

العراق والملكية الدستورية

 

لأن العراق مكون من تعدديات عنصرية ودينية هي :

العرب السنة والعرب الشيعة والأكراد والآشوريون .

ولأن الخارج الاستعماري والحكم الاستبدادي كلاهما ساهم إلى حد ما في تفجير الصراعات بين هذه التعدديات وتدخلت دول الجوار داعمة لهذه التعددية أو تلك فإن الوحدة الوطنية بين شرائح المجتمع العراقي صارت مهددة فعلاً وصارت أفكار التقسيم تلقى قبولاً من البعض وتأييداً من الخارج.

الأكراد يريدون دولة لهم في الشمال وعدتهم أوروبا بها منذ سنوات ولكن الفيتو التركي القوي الذي يخاف من قيامها خوفاً على شرقي تركيا حيث الأكراد أكثرية ،كان يحول دون ذلك ويهدد بعمل عسكري لمنع قيام هذه الدولة ويرى الأتراك أن يبقى الأكراد ضمن العراق لا حبّـاً بالعراق بل خوفاً على تركيا .

الإيرانيون حاولوا كثيراً تشجيع الشيعة العرب في العراق على المطالبة بدولة لهم تكون في النتيجة تحت النفوذ الإيراني حيث الثقل السكاني للشيعة .

ولكن الشيعة في العراق لم يكونوا وما زالوا مختلفين حول الدور الإيراني والذين يرفضونه من الشيعة العرب أكثر بكثير من الذين يقبلونه وعملياً فإن الدعاة للنفوذ الإيراني كانوا من رجال الدين الذين أكثرهم من إيران أو من الإيرانيين المتجنسين .

وأثناء الحرب العراقية ضد إيران ساهم وبشجاعة شيعة العراق العرب في الدفاع عن العراق في إطار الجيش ولم يثبت وجود خيانات ذات أهمية في هذا المجال .

التيار الشيعي العربي كان أقرب إلى مفهوم التعايش مع العرب الآخرين في إطار وحدة العراق وكل المحاولات لاكتساب الأنصار لفكرة إقامة دولة منفصلة مدعومة من إيران فشلت لأن حقائق الحياة والمصالح أقوى من هذه الفكرة الشريرة .

 أما الآشوريون الذين أكثرهم في الموصل فهم بقايا من التاريخ القديم وكلهم على المسيحية ودورهم محدود ولا يطالبون بدولة وأكثر ما يرغبون فيه هو مجتمع عادل وتعايش حقيقي ومواطنية تتسم بالثقة .

وعملياً فإن الأعداد الكبيرة منهم هاجرت إلى السويد والولايات المتحدة ولكن ظلوا على محبتهم للعراق وانتمائهم إليه .

في ديترويت في الولايات المتحدة شاهدت على التلفزيون محطة عربية تبث وفهمت أن الذي أقامها هو خوري آشوري عراقي وكانت المحطة الوحيدة التي تهاجم سياسة أميركا في العراق ، وفي روما شاهدت عائلة كبيرة عراقية آشورية تعدادها 30 شخصاً فسألت رب العائلة عن وجهة سيره (عام 1996) فقال إلى العراق وفهمت أنه قد أخذ معه إلى العراق أدوية في الحقائب الستين التي يُسمح فيها وعبر الأردن ليسلمها إلى الحكومة العراقية ثم يعود إلى الولايات المتحدة مع عائلته .

معنى ذلك أن العراق بمكوناته العنصرية والدينية سيبقى عصياً على التقسيم وضده .

أما السنة في العراق والذين ينتمون إلى العشائر العربية منذ فجر التاريخ فهم مع وحدة العراق وكثيرون منهم هاجروا من العراق خلال حكم صدّام وكثيرون قتلوا من قبله لمعارضتهم نظامه .

هذا الوضع بعد الاحتلال الأميركي للعراق كيف سيكون شكل الحكم مناسباً لتعددياته ؟

الآن في الساحة العراقية من يدعو إلى حل مسألة القيادة بحيث لا يشعر أحد من تعدديات العراق بالغبن أو القهر.

هؤلاء يدعون إلى ملكية دستورية يتم من خلالها تحييد المركز الأول وتخصيصه لملك دستوري في حين تتولى الأحزاب الصراع على المراكز الأخرى الأدنى وفق منتوجات الصناديق الانتخابية وفي إطار دستور يحفظ كرامة الجميع وحرية الجميع في العمل العام. ولأن جميع الجمهوريات العربية التي قامت بعد استقلال الدول العربية لم تنجح وتحولت إلى أنظمة استبدادية أو رئاسية مطلقة الصلاحية ثم في الزمن الأخير صارت أقرب إلى الملكيات ...

لذلك فإن شرائح قوية في المجتمع العراقي إذا استفتيت في شكل الحكم أثناء وضع الدستور قد تفاجئ العالم بعودة الملكية الدستورية..

 


 

الاحتلال واستثمار النفط

 

بعد أن تم الاحتلال بدا واضحاًً أن القوات التي دخلت بغداد سمحت للّصوص أن يسرقوا موجودات كل الوزارات والمؤسسات والجامعات والمتاحف في حين صرفوا اهتمامهم إلى حماية وزارة النفط .

لذلك فإن انتقال المقاومة إلى استراتيجية تقوم على المواجهة مع المحتلين وإلى تفجير خطوط النفط والغاز تمثل رداً أدخل النفط الصراع عليه واستثماره في صميم المعركة كجزء لا يتجزأ منها.

العراقيون في الشمال وبالرغم من وجود سلطة كردية موالية استطاعوا أن يوقفوا خطوط نقل النفط والغاز وكلما أصلحوا أنبوباً تفجر آخر .

وعملياً فإن الأمن العسكري لا يستطيع حماية هذه الخطوط لسهولة التفجير ولأن شخصاً واحداً يستطيع فعل ذلك ودائماً فان الأمن السياسي كان هو الذي يحقق الاستقرار لعملية تسويق النفط.

وإذا كان المحتلون قد استطاعوا تأمين خطوط نقل النفط في الجنوب فإن ذلك لن يستمر طويلاً حين تزداد المقاومة قوة وتمتد إلى كل العراق .

لذلك فإن الذين يعتقدون أن الاحتلال سيؤمن لهم السيطرة على نفط العراق يفتقدون إلى الوعي بحقيقة أن هذا النفط ينبع من العراق وبدون حماية أهله لعملية الاستثمار فإنه سيتعرض للتفجير الدائم .


 

العراق بين المقاومة وشرعية الاحتلال

 

بعد احتلال العراق أعلن الأميركيون أنهم سيسلمون السلطة إلى حكومة عراقية منتخبة وكمرحلة مؤقتة شكّلوا مجلساً انتقالياً للمساعدة في هذه المهمة.

هذا المجلس أخذ بعين الاعتبار مكونات المجتمع العراقي ومن تعدديات دينية وطائفية, سنية وشيعية ومسيحية .

كما أشرك في المجلس أفراداً من المعارضة العراقية ومن الأحزاب كالشيوعيين والتيار الإسلامي والحركة الدستورية الملكية وغيرها . هذا المجلس تم تشكيله بقرار من السلطة المحتلة ومع الاختلاف السياسي بين أعضائه فهناك قواسم مشتركة أخذت بعين الاعتبار لتحقيق هذا التجمع السياسي .

أولاً : وحدة الموقف من النظام السابق فكل الذين شاركوا في هذا المجلس كانوا وبشكل ما في المعارضة السياسية للنظام .

ثانياً : قبول الجميع بمبدأ تداول السلطة في العراق والاحتكام إلى  الانتخابات للوصول إلى سلطة شرعية يقبل بها الجميع .

ثالثاً : قبول الجميع بوحدة العراق في إطار إجراءات تكفل لجميع العراقيين المساواة أمام القانون والحق في توزيع الموازنة على الجميع بشكل عادل .

رابعاً: قبول الجميع بمبدأ التعاون مع سلطة الاحتلال في المرحلة الانتقالية .

 

هذا المجلس كان محل معارضة داخلية ومحل معارضة عربية .

المعارضة في الداخل العراقي جاءت من الشعب الذي رفض مبدأ قيام المحتل بتشكيل حكومة للعراق ومن شرائح وقوى كثيرة لم يتم إشراكها في المجلس ومن القوى المنسوبة للنظام السابق .

ففي الشمال الكردي لم يتم إشراك التيار الإسلامي النامي والمتطرف، وفي المناطق الشيعية أهملت مجموعة مقتدى الصدر لحساب النفوذ لحزب الدعوة ، وفي الوسط العربي تم حذف التيار القومي العربي بكافة مدارسه .

هذا الوضع أدى إلى تزايد في حجم المعارضة وحين قامت بعض المجموعات في المجلس الانتقالي بإعطاء تصريحات من أجل ( تصفية) حزب البعث فإن المعارضة للمجلس وللمحتل أخذت طريقها للعنف .

وللإنصاف فإن الأكثرية الصامتة هي مع أي حل يعيد الأمن والاستقرار ويوقف الفوضى والاغتيالات وأعمال الخطف ، ومع أي شكل من الحكم يعيد الماء والكهرباء ويزيل التلال من القمامة ويؤمن الغذاء والدواء وفرص العمل خاصةً بعد أن أدى تسريح الجيش بكامله إلى دخول مليون عاطل جديد عن العمل وكل واحد منهم مستعد للثأر من الذين خربوا بيته وكل واحد منهم فتح لنفسه دكان مقاومة فأربكوا الساحة حقيقة .

أما المعارضة العربية فقد كانت على نوعين الشعبية وكانت ترفض مبدأ تعاون أي عراقي مع المحتلين وتتهم أعضاء المجلس الانتقامي بالعمالة .

أما الأنظمة العربية فقد وقعت في الحرج أمام شعوبها وتوالت عليها الضغوط الخارجية للاعتراف بالمجلس الانتقالي في زمن صار فيه جميع الحكام العرب ضعفاء بمواجهة الهجمة الأميركية على المنطقة والتي تهددهم في أنظمتهم وفي جغرافية دولهم .

في الجامعة العربية حدث جدال كبير انتهى إلى حل وسط يقوم على ( الاعتراف بالمجلس الانتقالي بحكم الواقع ورفض شرعية الاحتلال ) .

ودعا العرب إلى الإسراع في إجراء الانتخابات لقيام سلطة شرعية منتخبة يستعيد فيها العراق كل حقوقه كدولة مستقلة .

وعلى أساس هذا الحل العربي الذي اتخذ باسم (الواقعية السياسية) تم استقبال أعضاء من المجلس في القاهرة ودمشق وغيرها وكما يبدو أن الفيتو على المجلس الانتقالي بدأ يتراخى إلى درجة أن بعض وزراء الخارجية العرب الذين اجتمعوا بدمشق في تشرين الأول 2003 وافقوا على دعوة وزير الخارجية العراقي في الحكم الانتقالي إلى الاجتماعات اللاحقة .

الاتصالات التي قام بها بعض أعضاء المجلس مع عدد من الدول العربية كانت محمولة على مبدأ (رفض الاحتلال ) والعمل سياسياً للوصول إلى سلطة شرعية يضطر معها المحتلون أن يرحلوا ، وطلبوا مساعدة الدول العربية لتحقيق هذا الانتقال نظراً لعدم وجود بديل آخر غير الفوضى والحرب الأهلية .

وباستقراء أفكار بعض أعضاء المجلس الانتقالي نجد أن مجموعة الجلبي وأمثاله التي كانت مرتبطة بالأساس بالمخابرات الأميركية وأرسلت مجموعات للتدريب وشاركت في الحرب على العراق هي الأقرب بالتمسك بالاحتلال إلى فترة طويلة ومن ثم استبدال الاحتلال بقواعد عسكرية أميركية حتى بعد انتخاب سلطة شرعية.

الحركة الدستورية برئاسة أحد أفراد العائلة المالكة تدعو إلى اعتماد الانتخابات والدستور وإنجاز ذلك بسرعة وعدم حذف أي فصل سياسي من العمل العام بما في ذلك حزب البعث إذا وافق على مبدأ تداول السلطة وتخلى عن مشروعه السابق وفق نظام حكم الحزب الواحد.

 جماعة حزب الدعوة يدعون إلى ترحيل المحتلين ولكن يتمسكون بشعار ( تصفية حزب البعث ).

الأكراد توزعوا إلى عدة فرق فمنهم التيار الديني وهو يقوم بالمقاومة المسلحة ، والتيار الطالباني متردد ويطالب بحكم اتحادي كونفدرالي يحتفظ فيه الأكراد بمناطق حكمهم الذاتي .

مسعود البرزاني وحده يرى أن التيار القومي بكافة شرائحه بما فيها البعث يجب أن تشارك في البناء الديمقراطي وهو أقرب إلى التمسك بالحقوق التي منحها للمناطق الكردية الحكم السابق ويعتبر الحرية ضماناً لتنفيذه ولوحدة العراق .

الشيعة توزعوا إلى عدة أطراف منهم المشاركون في الحكم الانتقالي وهم يدعون إلى تصفية التيار القومي العربي ويعتبرونه نكبة على العراق وهناك تيار آخر عربي يقاوم الاحتلال ويرفضه ويرفض التعاون مع الحكم الاحتلالي .

داخل التيار القومي يوجد فريقان أحدهما يوالي النظام السابق ويعتبره ممثلاً للشرعية وآخر يرى أن النظام السابق قد انتهى وأن المطلوب هو دور سياسي في المستقبل لا يفتح دفاتر حسابات ولا يستهدف الحذف و يضيق المسؤولية بأركان النظام لا بالحزب الذي تم اختزاله .

أما المستقلون كالربيعي والباججي وغيره فيدعون إلى طلب المساعدة من الأخوة العرب ويعتبرون وجود عراقيين في السلطة المؤقتة أفضل من انفراد الأميركيين بها ، ويرون أن أعمال المقاومة تؤخر عملية ترحيل الاحتلال وتؤسس لبقاء طويل للأميركيين في العراق ويرفضون أن تستهدف المقاومة مؤسسات الأمم المتحدة والصليب الأحمر والسفارات العربية ومؤسسات وخطوط النفط .

الشعب في العراق يعيش خوفاً حقيقياً ويفتقد الجميع الأمن الداخلي ،كما يفتقد الجميع الماء والكهرباء وفرص العمل وهذه الشريحة الأكبر والأهم .

الأميركيون في العراق ارتكبوا خطأً قاتلاً حين حلّوا كل الجيش العراقي الأمر الذي أدى إلى التحاق أعداد كبيرة منهم بالمقاومة دفاعاً عن لقمة العيش أكثر من موالاة النظام السابق فأمدوا المعارضة المسلحة بقوى خبيرة وأسلحة فأربكوا الساحة وأنزلوا بالأميركيين خسائر فادحة بالأرواح وسوف تتصاعد.

والأميركيون ارتكبوا خطأً ثانياً حين رفضوا إشراك العراقيين في شؤون الأمن رغم أن إشراكهم سيخفف من عبء الاحتلال ويخفف من قدرة المقاومة المسلحة أو يحجمها إلى حد معقول .

والأميركيون حين ينسبون كل الانهيار الأمني لقوى خارجية يقعون في الخطأ لأن هذه القوى قليلة جداً والحدود مغلقة على الجميع والحقيقة أن شعب العراق الذي رفض النظام الديكتاتوري يرفض الاحتلال ومن هذا الموقع النفسي لشعب العراق ينضم كثيرون إلى المقاومة المسلحة التي ليس لديها أي برنامج سياسي للمستقبل وعملياً فإن المقاومة موزعة على بؤر وأفراد لا يربطهم تنظيم يحدد مسؤوليته عن كل عملية ويكفي أن يشاهد العراق دبابة أميركية ويكون مالكاً لقنبلة لكي يلقي عليها السلاح , وعملياً المقاومة حتى الآن شعبية وتأخذ شكل الجو وتفتقد التنظيم ولكن تعبيرها عن رفض الاحتلال كبير جداً .

لذلك لا بد من إعادة النظر في الموقف العربي من العراق على أساس هذه الحقائق وإشراك كل القوى والتيارات في برنامج المستقبل لأن الديمقراطية إذا كانت ستحذف البعض فإنها ستقع في نفس الخطأ الذي وقع فيه نظام صدام حسين الذي ألغى وحذف مشاركة كل القوى السياسية ، فالديمقراطية لا تحذف أحداً ولكن تعطي لكل حزب استحقاقه في السلطة وفق إرادة الناخبين، وديمقراطية يحذف منها التيار العربي القومي بكافة أحزابه ليست ديمقراطية بل هي شكل جديد لاستبداد آخر ولن يحصد العراق من ذلك خيراً .

إن حذف الآخر .. وحذف التيار العربي بكل أحزابه هو مهمة مستحيلة لأنه لن يحقق استقراراً ولا ديمقراطية بل يدفع الأمور إلى الفوضى والتقسيم وإلى بقاء الاحتلال ويبقى أن الأميركيين إذا خرجوا من العراق تحت ضغط المقاومة فإن نفوذهم سينهار في كل دول الخليج وينهار معها حلمهم بالسيطرة على النفط لذلك سيتمسكون بالبقاء بالرغم من الضحايا ، لأن هدفهم الاستراتيجي أكبر من هذه الأعداد من القتلى لذلك فإن مقاومة نشطة وعملاً سياسياً عربياً ودولياً يمكن أن يؤمن للأميركيين طريقة للخروج تكون مناسبة ، خاصةً بعد أن تبين أن لا وجود لأسلحة دمار شاملة ولا غير شاملة وفي هذا المجال ربما يساعد دور متقدم للأمم المتحدة في صياغة أسلوب لخروج الأميركيين من المستنقع العراقي.

والسؤال الآن هل العراقيون وحدهم ومن الداخل قادرون على ترحيل المستعمرين؟

إن الذين خاضوا الحرب ضد الغزو وبعضهم تأمل بدحره أهملوا حقائق القوة وفقدان التوازن العسكري فخسروا الحرب في أيام ودخل الأميركيون بغداد بدون قتال عملياً .

الآن حقائق القوة ليست في الجانب الشعبي العراقي وليس من مهمة المقاومة ترحيل المستعمرين بالقوة لأن هذا يفتقد للتوازن , ولكن هذه المقاومة يجب أن تستمر لإزعاج المستعمرين ولكي لا يستثمروا الأمان والاستقرار ولكي تنمو في داخل مجتمعاتهم تيارات تدعو إلى حل غير عسكري في العراق .

العمل السياسي يجب أن يستمر باتجاه إرغام الأميركيين على تسليم المزيد من المصالح والمراكز للعراقيين ولمنعهم من تصفية التيار القومي .

وللإنصاف فإن الوضع الجديد ليس بدون إيجابيات فهو يدعو إلى وحدة العراق ويدعو إلى شـرعية جديدة تنبثق عن طريق الانتخابات التي تقوم على مبدأ تداول السلطة .

أما سلبياته فهي في حذف التيار القومي والعمل على تصفيته الأمر الذي يجعل مفهوم الديمقراطية غير صحيح ، وربما إذا أخذنا التجربة السوفياتية بعد سقوطها فإن الديمقراطية الروسية الجديدة لم تحذف الحزب الشيوعي لأنه بقي في الساحة حزباً سياسياً وتم تحجيمه بإرادة الناس في الانتخابات . هذا هو الشكل الحضاري الذي يجب أن تدافع كل الفصائل عن ضرورته لكي لا يكون الوضع تبادل أدوار الانتقال من عنف إلى عنف آخر .

مقاومة نشطة تزعج باستمرار ولا تخوض حرباً حاسمة ولا تحتاج لمن يعلن المسؤولية عن أعمالها لأنها منسوبة للشعب كله ..

وعمل سياسي مستمر يتقاطع مع المحيط العربي الدولي لتحقيق حل سياسي ينتهي بترحيل الأميركيين وحلفائهم .

وكلا الطريقين ضروري ولا معنى ولا ضرورة للاقتتال الداخلي الذي لن يصبّ إلا في صالح الذين يريدون تقسيم العراق وتدمير شعبه ومؤسساته وأول هؤلاء الصهيونية .

 

 

 

 

 

 

 


 

العراق بين الثابت الوطني والفوضى ...

 

حين يبدأ العدوان وتبدأ الحرب , تتوقف الفلسفة عن العمل وكل تحليل سياسي سيبقى تحت سقف الحرب ومحكوماً بنتائجها ماعدا الوجدان الشعبي فإنه سيبقى فوق السقف وفوق النتائج وفوق الحكام والحكومات . هذا الوجدان العربي الشعبي قال كلمته قبل بدء العدوان ويقولها بعد الاحتلال , ولم ينتظر أحداً ولا هو راهن على سياسة حكام القطريات العربية ولا هو انتظر مدداً منها للمقاومة وطرح شعار مقاومة العدوان لا التنديد به فقط .

الحدس الشعبي هو الّذي يدلّنا على الطريق فلا نتوه ولا تأخذنا بنادق الصيّادين وهو في الزمن الصعب يمثّل الصحوة والصفاء ويصعب على أي إعلام في العالم أن يشوه صورته .

الآن وقد احتلوا العراق يحاولون عبثاً أن يقنعوا الناس أن هذا الاحتلال أفضل من الحكم الاستبدادي الذي كان ...

إنها معادلة مغلوطة وغير مقبولة لأن الأفضلية لا تكون بين احتلال أجنبي وحكم داخلي وتكون صحيحة بين حكم استبدادي وبين حكم الحرية بلا جدال .

لا يمكن إقناع الناس بأن محتلاً جاء بقواته وأسلحته ليدّمر ويحتل هو أفضل من حاكم لم تتوفّر في حكمه كل شروط الحرية .

وحين يكون الآخرون من حكام المنطقة لا يراعون هذه الشروط , فمن العبث اعتبار فقدانها في العراق من الذرائع للاحتلال أو بقائه.

والذين ظنّوا قبل بدء العدوان أن شعب العراق سوف يستقبلهم بالورود والأرز والترحيب أخطأوا التقدير لأن المعادلة بالأساس مختلة وخارجة على الوجدان الشعبي الذي يفرق كثيراً بين قضية تطوير أي نظام استبدادي أو رحيله وبين تحقيق ذلك بقوّة الخارج الاستعماري .

الموقف الشعبي الآن في العراق سواء الذي يقاوم بالسلاح أو الذي يسعى لاسترداد السيادة بالسياسة والمناورة كلاهما مضطران لإعلان رفض الاحتلال ..

تختلف الوسائل لترحيل المحتلين ولكن الهدف الأساسي لا يمكن القفز عليه من الجميع .

من هذه الزاوية فإن الذين يسعون إلى استرداد السيادة بالسياسة لا يقلّون ضرورةً عن الذين يقودون المقاومة بالسلاح ...

ومن العبث تماماً أن يقال أن كل المعارضين للنظام السابق هم من العملاء .

إن نظرية إما أن تكون مع المقاومة أو تكون في الطابور الخامس نظرية تقع في الخطأ , فليست الأمور في العراق بمثل هذا الانقسام الحاد الذي يستوجب هذا الفرز القاسي .

الآن على أرض العراق توجد نخب سياسية وجماهير كانت في المعارضة سابقاً وتريد التفريق بين حالة الاحتلال وبين شرعية النظام السابق وتقف ضد الاحتلال وتسعى إلى ترحيله متجاوزةً المرحلة السابقة إلى شرعية جديدة تقوم على أسس من التعايش والحرية الجديدة .

الوجدان الشعبي يجب أن يقود الجميع إلى قاسم مشترك هو ترحيل المستعمرين بالمقاومة وبالسياسة وبكل جهد عربي ودولي ممكن .

يبقى أن قلةً من الخونة تريد اسـتمرار الاحتلال وتريد له البقاء والقواعد وتطمح إلى انتداب طويل , وهذه لا تشكل رقماً في الحياة العراقية وستهزم .

هناك واقع الاحتلال ويجب التعامل معه بمنتهى الذكاء الوطني لكي لا تكون الفوضى هي نتاج هذا الوضع ولكي لا تقود الأمور إلى حرب أهلية تقود إلى تقسيم العراق وهو الهدف المطلوب إسرائيلياً.

 الذين يطرحون الأمور على أساس طائفي أو عنصري بحيث يكون في رأيهم أن كل الشيعة في العراق مع الاحتلال وكل الأكراد في الشمال مع الاحتلال يخطئون التقدير , لأن الوطنية العراقية لدى الشيعة ولدى الأكراد أقوى بكثير من بعض الأبواق التي تدفع الأمور في هذا الاتجاه لتقسيم العراق .

ليس صحيحاً أن المثلث السنّي هو ضد الاحتلال فقط , ومن دراسة الوضع الشعبي فإن كل العراق بكل تعدداته ضد الاحتلال...

هناك من يتعامل مع الاحتلال كواقع محاولاً استرداد السيادة , وهناك من يقاوم الاحتلال بالسلاح لإرغامه على الرحيل .. وهناك عملاء على المكشوف !

وحين يكون الوضع هو كذلك فإن الاحتلال سيرحل لأن لا أنصار لبقائه في الساحة .

في فلسطين تقوم الصورة نفسها : هناك من يحاور ويتفاوض , وهناك من يقاوم وكلاهما يؤسسان لترحيل المحتلين .

المقاومة ورقة ضغط لتحقيق جلاء المستعمرين , وهذه الورقة محمية بالآخرين الذين لم يفرطوا بضرورة هذا الجلاء , وهذا أمر في السياسة مقبول ما دام أن المقاومة لا يقمعها الشعب بل الاحتلال, في حين يطالب الآخرون بالهدف نفسه , و هو الجلاء.

العرب أنفسهم ذهبوا في هذا الاتجاه ووافقوا على التعامل مع مجلس الحكم الانتقالي كواقع من دون أن يعترفوا بشرعية الاحتلال وطالبوا بجدول زمني لرحيله وبقوات تعمل تحت غطاء الأمم المتحدة وليس صحيحاً أن ذلك تم بضغط أميركي لأن نخباً سياسية عراقية ووطنية طالبت بذلك لاسترداد السيادة .

وحين تستقبل سورية مسعود البرزاني , وحين تقدم الكهرباء والغاز ضمن اتفاقيات لشعبنا في العراق , وحين تستقبل عشائر العراق فإن هذا يعكس الرغبة في التعامل مع الواقع من دون التخلي عن الثابت الأساسي , هو رفض الاحتلال .

أعرف قادة عراقيين لم يوافقوا قبل الحرب على تأييد العدوان رغم معارضتهم للنظام الذي قمعهم بقسوة , ووقفوا مع وطنهم متناسين خلافاتهم السياسية لأن الوطن هو النظام الوحيد الذي يتمتع بأفضلية الحب والحماية ...

الآن هؤلاء عادوا إلى العراق ومضطرون للتعامل مع المنظومات السياسية فيه كواقع من دون أن يعترفوا بشرعية الاحتلال , ويساعدون المقاومة المسلحة ويسعون في كل الأرض العربية للحصول على دعم حقيقي لإنقاذ العراق من الاحتلال ومنع تقسيمه وإحباط المحاولات لإثارة النزعات الطائفية و العنصرية فيه.

كل ما يفرزه الواقع من مجالس و هيئات موالية أفضل من منظومة الاحتلال التي يحكمها الأجنبي . إن هذه المجالس والهيئات ستسقط حين تقوم شرعية جديدة منبثقة عن إرادة الشعب .

كان هناك نوري السعيد وذهب . وكانت هناك معاهدة مع البريطانيين وسقطت . المهم أن يبقى العراق قائماً وموحداً وأن تكون تعددياته الدينية والعنصرية في خدمة وجوده لا عبئاً عليه , ولا وسيلة لاستمرار الاحتلال ...

في السياسة نحتاج للذكاء والقدرة على المناورة , وإغلاق الطرق ليس من أعمال السياسة بل من أعمال الفوضى , وعراق بدون حكومة وبدون أمن يعطي المحتلين ورقة رابحة لكي يقسموا ويقيموا القواعد ...مقاومة دائمة للمحتلين و خطوات داخلية واسعة للوحدة الوطنية على أساس ترحيل المستعمرين , قاعدة تملك المشروعية وتتسم بالوعي وما عداها فهو الطوفان .

 

 

 

 

 

 


 

العراق بين الأحمق الأمريكي .. والبدائل العربية

 

الذين يظنون أن الدول الكبرى بما تملكه من قوة وبصيرة وعلم لا تخطئ لأنها لا ترتجل قراراتها , لم يدرسوا كفاية التاريخ الذي احتوى على العكس تماماً .

العلاقات الأميركية - العربية ومنذ نصف قرن تفتقد إلى الثقة , وفي السياق العملي كانت الولايات المتحدة ضد الآمال العربية في الوحدة والتطور وفي تحرير الأرض المحتلة .

الزيارة الأخيرة للرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون إلى فلسطين كانت خطوة في الطريق الصحيح لإعادة الحرارة إلى هذه العلاقات.

وفعلاً استقبل الفلسطينيون - الذين عبأهم التاريخ بالعداء للأميركيين- الرئيس الأميركي بالأعلام الأميركية وبمشاعر الود ووضعوا آمالهم في العدل الأميركي المفترض .

وتقبل العرب هذا الاستقبال لأن الفلسطينيين كانوا دائماً مفتاح قلب الجماعة العربية . وما يؤذي الفلسطينيين يؤذي العرب وهذه القاعدة لم يطرأ عليها أي تغيير .

ارتفعت أسهم الديبلوماسية الأميركية أثناء هذه الزيارة وتراجع التطرف الفلسطيني والعربي ...ووضع الناس آمالهم بالعدالة الأميركية موضع الامتحان .

 فجأة بدّل , المخرج الأميركي أقنعته وارتدى لباس الحرب وذهب دون موافقة عالمية إلى معركة تدمير العراق .

وخلال أيام تحول الذين رفعوا الأعلام الأميركية في الاستقبال الرئاسي , داسوا هذه الأعلام في ثورة غضب عارم .

عبّر الأمريكان مرةً أخرى عن التزامهم بالعداء للعرب واقتنع العرب بأن احتلال المنطقة والسيطرة على ثرواتها هي السياسة الوحيدة الثابتة في العقل الأمريكي الذي تسيطر عليه الحركة الصهيونية .

كل متعلم في المنطقة العربية .. وكل من يرفع صوته , وكل من يحمل السلاح أو يصنعه هو وباء شامل نووي وكيماوي يجب إبادته .

ومع أن أميركا دمرت المصانع الحربية التي راقبتها وفتشتها والتي لم تفتشها فان أي انتشار كيماوي أو نووي لم يظهر في المنطقة , مما يقطع بأن الغاية ليست الأسلحة بل وجود أي قوة عربية .

والأدهى أن فرق التفتيش التي تعتبر وجود سلاح عربي شامل أو كيماوي خطراً على العالم لا ترى 200 رأس نووي في إسرائيل , لأنها باتجاه إسرائيل تصاب بالعمى السياسي .

الحماقة الأميركية في العراق دفعت كل العرب , وحتى الذين راهنوا على عدالتها لا إلى تأييد شعب العراق فقط بل إلى عداء أميركا . والنتيجة أن حرب الخليج الثانية قدمت خدمات لأعداء الأمة من حيث فرّقت الصف العربي وأدت إلى ازدياد النفوذ الصهيوني عند أمريكا وبدت أكثر رفضاً لقرارات مجلس الأمن الدولي 338 و 242 و 425 والحرب العراقية الأخيرة أعطت نتنياهو الحق في أن لا يعيد الانتشار وأن يضع على الرف كل الاتفاقات التي وقعتها إسرائيل برعاية أمريكا .

أما البدائل العربية لهذه الحالة نتمنى أن تتحقق وهذه البدائل هي مصالحة عربية شاملة تعيد الأمور إلى طبيعتها وتجعل الأمن المستعار غير ضروري في المنطقة وتجعل بقاء قوات الاحتلال بدون أي مبرر لكي تخرج وترفع سيطرتها على دول المنطقة وثرواتها ... وسوف تخرج .

 

 

 

 

 


 

العراق ومجانين العالم

 

الإنسان يتميز عن مخلوقات الأرض بأنه يملك عقلاً ولذلك قال الفلاسفة أنه حيوان عاقل .

حين يفقد الإنسان عقله يصبح في المخزون الشعبي مجنوناً , ولكن في المنطق الفلسفي يعود إلى المرحلة الحيوانية التي تطور منها فيصير حيواناً لا تتحكم بتصرفاته حركة العقل ويعيش على الغريزة .

ولأنه يتصرف على أساس الغريزة لا على أساس العقل الذي فقده فإنه يتناقض مع محيطه ويصير مرفوضاً ويسمى مجنوناً .
المجتمع في البدايات تعامل مع البشر المجانين كما يتعامل مع أي عنصر غريب يهدد التكوين الإنساني للبيئة بطريقة الحذف المادي أي بالقتل .

مع التطور صار المجتمع يتعامل مع المجانين كما يتعامل مع المجرمين الذين يهددون المجتمع فاستعمل معهم طريقة السجن وقيّدهم ومارس عليهم التعذيب .

ومع نشوء الأديان وسيادة المفاهيم الدينية عن الأرواح الشريرة والشياطين والأبالسة تعامل معهم على أساس أن هذه الأرواح الشريرة سكنتهم ولا بد لخروجها من الصلوات , وهكذا تولّى الكهنة أمورهم بطريقة أكثر إنسانية من القتل والأسر والتعذيب .

ومع التطور الإنساني الكبير تبدلت النظرة إلى المجانين من أعداء خطيرين إلى مرضى وتولى الطب أمورهم واضعاً المعارف الطبية في خدمتهم كمرضى في مستشفيات خاصة .

لعلى و عسى يعود إليهم العقل الذي توقف عن العمل لسبب مرضي أو جرثومي وليس بسبب الخلق .

وهكذا صار الجنون حالة مرضية ليس بالضرورة أن تستمر إذا عولجت بالأدوية وبعض الحالات تنجح و بعضها لا يؤدي العـلاج معها إلى أي نتيجة.

المشكلة مع الجنون أنه مرض متراوح في نسبته , أحياناً يكون بسيطاً وعصياً على الاكتشاف ومؤقتاً ويظهر فجأة ثم يتلاشى فصار في المجتمع مجانين يفتقدون توازنهم , ومجانين لا يمكن اكتشاف جنونهم إلا في لحظات عابرة .

مثل هؤلاء يعيشون حياة طبيعية و لكن في تصرفاتهم خلل بسيط قابل للتكاثر ولا يمكن اتخاذ أي موقف طبي ضده لأنهم خارج حدود اللحظة المرضية يبدون أصحاء!

هؤلاء إذا دخلوا الحياة العامة أو تولوا مناصب أو مراكز يشكلون أخطاراً كبيرة على المجتمع والإنسانية , لأنهم في تلك اللحظة المعينة يتصرفون خارج حدود العقل حين يعاودهم الجنون المتراوح فيشكلون خطراً عاماً .

في العالم اليوم مجانين من هذا النوع و في العالم القديم يذكر التاريخ حضوراً لهم ...

نيرون كان من هذا النوع وقد أحرق روما في لحظة جنون وهو يضحك ..

قراقاش في الشرق القديم كان مجنوناً آخر تولى التراث سرد أحكامه الجائرة والخارجة على حدود العقل والمنطق وبعضها ذو طرافة ..

الآن وفي العصر الحديث بن لادن هو الآخر مجنون مهووس بالدين ومن مذهب متزمت يريد إلغاء العالم الآخر ولا يرى في تعدد الأديان إلا حالة من حالات الكفر ويريد حياة شبيهة بالتي كانت في القرن السادس الميلادي ليطبقها في القرن الواحد والعشرين !.

هذا النوع المرضي يبرر لديه القتل و تحطيم كل آخر ويصعب الحوار معه من منطلق عقلي لأن فكره محدود بفكرة ثابتة عن العالم المثالي لا يستطيع معها تبديله , وفي أحيان كثيرة يتخيل أنه رسول لإنقاذ الدين و يرى في تصرفاته وحياً من الله لتنفيذ إرادة الخالق في محو الكفار !

الرئيس بوش , و الذي صار بقرار محكمة رئيساً لحكومة كل العالم هو الآخر من هؤلاء المرضى , مهووس بالفكر الديني ومشبع بأصولية مسيحية بروتستانتية أنتجها المطبخ الصهيوني أعطته حماساً دينياً ضد الآخر .

هذا البوش ارتبط فكره الديني بعودة اليهود إلى القدس وإعادة بناء الهيكل كشرط لعودة المسيح إلى الأرض .

من أجل ذلك الحماس الديني صار يبرر قتل الفلسطينيين وصار يعمل على إحراق العراق وتدمير العرب والإسلام للوصول إلى سيادة يهودية على المنطقة تسرع بمجيء المسيح المنتظر ؟

هذا البوش مريض متراوح يصعب عليه اتخاذ قرار عقلاني ويسيطر عليه التردد وينتظر الإلهام الإلهي ويفتقد في تصرفاته التوازن العاقل لرجل دولة تتحكم بمصير العالم .

وكما يقول إدوارد سعيد عنه أنه يعتقد أنه (على اتصال مباشر بالله أو على الأقل بالعناية الإلهية) .

إذا كان الوضع هو كذلك فإن الحرب على العراق تشكل خروجاً واضحاً على مبادئ العقل والمنطق والمصالح لأنها ترتكز على مرض جنوني في مركز القرار العالمي, هذه هي الكارثة .

إن الهجوم على العراق بـ 300- 500 صاروخ كروز يومياً لإنجاز ما يسمى بالصدمة الأولى التي تعادل مفعول الهجوم النووي على هيروشيما يمثل جريمة إنسانية لا يبررها أي إله يتشدق به دعاة الحرب و أركانها من تشيني إلى بول ورامسفيلد وآري فلايشر مع المرشدين الروحيين لبوش المريض أمثال روبرتسن وفرانكلين غراهام وكارل روف الذين يبررون له الوحشية والذين يخدمون اليهودية الصهيونية في توجهها للسيطرة على العالم بواسطة مجانين العصر .

كل صيحات البشر على الكرة الأرضية وكل التظاهرات الصاخبة التي امتدت مجردة عن القوميات والأديان ضد الحرب لم تلامس عقل هذا المجنون الذي يدمر مركز أميركا في العالم ومصالحها فيه .

إنها مسيرة الجنون الذي يزيد من كره العالم للولايات المتحدة ولا يحقق لها أي موقع أخلاقي أو إنساني فيه .

هذا الجنون أعاد إلى العالم الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والعالم وخلق حلفاً غير منظور بين أوروبا والصين وروسيا والعالمين العربي والإسلامي ضد الهيمنة الأميركية على العالم .

إن عملية إعادة ترتيب العالم لخدمة أفكار مشبعة بالفكر الديني الظلامي وموجهة من الصهيونية العالمية ولخدمتها يمثل حالة من حالات الجنون في التاريخ شبيهة بما فعله نيرون بروما ثم انتهى معها .

إن الحرب على العراق من أجل إسقاط نظام والسيطرة على الثروات وتدمير أي احتمال لخروج العرب من نفق التخلف مرشحة للتطور باتجاه الساحة العربية ..

من تحت الطاولة ستخرج مخططات السيطرة النهائية في عملية إخضاع العرب والإسلام والنفط لمقتضيات مشروع إعادة ترتيب العالم .

كل القوى المعادية لإسرائيل في المنطقة من إيران إلى سوريا إلى حزب الله في لبنان ستصبح هدفاً وكل الدول الداعمة وكل صوت حر في العالم من فرنسا إلى الصين إلى روسيا إلى أوروبا ستصبح أهدافاً للعداء الأميركي الصهيوني الموحد .

كل هذه الحرب من أجل جنون ديني يتستّر بالدفاع عن الحرية والديمقراطية وهو يمارس القتل والغزو والإبادة لتحقيق إرادة الخالق ... كيف..؟

هذه السياسة ستبعثر كل المؤسسات الدولية التي أجمعت البشرية على ضرورتها لحل المنازعات الكبيرة بالوسائل السياسية وتفرض على البشرية حكماً عالمياً يلغي حقوق الشعوب والقوميات ويحول الجميع إلى أدوات في خدمة النهب العالمي للثروات ..

إن هذه السياسة ستؤدي إلى تصاعد الكره العالمي لأميركا التي بدأت خطواتها الأولى خارج قارتها مشبعة بروح الدفاع عن حريات الشعوب فاتحدت مع أوروبا ضد هتلر ووقفت ضد الشيوعية التي ألغت الحريات ثم هاهي اليوم تمارس العدوان على حريات الشعوب في أبشع عرض مسلح في التاريخ البشري ..

إن الذين يحلمون باستقرار المنطقة بعد هذه الحرب ويضخون إليها الوعود بدولة فلسطينية محتواها إدارة بلدية لشؤون السكان العرب تحت سيادة شعب آخر ويدعون إلى ديمقراطية تحترم الحريات وحقوق الإنسان سيصابون بالهلع حين يكتشفون أن كل هذه الوعود مجرد شعارات للاستهلاك ولن تجد أي فرصة للحياة.

والذين يظنون أن هذه الحرب ستؤدي إلى السيطرة المطلقة لأميركا على نفط العالم تجعلهم قادرين على إرهاب كل الدول واقتصاديات العالم به وإخضاعها، سيصابون بالهلع حين لا يصبح هذا النفط بمنأى عن المقاومة تدميراً ونسفاً.

انتقال المنطقة العربية بعد هذه الحرب من المقاومة المسلحة للغزو إلى آبار النفط مسألة لا يختلف أحد على قدومها لأنها الوسيلة الوحيدة لإعادة الرشد إلى المجانين الذين يظنون أن إرادة الخالق انتدبتهم لحكم العالم ...

إنها حرب النفط ومن أجله وحرب الصهيونية التي تستغل المهووسين والمجانين لتحقيق مشروعها التوسعي للسيطرة على شرقي المتوسط ..

مع هذه الحرب ومع الخسائر في الأرواح ستكتشف أميركا أن سيطرة الصهيونية على مراكز الحكم فيها لم يكن خيراً لها ولا إلى دورها الذي بدأت به حياتها ليحل محله الدور الكريه لكل الإمبراطوريات في العالم القديم ...

نحن على هذه الأرض باقون ومهما تعاظمت قوى البغي فإنها أعجز من أن تشطبنا بقوة العدوان الذي استثمر خلافاتنا ليجهز علينا وينهب ثرواتنا .

ما أتصوره أن هذه الحرب ستقود العرب إلى الوحدة بقوة الشعوب على عكس ما يتوقع الغزاة والصهاينة لأن الحريق لن يترك أحداً في هذا الشرق بمنأى عنه ..

والمهم دائماً أن لا تشعر النخب السياسية باليأس ولا أن تسمح بامتداده إلى الشعوب التي إذا أخذت حقها في الحرية ستمد المعركة المفتوحة بقوى لا توقفها القنابل النووية ولا مشاريع إعادة ترتيب العالم ...

المجانين قد يتحكمون بمصير العالم فترة من الزمن ولكن الحياة الإنسانية قادرة على إلقائهم في سلة المهملات ...

لقد أحرق نيرون روما ... ولكن روما عادت وذهب نيرون إلى مزبلة التاريخ. 

 

 

 

 


 

الـعـراق .. إلى أين ..؟

 

العراق إلى أين ؟ سؤال يتداوله العراقيون والعرب وحتى العالم .

سقط النظام الذي يقوم على مركزية شديدة القسوة وعلى أولية الأمن والاستقرار للحاكمين على حقوق الناس .

جاء المحتلون وتربعوا على حقول النفط العراقي وعلى وزارة النفط العراقية وتركوا للناس أن ينتقموا من كل رموز السلطة في البلاد نهباً وحرقاً .

وحين تعالت الصيحات بضرورة قيام حكم عراقي جديد يحل محل النظام الذي تهاوى , تبين أن الخلافات الداخلية , العنصري والطائفي منها أكبر من أن يجمعها قاسم مشترك واحد .

الصراع على حصص الطوائف والعناصر في الحكم صار علامة بارزة في المسرح العراقي ووصلت الأمور إلى نقاط استعصاء سياسي , وهذا الاستعصاء سمح للمحتلين أن يقولوا أن بقاءهم لمدة طويلة كحكام عسكريين على العراق هو ضرورة لا تنبعث من الرغبة بل من حكم الواقع . وهكذا ستصبح الخلافات العراقية الداخلية ذريعة يستغلها المحتلون للبقاء والسيطرة على مقدرات العراق وثرواته ...

الآن كيف يمكن الخروج من هذه الحالة لسحب هذه الذريعة أمام المجتمع الدولي الذي يبحث هو الآخر عن استقرار سياسي في العراق لا يلغي استقلاله ووحدة أراضيه ؟

أحد القياديين العراقيين قدم حلاً يقوم على فصل الدين عن الدولة, أي إقامة حكم علماني حيث رجال الدين مكانهم المعابد ورجال السياسة مكانهم الأحزاب . مثل هذا الحل ينطلق من تحويل المواطن العراقي من تابع طائفي أو عنصري إلى تابع وطني يتساوى من خلاله الجميع في الحقوق والواجبات وتكون جميع المناصب سياسية الطابع , فينعدم الصراع عليها على أسس عنصرية أو طائفية وتحل الكفاءة والنشاط السياسي محل الأحقاد والخلافات...

الولاء الوطني في الدولة العلمانية يتقدم على كل الولاءات من دون أن يلغي حقها في الوجود أو حريتها في مجالها الإنساني .. يصبح الوطن هو القاسم المشترك الأعظم الذي يتوافق الجميع على الولاء له والدفاع عنه والحق في ثرواته . والمدهش أن القيادي الذي طرح هذا الحل لا ينتمي إلى اليسار العربي , بل هو رجل دين شيعي متنور يريد حلاً لا يشعر فيه أحد بالغربة أو القهر ويحقق مساواة عادلة .

قياديون عراقيون كانوا معارضين وفي نقاش جاد معهم قبل سقوط النظام كانوا أقرب إلى حل ملكي يقوم على قيادة نظام يتوافق فيه الجميع على ملكية دستورية يتم من خلالها تحييد المركز الأول عن الصراع بين الطوائف والعناصر بحيث يصبح هذا المركز حَكَماً بين هذه التعدديات لا حاكماً عليها لصالح أي طرف , فيحقق توازناً سياسياً ويسمح للصراع أن يستمر على المناصب والمراكز الأدنى من دون أن يعرّض وحدة البلد للانقسام أو لضرورته أو لضرورة أو إمكانية استغلاله خارجياً .

 في هذه الصيغة الملكية يصبح الولاء للملك هو القاسم المشترك الأعظم وعبره يكون الولاء للوطن لا يشعر فيه أحد أن حقه مهضوم أو أن تسلطاً عليه موجود ..

قياديون معارضون عادوا إلى العراق وعقدوا مجلساً تحت الوصاية الأميركية دعوا إلى ديمقراطية جديدة استهلّوها بتصفية حزب البعث واعتباره حزباً غير مشروع فأعادوا اللعبة التسلطية إلى مربع آخر فلم تعد الديمقراطية للجميع بل احتكاراً لجهة , ففقدت الديمقراطية الأميركية الجديدة الكثير من معنى شعاراتها .

الديمقراطية الحديثة لا تقوم على إلغاء الآخر , بل على استيعاب الجميع في العملية السياسية التي لا تقوم على احتكار للسلطة بل على إمكانية تبادل السلطة بالاستناد إلى الاقتراع والنشاط السياسي .

في الديمقراطية يكون العمل بالوسائل السياسية هو الأداة ويكون تبادل السلطة محكوماً بالانتخابات الحرة , وحين نلغي الآخر لا نكون في الديمقراطية أبداً ولا نغادر مجتمع القهر والتسلط بل نبدل الممثلين على مسرحه فقط .

إن العراق الديمقراطي المطلوب هو الذي يكون من أهدافه المحافظة على وحدة العراق وعلى أهمية وضرورة كافة التعدديات فيه وعلى حرية الجميع بالاعتزاز بقيمهم وعناصرهم ؟ على أن يكون ولاؤهم للوطن أولاً .

الإيمان مسألة شخصية تتمتع ويجب أن تتمتع بالحرية والاحترام . وما يعيب هذا الإيمان هو التعصب الذي يؤذي الوحدة الوطنية ويعطل قدرتها على حماية البلد وتحريره من الغزاة .

إذا اتجهنا نحو حرية الأديان والطوائف وإلى مقاومة التعصب نكون في المكان الوطني الصحيح لأن الإنسان يستطيع أن يكون مؤمناً دون أن يكون بحاجة للتعصب ضد الآخرين تحت أي يافطة دينية أو قومية..

الإيمان حق ، و التعصب مرض , وعلى هذه القاعدة يمكن بناء حياة سياسية لا يشعر فيها أحد بالاختناق وتصبح التعدديات المختلفة عبارة عن تنوع أفرزه التاريخ ولكنه لا يعطل وحدة البلد ولا يسمح للخارج الاستعماري أن يستثمره للبقاء في الأرض ولا في استمرار عملية النهب لثرواته ..

إذا اتفق العراقيون على المبادئ العامة للتعايش يصبح الشكل الدستوري لهذا الاتفاق ممكناً وبسيطاً لأن إرادة العيش المشترك تجب كل ما هو مناقض لها ما دامت تعبر عن وجود لا يحق لأحد اقتلاعه لا بالتسلط و لا بالعنف .

الديمقراطية المطلوبة للعراق من هذا المنظور لا تكون صحيحة إلا إذا أدت أو اعتمدت على فصل السياسة عن الدين وفصل القوميات عن التعصب الأعمى وعلى إقرار بحق كل التعدديات السياسية في الوجود.

إنها بداية سيئة للديمقراطية العراقية حين تقوم على إلغاء الآخر كفكر ووجود سياسي لمجرد أن نظاماً فردياً استولى على حزب لم يولد مع هذا النظام واستمراره ليس مرتبطاً بظرف طارئ فرضه هذا النظام الذي ألغى عملياً دور الأحزاب لصالح فكرة القائد الذي يملك وحده سلطة القرار ..

على هذا الأساس فإن حزب البعث في العراق لم يكن الحاكم الفعلي ولا هو صاحب القرار الذي استولى عليه الحاكم الفرد وتستر به مستعيناً بالقوة لإعطاء المشروعية لنظامه ..

لا بد للديمقراطية العراقية أن تعترف بهذا الواقع وأن تتعامل مع الوجود السياسي للقوميين العرب في إطار المأزق التاريخي الذي وضعهم فيه النظام الشمولي لا أن تتجه إلى حرب جديدة داخلية ضد هذا الوجود القومي السياسي , بل تسعى إلى استيعابه مع الجميع في إطار ديمقراطية واسعة يكون الحكم فيها لإرادة الناس الذين لهم وحدهم الحق في تحديد مسؤولية الخطأ في هذا الحزب أو الجماعة لا أن يفرض هذا التحديد بقرار رسمي يؤسس لدولة قهر أخرى لا نحصد بوجودها ديمقراطية ولا حرية , بل تنقل الإرهاب السياسي من مربع إلى مربع آخر , وفي النتيجة ستدفع الوحدة الوطنية الثمن ولن يرتاح العراق ولن يتحرر ...

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



 

المؤلف في سطور :

 

        يعمل محامياً مختصاً بقضايا العمال منذ عام 1961

        انتخب عضواً في مجلس نقابة المحامين بدمشق عام 1969

        أسس المعهد النقابي بدمشق عام 1959

        ترأس تحرير جريدة كفاح العمال الاشتراكي عام 1959

        شارك في تحرير جريدة كفاح المغرب العربي عام 1955

        انتُخِب رئيساً لمؤتمر الطلبة المحررين عام 1952

        شارك في العمل السياسي واعتُقِل عدّة مرّات

        وحالياً هو الأمين العام المساعد لحركة الاشتراكيين العرب بالانتخاب.

 


 
الفهرس

        مقدمة .............................................2

        العراق في التاريخ ..................................8

        الصراعات داخل البعث العراقي ...................15

        أفكار النظام العراقي الصدامي .....................22

        الموقف من الوحدة العربية .........................23

        موقف النظام من الدين ............................25

        الموقف من الشيوعية ...............................27

        الموقف من السلاح النووي .........................29

        الموقف من القضية الفلسطينية ......................31

        الموقف من إيران ..................................34

        الموقف من الكويت ...............................37

        الموقف من القضية الكردية ........................39

        الموقف من الشريعة في العراق .....................42

        الموقف من الجيش ................................44

        الموقف من حقوق الانسان ........................46

        العراق والنفط ...................................49

        الأهداف الاستراتيجية للحرب على العراق .......54

        العراق زمن الحصار ..............................59

        العراق زمن الحرب ..............................63

        العراق والمفاجأة بعد الاحتلال ...................66

        العراق والديمقراطية .............................73

        العراق والملكية الدستورية .......................78

        الاحتلال واستثمار النفط .......................81

        العراق بين المقاومة وشرعية الاحتلال ............82

        العراق بين الثابت الوطني والفوضى .............90

        العراق بين الأحمق الأميركي والبدائل العربية......95

        العراق ومجانين العالم ............................98

        العراق إلى أين .................................105

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

كتب للمؤلف :

 

        شرح قانون العمل الموحد - كتاب حقوقي .

        قضايا التسريح في القانون السوري - كتاب حقوقي .

        نحو فكر تقدّمي للطبقة العاملة - كتاب عمال سياسي .

        الموسوعة العمالية القضائية - كتاب حقوقي .

        تفجير النفط - كتاب سياسي .

        السلام في عقل الشرق - كتاب سياسي عن القضية الفلسطينية.

        تاريخ الخوف - كتاب سياسي عن لبنان .

        ترتيب العالم .

        قضايا عربية .

        مواقف من الزمن الصعب .

        المضحك المبكي .

        أصوات الناس .

 

 


 

المحاضرات المطبوعة

 

        دور المسيحية المشرقية في الحضارة العربية .

        دمشق الروح والحلم .

        من النفاق الديني إلى النفاق السياسي .

        الشرق روح العالم .

        الاشتراكيون العرب : الفكر والتاريخ .

        فارس الخوري الظاهرة والدور .

        العروبة والإسلام وتحديات العصر .

        محطات في التاريخ المسيحي .

        صراع اللغات في الشرق .

        العرب والأممية الرأسمالية الجديدة .

        الدور المستقبلي للعقل .

        قراءة سياسية في فكر نتنياهو .

        محطات في الشعر السياسي .


 

 

 

Articles

Copyright 2012 Hachwa
Last modified: 03/19/13 
Hit Counter