المركز العربي للتحليل السياسي - رئيس المركز المحامي ادوار حشوة

The Arabic Center for Political Analysis - President Adwar Hachwa Attorney in Law

 Home   The Author   Books      Articles       Forum     News  Literary Articles   Syrian Pictures     Content     Contact us

     الاتصال       دليل الموقع          صورسورية         مقالات ادبية            اخبار      اعلن رأيك      مقالات            كتب        الكاتب   الصفحة الأولى

 

 

 

 

 

 

 

حــــــــــــــــوارات

فـي

عــــــالم الغــيب

ادوار حشوة

 2008

منشورات مطبعة جرمانوس ـ بيروت

إهــــــــــــــداء

 

إلى كل الذين لم يفسدوا في الأرض والذين لم يتعصبوا ولم يحقدوا ولم يأخذوا ما ليس لهم وفي قلوبهم استودعوا محبة العالم.

 

ادوار

دمشق حزيران 2008

 

 

 

 

 

المقدمـة

في الشرق ومنذ ما قبل الأديان السماوية كان سؤال ما بعد الموت هو الأكثر إلحاحاً على عقل الشرق وفكرة الخلود كانت هدفاً ولأجلها بحث الإنسان القديم عن الوسائل من النبات إلى لحوم الحيوانات القوية ثم إلى التعاويذ والأدعية للحصول على الخلود .

عالم ما وراء الموت كان غامضاً وتولى السحرة والمشعوذون تأليف قصص كثيرة عن هذا العالم إلى أن جاءت الأديان السماوية بتصور آخر يقوم على وجود حياة تالية فيها جنة ونار وفيها يوم حساب وخالق لا يرقى إلى عدله عدل ، ولا شفاعة تأتي إلا من عنده أو من عند أحبائه المخلصين من أنبياء ورسل طاهرين .

هذا العالم الغامض كان وراء تعدد أديان الشرق، من الوثنيات القديمة إلى الديانات السماوية ولولا الموت ربما لم تكن هناك حاجة واقعية لهذا الإزدحام الديني في الشرق .

بعضهم ومن باب الفخر صار يعتقد أن هذه الكثرة الروحية في الشرق جاءت لأننا شعب الله المختار، أو لأننا الأرض المقدسة على هذا الكوكب وبعضهم اعتقد أن كثرة الرسل والأنبياء والأديان في الشرق كانت لأننا الأكثر ضلالاً في العالم !

من هنا جاء حمورابي في بابل والذي اعتقد أن الله اختاره لكي يضع قانوناً ينصف المظلومين ويحقق العدل على الأرض وفي مصر ألهم الله أخناتون حيث كلّمه من فوق التلة ليقول ويدعو للوحدانية وفي سيناء قال موسى أن الله كلمه من فوق جبال سيناء أثناء عودته من مصر وأعطاه الوصايا العشر لكي يعلم بها شعبه المختار ، وفي الجزيرة العربية صرنا في الجاهلية أعظم شعوب الأرض فخراً فنحن أعز بني الدنيا وأعلى ذوي العلا وأكرم من فوق التراب ولا فخر ! .. ونحن أيضاً ( إذا بلغ الفطام لنا صبي تخرّ له الجبابرة ساجدينا ) .

وبعد الإسلام صرنا شعب الله المختار أيضاً فقد ( اختار الله من العالم العرب واختار من العرب قريش واختار من قريش هاشم واختارني من هاشم فأنا خيار من خيار من خيار ..) .

لم تتبدل الصور لمجيء الأنبياء كثيراً فموسى وضعته أمه في سلة ودفعتها إلى النهر لتخلصه من القتل ومحمد ولد يتيماً وعيسى ولد ولم تمس أمه العذراء يد رجل !..

أما ملحمة ما وراء الطبيعة فقد توافقت عليها أديان المنطقة حيث هناك جنة ونار وحساب لأهل الأرض في الآخرة فمن عمل صالحاً فإلى الجنة ومن عمل في الحياة الدنيا السوء فمصيره إلى جنهم ..

وهكذا صار سؤال ما بعد الموت هو أهم الأسئلة التي واجهت عقل الشرق كحقيقة مطلقة وعليها تم بناء أوامر إلهية وممنوعات دينية ونشأت مسألة الحلال والحرام التي تحدد مصير البشر .

لم يكن هناك قوانين ولا دساتير كما هو اليوم لذلك تولت الأديان وضع حدود للحرام والحلال لكي يتم ضبط وحشية الإنسان عبر تخويفه من المصير الإلهي أو عبر تشجيعه على الصلاح ليكون له استحقاق الجنة!

وهكذا صارت مسألة الجنة والنار ركناً أساسياًَ في أديان الشرق فمن لا يؤمن بوجودهما يكون كافراً .

أبو العلاء المعري كان فيلسوفاً وشاعراً وكفيفاً ومع ذلك أراد أن يستعمل أحلامه ليكشف ذلك العالم المجهول ، فأنشأ رسالة الغفران التي تمثل رحلة لابن القارح إليها وتولى عبر ذلك إعطاء أوصاف للجنة ومن فيها من الصالحين ، كما ذكر ما فيها من متع وأنس وطمأنينة وسلام ورزق حلال ولم تخلو رسالته من النقد والسخرية.

البعض اعتبر ما ذهب إليه أبو العلاء خروجاً على الغموض الواجب لعالم ما بعد الموت واستهجنه والبعض اعتبر ذلك نقداً للحالة الدينية ولكن أبا العلاء أراد فقط أن يجتاز المسافة بين العقل البشري وما وراء الطبيعة واستعمل خياله الخصب في الوصف فكان ذلك عملاً فنياً وشعرياً وفلسفياً لا يخلو من الشجاعة .

على هدي هذا الفيلسوف فكرت برحلة مماثلة لا إنكاراً لوجود الآخرة بل لكي أعرف الكثير عن ذلك العالم وعن الصالحين الذين استحقوا الجنة ..

عبر الحلم كانت هذه الرحلة الجديدة التي من مهامها الإنسانية أن نعرف لماذا هؤلاء استحقوا في يوم الحساب أن يكونوا هناك مكرمين ؟

وبالمقابلة بين واقعنا وسلوكنا وبين حساب يوم الموازين قد نحصل على تجديد لحياتنا الروحية لكي يخف الظلم ويزداد العدل ويعم السلام على الأرض ..

العقل البشري الذي استطاع أن يعرف ما وراء السماوات وأن يرتادها هو نفسه الذي يلح علينا أن نتابع البحث عن قيم العالم الآخر الذي يمثل القيمة المطلقة للعدل والحق والخير .. ولو في الحلم ..

لا أريد تجاوزاً للمفاهيم الدينية السائدة ولكن بالتأكيد أريد معرفة أفضل لكي نقترب من المثال العظيم الذي تولت أدياننا السماوية دفعنا للاقتداء به..

إنها رحلة في الخيال يختلط فيها الخيال بالتاريخ وبالعلم الذي يبحث عن ضوابط جديدة تزيدنا إيماناً بالله الخالق ولا تدعو إلى أي حالة كفر ..

إنها جولة فكر في عالم كان ولا يزال غامضاً واستكشاف هذا العالم سواء بالعلم الحديث أو الخيال هو أمر مشروع ، ما دام أن أحداً لم يأت من هناك ليدلنا على تلك الحياة وهو مادفع الشاعر الفيلسوف أبو نواس للقول ( ما جاء أحد يخبر مذ مات أنه في جنة كان أو في نار ) .

سؤال مابعد الموت .. والأسئلة عن غيبيات ما وراء الطبيعة هي أهم أسئلة حياتنا ، لذلك في هذه الر حلة لا نخترع جديداً بل نتابع المسيرة الروحية للمعرفة وهدفنا حياة فاضلة بلا شر ولا ظلم ولا يشقى فيها أصحاب العقول .. فإذا وفقنا فاللأجيال وإذا أخفقنا نطلب الغفران والرحمة .. والله غفور رحيم .                        15/5/2008

ـ 1 ـ

 

لا أعرف كيف وصلت إلى باب الجنة ، فلم أكن فاضلاً ولا تقياً ولا أكثرت الركوع والصلوات وقليلاً ما كنت أتعبد وحتى المحرمات الجسدية لم أكن معها في طهر دائم ...

سألت ملاكاً على باب الجنة ، كيف دفعت إلى بابها ولم يحاسبني أحد ؟ فقال لي : هنا لا يوجد حساب على الطريقة الأرضية ، يأتي الإنسان إلينا فتحضر معه كل مساوئه وحسناته وترتسم أمام الخالق الذي في يوم الموازين يستعمل غفرانه وتسامحه أو يستعمل عقابه دونما حاجة للأخذ والرد ..

قلت ولكنني لم أكن على طهر دائم وممنوعات دينية كثيرة تجاوزتها فكيف ولما حصلت على هذا الاستحقاق ؟

سألني كيف كنت تسلك بين الناس ؟ قلت كنت مع المظلومين حتى يرفع الظلم عنهم وضد الظالمين حتى يرتدعوا عن سفك الدماء ..

وقلت أحببت كل الناس لم أميز بين أبيض وأسود ولا بين إمرأة ورجل ولا بين عنصر وآخر من مخلوقات الله .

قال : هل كنت باراً بوالديك قلت نعم ماتا وهما إلى صلاحي يدعوان ..

قال : هل ساعدت يتيماً وفقيراً قلت نعم لأنني كنت أعتقد أن دموع الطفل اليتيم على خده تتدحرج حتى تسقط في يد الرحمن .. قال وهل أحببت ... قلت نعم وربما أكثرت فللبشر حاجات ولكن لم أغتصب .. كذلك لم أتعبد . قال الملاك ... يكفيك ذلك ، وماعدا ذلك من سيئات لا ترقى إلى محاسنك فادخل على بركة الله إلى جنته والله عن ذنوبك الأخرى غفور رحيم ...

وفكرت ، أنه من باب الحب والبر بالوالدين والعطف على اليتيم والحب ومساعدة المظلومين ومقاومة الظالمين ..

هناك باب مفتوح دائماً لكل الذين أعتقدوا في الحياة الدنيا أن الجنة لا يدخلها إلا أولئك الذين أكثروا السجود !

تجاوزت باب الجنة مسرعاً فإذا نظري الذي لا يمتد إلا إلى أمتار ، يتسع ليشمل مساحات واسعة من الأرض الخضراء التي ينبت فيها كل زرع طيب وكل ثمر يُشتهى ورأيت مياهاً جارية وينابيع كثيرة وماء عذباً وعرائش العنب وأشجار التين والزيتون ونحلاً كثيراً ينتج عسلاً ...ولا يلسع !

كان اهتمامي موجه إلى البشر الذين في الجنة وكنت أفكر كيف أسألهم  واحداً واحداً عما فعلوه من صلاح وأن أدخل في حوار معهم فلكل واحد منهم ذنوب مثلي ولكن لابد أن يكون في صلاحهم حسنة ولو واحدة تجاوزوا فيها النار وعن هذه الحسنة أبحث ..

البحث عن مفاهيم الصلاح في الآخرة ظلت فكرة مهمة ربما لأن هذه المفاهيم قد تختلف عما كنا نفكر به في الحياة الدنيا .

رأيت أطفالاً يدرجون وحكاماً ورجال دين وفلاسفة ومعلمين وعباقرة من الشعراء والمخترعين وسمعت موسيقى إلهية تنشر الفرح وصبايا يزغردن وجمالاً لم أشاهده في حياتي فتذكرت حوريات الجنة وشعرت بالسعادة تغمرني وتغسل أحزاني ..

ولكن حوريات أبي العلاء التي فخذ الواحدة منها تساوي جبل أحد غير موجودات فحتى بالجنة صارت المرأة نحيفة وتبدلت صور الجمال هناك أيضاً .

لم يعد هناك ألم ولا سمعت توجعاً ولا شاهدت مريضاً فالكل في جنة الرحمن ينعمون بالصحة والعافية .

وفوجئت حين رأيت الحيوانات التي تقتل بعضها في الأرض ، تعيش في وئام فلا مشاجرات ولا قتل وحتى النبات ينمو ولا من يزرعه أو يرعاه ويثمر كثيراً ما لذ وطاب ...

وتذكرت أنني في الأرض نظمت شعراً عن سفر التكوين وفكرت أنه ربما كان البطاقة التي خولتني دخول الجنة ...

وشعرت بالارتياح إنني اكتشفت صورة روح الله وأنا على الأرض فإذا هي في الموسيقى وجمال الطبيعة ومختلف أشكال الحياة والنماء وفي كل فن وشعر وفي كل وجه جميل .

وفكرت أن هذا الاكتشاف الأرضي المبكر كان أحد أسباب وجودي في الجنة فللعبقرية استحقاق إلهي ويمسح كل ذنب وكل سيئة ...

وشعرت أن الاقتراب من روح الله ليس مسألة لا تستحق الاهتمام في الأرض ما دامت قادرة على إدخالنا إلى الجنة ولو مع أرطال من الذنوب!

 

 

 

 

 

 

 

ـ 2 ـ

أول ما رأيت في الجنة كان جبريل الذي في الشرق تقول الاديان أنه الناطق بالانبياء وعن طريقه يكون الوحي وبعض الأديان تسميه الروح القدس ..

كان جبريل في حياتنا الدنيا مقدساً فناقل الوحي إلى الرسل والأنبياء والصالحين هو الذي أسس المدرسة الروحية للبشر ومن يتولاه جبريل برعايته وينزل عليه الوحي يكون الخالق قد اختاره ليكون هادياً ومبشراً ومعلماً ونبياً ولا ينطق عن الهوى .!

كان شيخاً مجللاً بالبياض يشع بنور سماوي أخاذ وعليه مهابة قدسية ...

قلت له يا سيدي أقدم لك الطاعة وأنحني إجلالاً واحتراماً ، وأسألك كيف أسلك في هذه الدنيا الجديدة لكي لا أطرد منها إلى عالم الأرض مجدداً ؟.

قال يا بني : هنا كل الطرق متواصلة ولا أحد يضل الطريق هنا لا يوجد شرطة سير ولا إشارات مرور ولا صفارات إنذار وهنا لا يوجد محرمات ولا ممنوعات فتلك هي وسائل الأرض لا السماء !

إذهب حيث شئت لا أحد يسألك إلى أين أنت ذاهب ولا تضل طريقاً ولا تجوع ولا تعطش ولا تتألم ولن تجد حاكماً مستبداً يقطع لسانك أو رأسك ...

وكثيراً ما تسمع الموسيقى والغناء العذب أو تجد شاعراً يغني أو نهراً يدفق وحتى أصوات البلابل لا تغادر الأشجار ولا تتوقف عن الصداح .

ولا تخاف أحداً ولا تهرب كما عندكم في الأرض !

قلت : ومتى نستطيع رؤية الخالق ...؟

قال جبريل : تراه في كل أشكال الجمال والموسيقى وفي الطبيعة الخضراء وتسمع صوته حيثما كنت وفي قلبك يزرع محبة لا تعرف موعداً للحصاد..

قلت : ولكنهم في الأرض يقولون أنك تنقل إلى البشر صوتهم وتوحي..؟

قال جبريل : كان ذلك من زمان ، اليوم أنا في الجنة مثلي مثلك نتساوى في الحضور فالوحي قد توقف..

قلت : كيف ولماذا ومنذ متى ..؟

قال جبريل : لا تستعجل فالخالق أوقف الوحي واستغنى عن خدماتي في إرسال إرادته إلى أنبيائه ..

كانت هناك حاجة دائمة للوحي والإرشاد حين كان الظلم يتفاقم والفساد ينتشر وكانت هناك حاجة للأنبياء .

أما الآن فقد تبدلت الصورة منذ أن أغلق الله باب النبوات مكتفياً بما سبق ..

قلت : وأنت ما تفعل إذن .. ؟؟

قال : الحقيقة ، لا عمل لي انا الآن بلا عمل عاطل عن العمل فقدت وظيفتي في الوحي لأنه لم يعد هناك أنبياء أبلغهم الوحي ..!

قلت : مع ذلك أنت في الدنيا الفانية ما تزال الناطق بالأنبياء ولا أحد سيصدق أنك لم تعد كذلك وأنك تتجول في الجنة باحثاً عن عمل جديد .!

قال : لا عليك ، أنا في الجنة ولا يوجد ضرورة للعمل إلا بإرادة الخالق، هنا لا يوجد طبقات ولا فقراء وأغنياء ولا إمرأة ورجل هنا لا يوجد تعصب ولا تفرقة ولا جوع ولا عطش ولا يوجد ملوك وحكام مستبدون .. فما حاجتنا للعمل ؟.

الكل هنا مثلي جاؤوا للراحة والسعادة ، لا أحد يعمل فالخير وفير والخلود دائم وكل ما تشتهي موجود ! واستطرد وهنا لا يوجد معابد ولا كهان ففي الجنة تنتفي ضرورتهم وحتى في جهنم يوجد كثيرون منهم لضلالهم !

قلت : ألا تشعر بالمرارة أنك لم تعد طقاً بالأنبياء ولا روحاً للقدس ؟

قال : لا .. لا أشعر ما دام أن الله اكتفى من النبوات بما أرسل فهل أنا فوق إرادته ؟ ولو شاء العودة إلى النبوات ودعاني فأنا رهن إرادته.

قلت : أنا من وقت قريب جداً جئت من الأرض . هناك فساد كثير وظلم وقهر وعدوان وأسلحة دمار تقتل الملايين ، ولم يعد الله موجوداً لا في أنظمة الحكم ولا حتى في قلوب الكثيرين الذين غرقوا في مستنقع الأستبداد .

ربما يا سيدي ، سيبدل الخالق رأيه في ختام النبوات ، ويرسل الأنبياء نفسهم أو يرسل موجة نبوية جديدة ، فالأمر صار فوق طاقة الاحتمال وحتى الكوكب الأرضي نفسه قد ينفجر.. أو يحترق أو يبقى بلا بشر على سطحه بفعل الأسلحة الذرية التني تعيد الحياة عليه إلى العصر الحجري !

قال جبريل : هل كل هذا يحدث وأين هم أتباع الأنبياء الذين إليهم أوحى الخالق بالطريق والسلوك الحسن ؟

قلت : كان ذلك من زمان ، تبدلت الصورة ، دخل الشيطان إلى قلوب الكثيرين وصار الكذب زينة الرجال وازدادت قوافل المنافقين وصار المال إلهاً آخر يعبد .

قال جبريل : بالنسبة لي هذا فأل حسن : فقد استعيد تعيد وظيفتي التي فقدت حين يرى الخالق أن الضرورة توجب فتح ما ختم من نبوات ..

قلت : نعم سيدي وبالتأكيد سوف يفعل لأنه لا يمكن أن يبقى صامتاً إزاء الشر ولن يترك الشيطان وحده يتجول على الأرض سيداً مطاعاً يصنع القوانين الشريرة والأسلحة الفتاكة وينتهك الطهر الإلهي .

قال جبريل : طبعاً لن يسكت ولن يقبل وفي المعركة مع الشيطان يحتاج دائماً إلى وسطاء جدد .. ويومئذ سيحتاجني لا محالة.! ومتى تعتقد أنه سيفعل لكي تعود أنت إلى الوحي ويعود الناس إلى الصلاح..؟

قال : أنا لا أشكو من عطالة ولا أتذمر وأملك مساحة كبيرة من صبر الانتظار ، هو وحدة القادر الذي يريد ، هو يحي ويميت ، يعطي ويحجب وأمره أمر وقوله فصل..

قلت : ولكن لو استعجلته يكون أفضل للمظلومين الذي لا يملكون صبراً مثلك ولا يحتملون ..

قال : هو يعرف كل شيء وموجود في كل مكان وحين يسألني أجيب عن هذا الواقع الذي به تحدثت .. وهو سيكافئك كجندي في معركة الله ضد الشر والعدوان والاستبداد والفقر والجوع ..

قلت : يا سيدي .. مثلهم سأنتظر ، أنت تعود إلى وظيفتك وأنا سأتابع طريقي في التضامن مع المظلومين فيكون هناك خير ونصر آخر في المعركة الروحية على الأرض ..

 

 

 

 

 

 

ـ 3 ـ

 

سألت ملاكاً يتفقد أحوال الجنة ، هل هنا يوجد موت آخر ؟

قال : الموت هنا غير موجود ، لا أحد يموت ، كلكم خالدون إلى الأبد وفي جنات الرحمن تسبحون !.

قلت : وهل يتكاثر الناس كما في الأرض يفعلون ، حتى ضاقت بهم الأرض ؟

قال : لا يوجد هنا تكاثر ولا زواج النساء والرجال هنا أخوة في رعاية الرب وما حاجتهم للعائلة والعشيرة والقبيلة والأمة إذا كان الأمان والطعام والماء السلسبيل موجود ؟

قلت : هل يختلف الناس هنا مع بعضهم ويقتتلون؟

قال : لا يوجد خلاف ولا قتل ولا حقد وثأر ولا أي سبب يدعو للخلاف كما في الأرض .

قلت : ياسيدي إذن مفهوم الخير والشر لم يعد موجوداً ؟

قال : نعم.. هنا الخير المطلق فالشر الذي تعرفونه في الأرض وينقسم الناس من أجله غير موجود الشيطان ليس له مكان هنا ...

قلت : ألا يمكن أن يشعر سكان الجنة الذين يعيشون حياة متشابهة بالملل ..؟

قال : دعك من هذه الأفكار التي جئت بها من الأرض ، فالملل غير موجود لأن في جنات الله من التنوع في الثمر والماء والعسل وفي جمال الطبيعة ما يجعل الروح تنتقل من جمال الطبيعة وتتجدد بحب من نوع جديد ليس فيه إثم الجنس ولا دافع السيطرة ... هنا الحياة الخالدة..

قلت : هل يعني ذلك أن مستحقي الجنة يتحولون إلى ما يشبه الملائكة..؟

قال : شيء من هذا صحيح مع الفارق أن الملاك يمكنه أن يرى الخالق ويكلمه وينقل بريده .

قلت : أوليس لأهل الجنة أن يروا الخالق ؟

قال : نعم يرونه باستمرار في الطبيعة الجميلة والموسيقى وأنهار العسل وعرائش الكرمة وفي كل صور الجمال ولا شيء غير ذلك ...

قلت : هل يعني ذلك أن مفهومنا في الأرض عن الله هو غير المفهوم السائد هنا ..؟

قال نعم .. أنتم تعتبرون أن الله خلقكم على شكله ومثاله لذلك تعتقدون أنه شخص مثلكم وتنسبون إليه الكمال والجمال البشري وهذا غير صحيح لأن الإنسان ليس على شكل الله ووجهه فالله يمثل الروح لا الجسد ويستوعب كل جمال ولا ينطق عن الهوى والإنسان في التشابه مع الخالق يقترب إليه ما اقترب من الصدق والكمال والجمال..

قلت : يا سيدي : ماذا لو رآنا الله ؟

قال: هو يراكم دائماً ويرعاكم كمخلوقات جيدة استحقت جنته ولا إلى غيرها تغادرون والطموح الأكثر ليس من عادات أهل الجنة فالجنة هي آخر مراحل الطموح .

قلت : الأنبياء والرسل الذين أرسلهم إلى الأرض ثم اصطفاهم وإليه رفعهم ، هل هم مثلنا يسكنون الجنة أما لهم مكان آخر ..؟

قال : لا يوجد في جنات الخلود تمييز ، كل الصتالحين يتساوون ونظام الطبقات في الأرض غير موجود والرسل والأنبياء يعيشون الخلود كما الآخرون ولكن يمكن أن يروا الخالق بصورة أفضل لان روح الله سكنتهم ..

قلت : هل يتساوى الذين عبدوا الله وصلوا له كثيراً مع الذين عملوا الصالحات فقط ..؟

قال : الله لا يهتم بالعبادات بل بالأعمال الصالحة ، والعبادات هي لتشجيع الناس على التقوى والعمل الصالح وألف صلاة وصوم وحج وركوع لا تساوي شيئاً إذا عمل الإنسان شراً.

المساواة في عالم الرحمن هي في الخير والمحبة والعمل الصالح أما الصلوات والعبادات فهي من التفاصيل .. تساعد على التقوى ولكنها ليست الوحيدة للحصول على الجنة .. يجب أن يصلي الناس ليصبحوا أتقياء فيعملون الصالحات التي هي الهدف والصلاة مجرد وسيلة من الوسائل الكثيرة إلى الصلاح..

في هذه الجنة .. صالحون لم يصلوا ولم يركعوا ولكن لأنهم لم يأثموا ولم يعتدوا وعملوا بمحبة اختارهم الله ..

قلت : في الأرض ، الكهنة يدّعون أن الطريق الله يمر بالمعابد وبهم فهل هذا صحيح ؟

قال : إذا كان الأمر لكي يصبحوا أكثر صلاحاً قهذا صحيح ، ولكن المعابد بلا صلاح وعمل جيد لا تساوي شيئاً في يوم الموازين ..

قلت : يا سيدي .. هل المرأة هنا .. شر كما هي في الأرض ..

قال : لا المرأة ليست رمزاً للشر لأن بها بدأت الخليقة وتكاثرت وهذا المفهوم مصطنع دنيوياً .. وهنا تنعم بالمساواة ولم تعد أداة إنجاب وتكاثر لأن الله اختار النخبة من صالحي الأرض ويزدادون هنا ما تكاثر الصالحون منهم نساء ورجالاً ، مفهوم التكاثر الجنسي غير موجود هنا ..

قلت : في الأرض يعتبرون الشرف في المرأة ..

قال : هذا من سوء التقدير ، الشرف هو في الصدق والعمل الصالح واعتبار الشرف محدوداً بالعملية الجنسية كان من أكذب ما تم على الأرض ..

خلق الله العملية الجنسية ليتكاثر الناس على الأرض فكيف تكون مدار الشر ؟

هل يخلق الله الشر ؟؟ هذا أمر مريع عندكم ، الشرف الإلهي هو في العمل الصالح أما العملية الجنسية فهي وسيلة إلهية للتكاثر ولا ترقى إلى هذا الشرف ،

وكل شعب يمكن أن ينظر إليها ويحددها بمقدار مصالحه وحاجاته .. إذا أراد الكثرة يبيح التعدد وإذا أراد القلة يحددها بواحدة .. هي أمر دنيوي بحت والشرف عند الله   هو الصدق ..

ـ 4 ـ

 

هذا شيخ آخر ما يزال محتفظاً بعقاله العربي ، عليه مهابة الرجال سألته الاسم فقال : الشيخ صالح العلي ..

قلت : كنت في الأرض تقود ثورة فلماذا ؟

قال : إذا شئت الحقيقة فقد كنت أولاً ضد أولئك الذين من أهلنا سلطهم الوالي مدحت باشا على الجبل حكاماً فأساءوا وظلموا واستعبدوا واستولوا على الأراضي والقرى وحولونا عبيداً لهم ..

ثم حين جاء الفرنسيون لم يحررونا من هذا الطبقة الحاكمة ولم يستبدلوها بالصالحين بل اعتمدوا عليهم وعملياً نقل هؤلاء ولاءهم من الباب العالي إلى باب المستشار الفرنسي ..! نحن لم نشعر بالحرية والمساواة ولم يتبدل شيء في حياتنا كأرقاء لذلك أعلنت الاحتجاج والرفض وشايعني الكثيرون في الجبل ..

وحين استعان هؤلاء بالقوات الفرنسية علينا قتلاً وتدميراً صار الفرنسيون عدواً آخر لنا فأعلنا عليهم الثورة لأن الاحتلال انضم إلى الفاسدين والظالمين ..

قلت : هي إذن ثورة ضد الظلم أخذت شكلاً وطنياً

 قال : شيء من هذا صحيح : وحين طلبنا معونة الثوار في الوطن الكبير ، تدفقت إلينا المعونات من حماة الباسلة عبر خط حماة ـ مصياف ـ وادي العيون إلى الشيخ بدر ومنه إلى كل الجبل ..

قلت : ولكنك في النهاية استسلمت ...

قال : نعم ولكن ليس لأنني وافقت على استمرار الظلم والاستعمار فللثورة حدود ولا أحد يقفز على الواقع الذي لم يكن لصالحنا .

قلت : وهل أنت في الجنة لأنك دافعت عن المظلومين ضد الظالمين من وكلاء الاستعمار ..؟

قال : أنا هنا لأن الله قرأ في لوحة سيئاتي وحسناتي حواري مع المستشار الفرنسي واعتبر ما قلت كافياً لاستحقاقي الجنة .

قلت : وما هو هذا الحوار الذي أعطاك بطاقة المرور إلى الجنة ؟

قال : أخذوني إلى المستشار الفرنسي في اللاذقية الذي بادرني بالسؤال..

قال : لماذا أعلنت الثورة علينا ؟

قلت : إنه حب الوطن ..

قال : إذن لماذا استسلمت ؟

قلت : لو بقي معي عشرة مقاتلين ما استسلمت

قال : ما رأيك لو تعاونت معنا .. تستفيد

قلت : قال تعالى ( ولا تركنوا للذين ظلموا فتمسكم النار ) ..

ساد بيننا صمت طويل .

وقلت : هي إذن قصة رفض الظلم هي التي أعطتك الجنة ؟

قال : نعم وما عدا ذلك من سيئات تحببّها هذه الحسنة التي هي عند الله أكبر ولله في خلقه شؤون .

 

 

 

 

 

ـ 5 ـ

تحت شجرة زيتون رأيت شيخاً قصير القامة ما زال رغم شيبه  يحتفظ بمهابة وفكرت أنني سيق أن رأيته بطربوشه وعكازته فأسرعت الخطو إليه أسأله من هو ..

قال هنا لا حاجة للأسماء كلنا خلق الله لا تمييز ولا طبقات نعرف وجوه بعضنا أما الأسماء فقد زالت من الذاكرة التي تعرفون في الدنيا الفانية .. نحن عباد الله فقط .

قلت : لا بأس ولكن لأنني أبحث عن الحسنات التي جعلتك من عباد الله واستحقيت الجنة .. ولذلك أسأل عن اسمك ما كان في تلك الدنيا..؟

قال : كان إسمي على ما أذكر هاشم الأتاسي ، كنت أعمل  رئيساً لجمهورية سورية ....

قلت : قرأت عن تاريخك ، كنت مهاباً نظيف اليد لم تسرق ولم تقرب مالاً حراماًَ ولكن يقولون عنك أنك كنت بخيلاً ..

قال : أحياناً يأتي الكرم من كثرة الموارد ةوتأتي الموارد الكثيرة من المال الحرام وحين كنت أقتر في المصروف ولا أدفع مالاً للصحفيين فلأن معاشي بالكاد يكفيني .. لم أكترث لإدعائهم ..

قلت : هل نظافة اليد وحدها هي التي أعطتك استحقاق الجنة ؟

قال : ليس ذلك وحده ، في السياسة التزمت القوانين والدساتير وحين كان البعض يخرج عليها ويجنح للعنف والظلم والعدوان على الحريات كثيراً ما كنت أستعمل عصاي ... وأحياناً أستقيل وأعود إلى بلدتي ولا أعلن حكماً عرفياً .

قلت : هل لأنك كنت تفكر بجمهورية فاضلة اختلفت مع العسكر ؟

قال : جمهورية فاضلة حلم ولكن كنت دائماً أريد دولة يحتمي تحت ظلها كل مظلوم فلا يبحث عن غيرها .. الوطنية الجامعة كانت شيئاً لم أساوم عليه ..

قلت : يقولون عنك أنك لم تدفع لأحد ولم تقبض من أحد ؟

قال : كان ذلك يوم جاؤوني وفي بموازنة القصر الجمهوري وفيها بند ( مصاريف مستورة ) بمبلغ مئة ألف ليرة وقالوا لي يمكنك صرفها بلا فواتير كما تشاء وتوزعها على الفقراء والأهل والصحفيين وعابري السبيل ، فقمت بشطبها وقلت ( هاشم الأتاسي لا يبقض من أحد ولا يدفع لأحد ) وصارت هذه العبارة ملازمة لسلوكي .

قلت : ولكن العسكر هزموك بإنقلاب فاعتزلت في مدينتك ..

قال : قاموا بإنقلاب ونصبوا ديكتاتوراً هذا صحيح ولكن بهذه العصا هزمتهم وفي بيتي تجمع كل قادة البلاد وقرروا ترحيل الإنقلاب وأعاننا الله على ذلك ولم نسفك نقطة دم واحدة .

قلت : هل تعتقد أن هذا السلوك وتلك المواقف كانت يوم الموازين سبباً في وجودك هنا ؟

 

 

قال : لا أعتقد ، أنا لم أكن لعائلة وعشيرة ومدينة، كنت لكل الناس على اختلاف أديانهم وتعددياتهم ودافعت عن حقهم في الحرية ولا أساوم على ذلك بمنصب أو بمال فاختارني الله إلى جنته كنت نظيف اليد لا أدفع لأحد ولا من أحد أقبض فاستحقيت هذه الجنة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ـ 6 ـ

هذه إمرأة عليها مسحة جمال تجلس تحت شجرة زيتون وحولها العصافير والطيور تعتاش من نباتات الأرض ونظرها يمتد إلى            الأفق البعيد .

قلت : يا امرأة ما جاء بك إلى الجنة ، هل هي الصلاة والصلاح والتعبد أم هو السلوك الحسن .. ؟

قالت : لا .. لا شيء من هذا أبداً كنت عاهرة في الأرض، قادني الفقر وفقدان الأهل إلى ممارسة ما يعتقده الناس كفراً وعاراً .

قلت : عاهرة وفي الجنة ؟ أي حساب هذا الذي جاء بك إلى هنا حيث يعيش الصديقون ! ؟

قلت : إذا عرفت السبب بطل العجب ..

قلت : وما هو السبب .. هل هو أعجوبة؟

قالت : في الأرض أقام عليّ مرابي دعوى طالبني فيها بمال وفائدة ، وكان يأخذ الفوائد الفاحشة عن دينه تجاوزت أصل الدين سألني القاضي الخبر فقلت دفعت له كامل الدين وأكثر ولكنه يريد المزيد               ولا يرتدع ..

قال القاضي للمدعي المرابي عليك إثبات الدين فوجه لي يميناً حاسمة بأن أقول والله العظيم ليس للمدعي بذمتي مال ..

قلت له لا أحلف بالله أبداً قال القاضي : لك الحق في رد اليمين عليه.

فقلت : لا أرد عليه اليمين لأنه سيحلفها فينزل الله بأولاده العقاب .. قال القاضي مستهزئاً : إذا تخسرين في دعواك ..

قلت للقاضي .. لا تبتسم ... أنا في الأرض بعت فرجي .. ولكن لا أبيع الله ولا به أقسم فاحكم بما شئت ولا أحلف ... ولأنني رفضت أن أبيع الله غفر ذنوبي فمقياس الصلاح عنده مختلف عما في الأرض ومن يبيع جسده ولا يبيع الله ..يكون له الأجر الحق وغفر لي كل ذنوبي .

 

 

 

ـ 7 ـ

 

في مكان آخر كان رجل اختار صخرة وعليها جلس وبدا من بعيد كأنه ملك ، فاقتربت منه وسألته ما كان اسمك في الأرض ..؟

قال أنا عبد الكريم الجزائري ..

قلت : قرأت عن تاريخك ونضالك ضد الاستعمار الفرنسي للجزائر وقرأت عن نفيك إلى دمشق التي احتضنتك ..

قال : هذا صحيح : وهناك في دمشق وجدت الأمان والأهل ولم أشعر بالغربة وأحاطني الناس بالحب والاحترام فالوطنية العربية في دمشق لا يوجد لها مثيل في كل أرض العرب.

قلت : هل أنت هنا بسبب مواقفك من ظلم الاستعمار؟

قال : نعم ولكن الله اختار من مواقفي موقفاً اعتبره سبباً في دخولي الجنة..

 

قلت : وما هو هذا السبب أيها الأمير ..؟

قال : عام 1860 فجر الأتراك العثمانيون ثورة غير مفهومة ودفعوا وسمحوا للفوغاء المتعصبين أن يجتاحوا المسيحين في الشام وأن يقتلوا النساء والأطفال والرجال وان يحرقوا البيوت في وحشية معتقدين أنهم ينفذون إرادة الله.!

في ذلك الزمان رفضت هذه الوحشية وهذا التعصب الأعمى ورفضت المشروعية الدينية لهذه الهمجية التي لا يريدها الخالق ولا يريدها الإسلام فكراً وسلوكاً ..

قلت للغوغاء أن يرتدعوا فالمسيحيون في ذمة الإسلام ولا يضار أحد منهم وهم أقرب إلينا من كل إتباع الديانات في الأرض فلم يرتدعوا...

يومئذ ، جمعت أنصاري ومعهم الكثيرون من أهل الشام الشرفاء، وحملنا عليهم وقمنا بحماية المسيحيين من الذبح العثماني ويسر الله عملنا وأنقذا الكثيرين ..

قلت : هذه الاستحقاق للجنة كان لرفضكم التعصب أسلوب حياة ؟

قال : هذا صحيح ولأنني أيضاً دافعت عن روح الإسلام ومبادئه ضد الذين  أرادوا الإسلام ستاراً للوحشية خلافاً لإرادة الخالق ..

قلت : أيها الأمير .. التعصب ليس من الإيمان ، يمكن أن يكون الإنسان مؤمناً دون أن يكون متعصباً ..

قال الأمير .. هو كذلك ، الإيمان مسألة شخصية تؤمن ويؤمن غيرك والعنف ليس وسيلة تبشير في عرف الله ، لذلك يوم الحساب .. أعطاني بطاقة المرور إلى الجنة لأنني دافعت عن الدين الحق وقاومت التعصب وذهب العثمانيون إلى جهنم وأما أنا ومن سيماثلني في هذا السلوك .. فإلى هذه الجنة .. الإيمان نعم والتعصب لا هذه هي القاعدة الإلهية وما عداها هو الباطل ...

 

 

 

ـ 8 ـ

 

من بعيد عرفته من لباسه الفيصلي فاقتربت منه فقد عشنا في الأرض على شرف استشهاده.. هو يوسف العظمة ، استشهد في ميسلون وهناك دفن في قبر متواضع وكنا في ذكرى الجلاء نزور إلى هذا القبر .. أذكر أنني ألقيت كلمة على قبره قلت فيها أن الجلاء الفرنسي عن سورية لم يكن في عام 1946 بل كان منذ استشهاد يوسف العظمة في 26/تموز 1920 ..

قلت أن الجلاء عن أي أرض محتلة يبدأ من يوم مقاومة الاحتلال أما الجلاء الأخير فهو من التفاصيل..

قلت : يا يوسف لماذا اختارك الله إلى جنته هل لأن اسمك يوسف الذي ألقاه إخوته في البئر ليتخلصوا منه فنجاه الله ؟

قال : لا ليس هذا فمن عاداتنا في الشرق أن يختار الآباء لأولادهم الأسماء الحسنى لأن يعتقدون أنهم بأسمائهم وأسماء آبائهم يوم القيامة يدعون ..

قلت : وما هي الحسنة الأساس التي جاءت بك إلى الجنة هل هو الاستشهاد دفاعاً عن الوطن .. ؟

قال : حب الوطن من الإيمان هذه هي القاعدة وما دمت أحب وطني فأنا عند الخالق من المؤمنين .

قلت : كل الشهداء من الجنود يستحقون الجنة في أدبياتنا الدينية .

قال : في الأرض عادة يموت الشهداء من الجنود والضباط ولكن حين يتحد قائد الجيش بجنوده ويقاتل معهم في الخنادق ولا يحتمي بملجأ أو مكتب يكون لملحمة الدفاع عن الوطن طعم آخر..

قلت : ولكن القائد يعرف حجم القوى المعادية وأسلحتها وفي المعركة عليه أن يوازن ولا يجازف..

قال : كان معي ألفاً من الجنود المقاتلين وكان عندنا أربعة مدافع نصبناها على التلال المشرفة على طريق دمشق ولم تكن الذخيرة تكفى إلا ليوم واحد أو أكثر وكنا ننتظر مدداً لم يأت .

قلت : والعدو ما كانت معلوماتكم عن قوته ؟

قال : كانوا عشرين ألفاً أو يزيد من الجنود المدربين ومعهم المدافع والمصفحات والطائرات ولا يشكون من قلة الذخيرة فبوارجهم في بيروت تؤمن لهم مدداً لا ينقطع ..

قلت : هي إذن مجازفة كالانتحار ..؟

قال : لا .. ليس إنتحاراً هي عملية دفاع مهمتها ليس تحقيق إنتصار آني بل من أجل إعطاء أمثولة بطولة للأجيال ..

قلت : وماذا حدث حتى انهارت المقاومة !

قال فقدان التوازن هو أحد الأسباب وإن كنا قد صمدنا أمام الغزو لساعات طويلة ولم يمروا. إلا أنهم اشتروا بعض العملاء وعلى الخيول دفعوهم من جنوب لبنان إلى ما وراء خطوطنا فاعتقدنا أنها نجدة تأتينا من الداخل في حين أنهم كانوا من الخونة الذين هاجمونا من الخلف وقتلوا الكثيرين ..

قلت : إذن هي الخيانة ..؟

قال : نعم ولكن ما داموا قد باعوا وطنهم للغزاة فحكمهم حكم الغزاة ..

قلت ذكرتني بشهداء في عصرنا الحالي يفجرون أنفسهم لكي يقاوموا المحتلين .

قال هؤلاء تعلموا هذه الطريقة من حرب ميسلون وتعلموا التضحية التي تصنع المعجزات..

قلت : هل هذه هي الحسنة الكبرى التي أعطتك بطاقة المرور إلى الجنة ؟.

قال : نعم هي كذلك لأن هناك في يوم الموازين فرق كبير أن يمر الغزاة إلى دمشق في نزهة أو أن يمروا على جثة وزير دفاع دمشق ... فشكراً للخالق الذي أعطى للتضحية هذا المعنى القدسي.. والذي سيمتد إلى كل الأجيال ..

 

 

 

ـ 9 ـ

قامة مهيبة وشوارب مكللة بالشيب وعينان تقدحان شرراً وعقالاً عربياً وعصا ..

عرفته هو الآخر سلطان باشا الأطرش زعيم الثورة السورية عام 1925 ضد الاستعمار الفرنسي.. كان رجلاً ولا ككل الرجال ، عربياً صافياً يأنف الذل ويرفض الطاعة المفروضة والعدوان الذي لا يستند إلى أي مشروعية أخلاقية.

قلت : يا أبا منصور ، سرتني رؤيتك في الجنة فلم تكن في الأرض زعيم ثورة مسلحة لرد الظالمين كنت في وطننا أمثولة لا تتكرر

قال : كل الذين قاتلوا معي أمثولة .

قلت : نعم ولكن حين انهزم المستعمرون وتم الجلاء لم تتقاسم مع الآخرين الوطن ولا بحثت عن حصة من المغانم والمناصب ولم تسع إليها .. ؟

قال : نعم أويت إلى بيتي في القريّا ، كمواطن أدى واجبه الوطني ولم اعتبر هذه التضحية عملاً يستوجب أجراً .

قلت : كلهم تباهوا بدورهم وأخذوا المناصب والوزارات واغتنوا ووحدك بقيت كبيراً وكما كنت تأنف الذل كنت تحتقر المال والمكاسب ولم تتصرف كانتهازي.

قال : يا بني تركت الكثير من المكاسب وأخذت حب الناس واحترامهم لدوري وأنفتي وعروبتي وهذا أعظم من أي منصب ومركز ومال ... وأعطيت ما لم يستطع أحد إعطاءه .. أعطيت للأجيال درساً في النضال كواجب لا يستوجب أجراً ولا إليه يسعى..

قلت : هل يوم الموازين ... سئلت عن هذا الموقف ؟

قال : نعم وبالتأكيد والخالق الذي يمثل العدل غفر لي كل السيئات لأنني لم أكن انتهازياً ولا طلبت أجراً للدفاع عن الأرض والعرض وعن المظلومين الذين تعرضوا لظلم الاحتلال الأجنبي .

قلت : يا أبا منصور .. كنت في الأرض ملكاً بلا حراس ولا زمامير لأن الناس توجوك على عرش من المحبة وهذه المحبة وحدها تبقى للأجيال .

قال : أحمد الله أنني عشت حراً ومحبوباً ومحترماً وصرت هنا لأن الله لا يحب الانتهازيين ولا الفاسدين ولا الذين وراء المال يسعون .

قلت : بعض الناس أخذوا لقب الباشا كمنحة من الحاكم أما أنت فأخذتها من قلوبنا وبها تبقى إلى الأبد .

 

 

 

 

 

 

 

ـ 10 ـ

هذا الرأس الكبير الذي يعلوه الشيب ، وتلك الجبهة الواسعة وتلك العيون الذي تشع ذكاء ، هو الآخر يذكرني بفارس الخوري ..

قلت : يا أبا سهيل يفرحني وجودك في الجنة فكيف إليها سعيت ؟

قال : من الباب الوطني .. الذي هو باب المحبة التي لا تفرق ولا تقهر ولا تميز ولا تشهد الزور ولا تدعي ..

قلت : جميل هذا ، ليس هناك من باب أكبر من المحبة وإليها سعى الأنبياء والرسل والقادة الشجعان فحصلوا على حب الناس واحترامهم .

قال : حب الوطن من الإيمان ، على هذا درجت وتعلمت وناضلت ...

كان المسيحيون طوائف وكنت منتمياًَ إلى أصغر طوائفهم عدداً وكان المسلمون أكثرية ومع ذلك عبرت إلى قلوبهم بهذا الإيمان بالوطن فتقلبوا عبوري ومنحوني ما لم يحلم به إنسان في مجتمع لم يخرج إلى النور بعد ولم تكن المساواة في المواطنية فيه من الضرورات..

كان هناك متعصبون ومتشددون لا يرون الخالق إلا من خلال معتقداتهم .

ومع ذلك وأمام هذا الإيمان بالوطن وأمام السلوك الوطني الذي قفز على الطوائف والأديان وجدت فرصتي في القيادة ..

ليس صحيحاً أن الوطنية حكر لجهة أو فئة هي استحقاق للذين يؤمنون بالوطن ولاء ويوزعون محبتهم على الجميع دون تفرقة ..

قلت : كنت متعلماً في مجتمع لم يكن فيه متعلمون فهل دورك الوطني كان بسبب ذلك ؟

قال : نعم كنت متعلماً وكان الجاهلون كثيرين ولكن ليس من هذا الباب وحده دخلت ..

وضعت علمي في خدمة الحرية والوطن وهذا هو الذي ألغى دور الجهلة والمتعصبين وأدى إلى جو المحبة الوطني الذي به كنت اعمل.

وهذا المنطق هو الذي هزم التعصب فمن هو ذاك الذي يستطيع أن يحذفك إذا ساويت نفسك به وطنية لا تفرق ولا تقهر ؟

قلت : يا فارس الخوري ، لأنك كنت مدرسة محبة وولاء وطني قد يكون الخالق نفسه يوم الحساب اختارك إلى جنته ..

قال : شيء من هذا صحيح .. لم أترك مالاً ولا عند عائلتي أطيان ولكن امتلكت في حياتي محبة لا تقدر بثمن ومن يملك المحبة ما حاجته للمال ؟

قلت : إنها المحبة والوطنية إذاً هي في الميزان الإلهي كانت وراء النعيم الذي استحقيت ..

قال : لله الشكر ... ووطن يبنى على المحبة غير وطن تجتاحه الأحقاد والعنف ويتحكم به الفاسدون المستبدون ...

والله مع الخير والمحبة وهذه هي الأمثولة التي لا يوجد في الميزان الإلهي ما يقابلها وزناً...

 

 

 

ـ 11 ـ

هذا القصير القامة ، الكبير الرأس ، يمارس هواية المشي في هذا الصباح الجميل مسرعاً كما شاب في العشرين مع أن عمره تجاوز الستين..

قلت : يا أبا منير كما في الأرض كنت كذلك في السماء؟

قال :  نعم .. وكما كنا في بلودان نمشي معاً صباح كل يوم هنا أنا أمشي ..

قلت : لكل إنسان اسم واحد ما عداك فلك اسمين .. أشهرهما وأحبهما إلى الناس ( بدوي الجبل ) فما هو سر هذا ؟

قال : هو اختراع صحفي وتعرف أن الناس يحبون الغموض والبدوي تعبير عن الإنتماء العربي ... والجبل هو جبالنا الغربية التي منها أتيت         إلى الشام..

قلت : كنت شاعراً وكنت عربياً هاشمياً وكنت مقاتلاً ضد الاستبداد فأيهم إليك أحب ؟

قال : هذه الثلاثية لا تتجزأ وتتكامل في طريقنا للحلم العربي فالشريف الهاشمي حسين هو الذي قاد ثورة العرب ضد احتلال عثماني لم يحرك العرب ضده أي ثورة خلال قرون أربعة والعروبة هي حقيقة وجودنا وبدون الإقرار بانتمائنا إليها لا تستقيم حياتنا والاستبداد الذي يغلق أبواب الحرية يهدم عروبتنا وآمالنا بوحدة العرب ..

قلت :هل لأنك شاعر اختارك الله في يوم الموازين في جنته ؟

قال : على خلاف ما ينسب للأرض في للشعراء من سيئات هنا عند الخالق لهم مقام حسن وهم ندماء الخالق ولو من وراء حجاب ..

قلت : أذكر أنك قلت شعراً في ذلك ..

قال : نعم الشعر نوع من الوحي الإلهي ينزّله الله على من يحب والشاعر الحق لا يرتب كلمات الشعر ، والشعر الصحيح هو الذي يأتي وحياً               وعفو الخاطر..

قلت : قلت شعراً حلواً عن الموت في الأرض ما يزال الناس يذكرونه :

نحن موتى وشرّ ما ابتدع الطغيان

موتى على الدروب تسيرُ

نحن موتى يُسرِ جارٌ لجارٍ

مستريباً .. متى يكون النشورُ ؟

قال : في الاستبداد يفقد الإنسان شيء من حريته وما دام الله خلق الإنسان حراً وخلق له عقلاً فإن حرمانه من الحرية هو حالة موت ... هو ميت ولكن يسير .. والمستعبدون موتى لأنهم                   بلا حرية ..

قلت : رائع يا أبا منير ، ولكنك كنت ضد الطغاة وكنت شاعر حب ..

تأنق الوردة ألواناً ليفننا

أيحلف الورد أنّا ما فتناه ؟

قال : ولكن شعري في الطفولة كان مهماً أيضاً في يوم الموازين ..

ويا رب من أجل الطفولة وحدها

أفض بركات السلم شرقاً ومغرباً

قلت : إذاً هي في يوم الموازين ثلاثية لا تنقسم مقاومة الطغاة والمستبدين والحب ... ورعاية الطفولة...؟

قال : نعم إن الله لا يحب الظالمين ولا الذين ينهروا الأطفال ولا الذين يعيشون وليس في قلوبهم حب..

بطاقة الدخول إلى الجنة ليس في كثرة الصلوات بل في الإيمان العميق والحرية والعطف على الضعفاء وبالحب العظيم الذي يفجر الطاقات شعراً ونسلاً صالحاً .

قلت : هل كان لصفاء الجبل دور في حملك لهذه البطاقة؟

قال : نعم كان هناك ظلم واستبداد وقاومته وكان هناك طبيعة جميلة علمتني الشعر وكان هناك حب على طريق النبع وكانت هناك طفولة لا تعرف شيئاً عن الألعاب واللهو .

من الجبل تعلمت الدروس الأولى ولكن هذه الدروس امتدت إلى الوطن كله فكان شعري يمتد ما اتسع أمامي الحلم العربي فلم أكن لطائفه ولا لدين ولا لمكان كنت ممتداً مع شعري ما امتد في الأرض وطن ، فالشاعر حين لا يكون للمكان يكون لفضاء الله ومنه يقترب .

قلت : الشعر إذن ليس حالة كفر كما كانوا في الأرض يقولون ؟

قال : بعض شعر النفاق هو كفر أما الشعر المصفى الصادق الذي ينبع من الحب فهو صلاة حقيقية لا تعكرها ضوضاء الذين يحسدون الشعراء لأنهم الأفضل ...

 

 

 

 

 

 

 

 

ـ 12 ـ

ها هو الشيخ سعيد النعساني الذي عاش على لأرض لأكثر من قرن يجلس على كرسي خشبي تماماً كما كان يفعل في الأرض في فصل الصيف .. ولكن هنا لا أحد يتحلق حول مجلسه .. أراه وحيداً ولكن البسمة لا تفارق محياه .. كان مفتي حماة العظيم ...

قلت : يا سيدي أتذكرني ..؟

قال : خلق الله من الذين التقيتهم كثيررون وبعد هذا العمر الطويل من يذكر ..؟

قلت : كنت كلما رأيتك جالساً على باب الدار وكانت إلى جوار محل والدي في الباشورة بحماة ، كنت أرش حولك الماء لتخف حرارة الأرض وأحياناً أحضر لك باقة ورد في كأس...

قال : عرفتك ... كنت ابن جار مسيحي فاضل والرسول أوصاناً بالجار حتى ظننا أنه سيورثه ..

قلت : حصلت الوراثة .. أنا ورثت منك الكثير من العلم وحين كنت أقرأ القرآن على يديك ورثت النطق السليم ولم أعد ألحن وأكثر من هذا ورثت خلقاً لا تعصب فيه ولا نفاق وتعلمت منك كيف يجب أن نفهم الدين لا أن نستغل بساطة الناس وتدينهم فنجعلهم يؤمنون بالخرافات ..

قال : الناس لكثرة إيمانها تتعلق بالقشور وتهمل قلب الثمرة ..

كانت مهمتي حين يختلف اثنان على أحكام الوضوء وكل منهم يجلب معه الكتب ويحاور ويدافع أقول لهما لستما بحاجة للأحاديث ولا للرواة ... وأفهمهما القصد من الوضوء...أن تكونوا نظيفين حين تواجهون في الصلاة الله وإليه تدعون..

وكنت أدرسهم أن مفهوم الوضوء هو النظافة قبل الصلاة أما الطرق والحركات فهي من التفاصيل ولا تهم كثيراً ولا يُختلف عليها ولا هي من شروط الإيمان..

قلت : حين سئلت عن المحبة في الإسلام من قبل جار من المسحيين هل تذكر ما قلت ؟

قال : نعم أذكر ، قلت لا فرق ، المحبة واحدة عند الله .. في المسيحية من ضربك على خدك الأيمن أدر له الأيسر ، وفي الإسلام ، إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم .

وقلت أيضاً عامل الناس كما تحب أن تحب أن يعاملوك في الإسلام وفي المسحية كما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا بهم أيضاً...

وقلت الفاتحة في الإسلام وأبانا الذي في السموات في المسيحية لمن يدرسها لا يجد فرقاً وإن اختلفت الألفاظ ، فلتسبيح الخالق أشكال ولكن الروح في الاثنين واحدة ..

وقلت : أتذكر يوم أتيتك بحديث يقول لصبية يلعبون ( اعشقوا فإن العشق منظف للأكل والملبس ومطلق للسان العي ) ..

يومه قلت لي ، في الأحاديث ما هو صحيح وما هو نصف صحيح وما هو غير مسند وما هو غير صحيح ..

وقلت لي ... كثيرون في التاريخ نسبوا للرسول أحاديث في الفضيلة والأخلاق لكي يحضوا الناس عليها .. وفي هذا الحديث غير الصحيح ... إذا كان الشخص الذي يحب سوف يغتسل ويكون نظيفاً ويتعلم أصول الكلام فما هو الضرر الديني من ذلك ..؟

قلت : يا سيدي ومعلمي ، قضيت في حماة قرناً كاملاً ولم تغضب أحداً ولا تعصبت ضد أحد ولا دعوت إلى فرقة ولا إلى عدوان وحين شايع بعض الرجال الدين إلا قطاعييين ، كنت وحدك مع الفقراء لم تبادل حبهم بمال ولا قبلت أن تعطى المشروعية الدينية لتصرف الظالمين..

قال : شيء من هذا صحيح والعمل في حماة صعب جداً لأن الغضب فيها سهل جداً وكثيراً ما كظمت الغيظ كي لا يتعلم أحد من أهلها الغضب فيصعب الإصلاح .

 

قلت : هل أنت هنا إذن لأنك كنت مع الفقراء ومع حركة العقل ورفضت التعصب ونشرت راية المحبة..؟

قال : هو كذلك ولا أحد يسير على هذه الطريقة ويكون ختامه غير الجنة ... أحمد الله ...

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ـ 13 ـ

كان شيخاً متنوراً ، طربوشه يدل على الوقار وعليه لفة المشيخة وكان له مكتب قرب مكتبي بحمص ويزدحم بطالبي الزواج نساء ورجالاً..

هو الشيخ نديم الوفائي ، كان قصير القامة شديد الذكاء ، مرحاً في ترحابه بالناس ولا تفارق الابتسامة وجهه ..

هنا في مكتبه ينظم عقود الزواج العرفي والزواج الشرعي وهنا حين تحدث الخلافات الزوجية كثير ما يسرد الزوجان همومها أمامه ويسألانه الرأي ..

كان أميل إلى المصالحة وحين تنجح كأنك نقدته أجراً كما في          عقد الزواج ..!

قلت له : حسناً أننا التقينا هنا ياشيخ ..

قال : وفي الأرض التقينا ، أتذكر يوم ذهبنا في وفد إلى الأغوار الفلسطينية نستطلع حال الفدائيين في باكورة ثورتهم ؟

قلت : نعم .. وأذكر أنني استبدلت لفتك وطربوشك بعقال فلسطيني اشتريته لك في الرمتا على حدود الأردن ولم تمانع ..

قال : نعم وأذكر أنني يوم رغبت أنت بشراء بعض الخراف كهدية للفدائيين قلت لك شراء قطعة سلاح أفضل وذهبنا معاً إلى السوق في أربد وأنت اشتريت السلاح بفتوى مني ..

قلت : ياشيخ في يوم الموازين ما هي أهم الحسنات التي في الميزان رجحت كفة الميزان فحصلت على الجنة..؟

قال : إن وعدتني أن لا تفشي السر إلى الأرض أخبرك وإلا دع الأمر إلى إرادة الله ..

قلت : لا أحد يرسل إلى الأرض خبراً لا سراً إلا بإرادة الله ووحيه وأسأل سيدنا جبريل يخبرك بانقطاع الوحي ..!

قال : يوم حرب حزيران 1967 .. وفي أيام هزم اليهود كل العرب واحتلوا القدس والضفة والجولان وسيناء ، وكان هذا فظيعاً على الناس ..

في ذلك الوقت خطبت في الناس في مسجد خالد بن الوليد كي لا يذهبوا بعيداً في اليأس ولكي يستردوا رشدهم ويعاودوا النضال ..

قلت : وما علاقة ما قلت يومئذ بوجودك في الجنة؟

قال : إن الله اعتبرني الأكثر صدقاً ولأجل هذا الصدق مالت كفة               الميزان لصالحي ..

قلت : ما قلت ياشيخ يومئذ ؟

قال : قلت للناس أن لا يقنطوا من رحمة الله وأن يواجهوا الواقع بالشجاعة فالعرب لم ينهزموا في هذه الحرب لأنها لم تكن بين العرب واليهود ... بل بين اليهود مع بعضهم البعض .. !

قلت : تقصد بالتصرفات .. !

رأيت إمرأة متشحه بشال أسود وفي يدها مسبحة ورائحة البخور تنتشر حولها ...

قلت : يا امرأة من أي مكان في الأرض أنت ؟

قالت : أنا من حمص من سورية من الأراضي المقدسة !

قلت : هل أكثرت الصلاة والصوم أو هل كنت بارة بوالديك حتى حصلت على هذا الشرف ..؟

قالت : لله في خلقه شؤون ... وفي أحكامه كذلك .

قلت : لو تقصين علينا الخبر .. نستفيد ونفيد ..

قالت : نعم كنت أصوم وأصلي وبارة بوالدي وكنت فقيرة وأعيش في حي الورشة الفقير بحمص .

قلت : وما هي ميزات هذا الحي ..؟

قالت : هو حي مختلط وعائلات مسيحية تجاور عائلات مسلمة هم يذهبون للمسجد ونحن نذهب إلى كنيسة مارإيليان الطبيب الشافي ولا ما يعكر صفو التعايش ..

قلت : وما علاقة حي الورشة بسبب وجودك هنا ؟

قالت : كان ذلك أيام الاستعمار الفرنسي وكان الجنود يفتشون عن مجاهد مسلم في هذا الحي وحاصروه بإحكام ، كان اسم المجاهد ( نظير النشيواتي ) ..

كان جارنا في الحي وصنديداً وشهماً وكثيراً إذا ما اختلف أولادنا كان يحكم بالعدل ..

يومها أجار والدي نظير فاختار بيتنا لكي يبعد الشبهات عنه ، فالبيت مسيحي هو أكثر أماناً من بيوت المسلمين ..

يومها فوجئنا بالجنود يطرقون الباب وقال والدي لا يوجد طريقة لكل يهرب نظير فالأسطحة والشوارع كلها مليئة بالجنود ..

فجأة جاءني خاطر إلهي فقلت لوالدي افتح الباب واندفعت إلى الغرفة التي فيها نظير وقلت له أن يصعد إلى الكتبية التي نضع فيها الأفرشة وان يغطى الستارة عليه وأن لا يخاف .. ففعل فوراً .

قمت بخلع ملابسي حتى بدوت عارية كما خلقني الله وتناولت كيل الماء من على الخابية في الغرفة وبدأت أستحم في عتبة الغرفة وتركت بابها بلا قفل داخلي وأكثرت من الماء حتى يسيل إلى باحة الدار ..

صار الجنود الفرنسيون في الدار ودفعوا باب الغرفة ورأوني عارية فصرخت وولولت .. فأغلقوا علي الباب واعتذروا ثم فتشوا باقي الغرف وانصرفوا ..

فلبست ثيابي وصرخت بنظير أن يرفع الستارة فوجدته يبكي عرفاناً بالجميل .

هذه الحادثة صنعت للتعايش في حمص مالم تستطع الخطابات والدعوات والصلوات ان تفعله .. كانت تضحية بما هو قريب من الشرف لكي لا يأخذ الفرنسيون المستعمرون جاراً لاذ بنا .. وهذه الفضيلة هي التي في يوم الموازين ... جاءت بي هنا لأن للتعايش عند الله مقام لا يعرفه إلا الذين عرفوا الله المحب المتعايش ..

هذا شيخ مهيب يحمل مسبحة سوداء وذاك الآخر طويل القامة مهيباً قوى البنية وكلاهما يتحدثان بوئام ..

قلت لأول مرة أرى اثنين في الجنة معاً ، والآخرون كل واحد أو واحدة يعيش منفرداً فما السر ؟

قال الشيخ المهيب لأننا في الأرض ارتكبنا جريمة واحدة كانت سبب وجودنا هنا وكما كنا معاً في الأرض كذلك نحن في السماء !

قلت : ومن أنت ياسيدي ...؟

قال : أنا عبد الحميد باشا الدروبي كنت متولياًَ على حمص وحبيب أهلها.

قلت : ومن هذا الذي بجانبك ..؟

قال : هو سليمان الحشوة أبو راغب ، كان يعمل عندي معالم سلطان وهو الذي بنى بيتي وبيوت أهلي كما كلفته ببناء الرواق الشمالي في مسجد خالد بن الوليد ..

قلت : يا سيدي .. هذا سليمان جدي لأبي ، كان معمارياً يوم لم يكن في البلد مهندسون وكان معروفاً بحسن الصنعة ورغم ذلك كان الأقرب إليك .

قال : نعم هو كذلك ، كان وديعاً وصادقاً ولا يخالف لي أمر وكان الجميع يعرفون أنه وعائلته بحمايتي ..

قلت : ولكن ما هي الجريمة التي ارتكبتموها معاً وكانت سبباً لوجودكما في الجنة .. وهل جريمة تقود إلى جنة ؟..

قال : لا تستعجل يا ولدي فللأمر تفاصيل والله قد لا يرى الجريمة جريمة .. وله مقياسه في الرؤية فالجريمة التي تقود إلى شر غير الجريمة التي تقود إلى الخير ..

قلت : أصدقني الخبر .. ففي السماء ليست كل جرائم الأرض تستوجب العقاب فلماذا ؟

قال : مرة دخل منزلي فقراء من فلاحي قرية ( الدوير ) وكانوا مسيحين واستنجدوا بي وطلبوا رحمتي وكانوا جائعين .. فأطعمتهم وكانوا خائفين على حياتهم فأمنّتهم عليها وكانوا يتلعثمون في الكلام فهدأت روعهم وسمعت قصتهم ...

قلت : هل هو عدوان طائفي ؟

قال : هو عدوان ظالم تستر بالطائفية ...

هؤلاء كانوا يملكون قرية الدوير قرب حمص وكانت أرضها خصبة وقد رعاها أبناؤها فأنتجت خيراً كثيراً شجراً وخضاراً وفواكه ..

هذه القرية أثارت الطمع لدى عائلة إقطاعية في المدينة فشنت على أهلها الحرب وهجرتهم وكان ذلك تحت ستار من التعصب الاعمى الذي كان لإخفاء رغبتهم في الاستيلاء على أملاك الغير بدون أدنى حق..

قلت : أنت إذن أغثتهم رغم اختلاف الدين فما مكان سليمان أبو راغب في هذه الأحجية ؟

قال : لا عليك لا تستعجل الامر ... انا فكرت بطريقة ذات مشروعية دينية لإنقاذ هؤلاء ..

قلت : وما فعلت وكيف كانت خطة العمل ..؟

قال : جئت بأبي راغب وكان يعمل في حفر أساسات الرواق الشمالي لمجلس خالد وقلت له تعال غداً إلى منزولي وامام الناس أعطني هذه التنكة وقل أنك وجدتها أثناء الحفر وانصرف ..

وفعلاً قام سليمان بالواجب وأحضر التنكة أمام علية القوم وسلمني إياها فمسحت عنها التراب ثم أظهرت الدهشة ولم أبلغ الناس بفحواها ودعوت على الفور كبار الإقطاعين من العائلة الغاصبة وبهم اختليت في الغرفة المجاورة ...

قلت : هل طلبت إليهم إعادة القرية ونددت بتصرفاتهم ؟

قال : لا .. لم أفعل .. فقط أبلغتهم بمحتوى ما كتب في التنكة حيث فيها أن  عدة قرى من أخصب قراهم هي لوقف مسجد خالد بن الوليد ..

قالوا لي .. لا يا باشا هي قرانا منذ عقود فقلت لهم إذا كانت هذه التنكة موجودة في في أرض المسجد فلا أحد سيجادل بصحتها وعليكم تسليمها للوقف ..

فقالوا لي يا باشا ، ابحث لنا عن حل ولا تلقي بنا إلى ألسنة الناس، فالعدوان على الوقف في الدين من الكبائر كما تعرف ..

قلت لهم يوجد حل جاهز ... تعود الدوير إلى أهلها .. تعود التنكة إلى أساساتها ... ساد صمت طويل ثم وافقوني وعادت الدوير إلى أصحابها وعاد أهلها إليها مكرمين أما التنكة فقد تولى أبو راغب دفنها بمراسم من الاحترام .

واستطرد .. كانت هذه الحادثة في يوم الموازين السبب في مجيئنا معاً إلى الجنة .. فقد اشتركنا في حبك مؤامرة وجريمة ولكن لأن هدفها إنساني وتعايشي ... صرنا هنا ولله دائماً في أحكامه وأفكاره شؤون ..

 

 

 

 

 

ـ 16 ـ

عبد الرحمن الكواكبي .. الحلبي بلباسه التقليدي وكتاب طبائع الاستبداء في يده ، كأنه بحمل بطاقة مروره إلى جنات الخلود ..

قلت : يا معلمي ، لم تعرفك البلد مقاتلاً ضد الظالمين ولا مجاهداً ضد المستعمرين ولا كنت ممن أكثروا الصلاة فكيف إلى هنا وصلت !

قال : ليس كل قتال يكون بالسلاح ، أنا إنسان مسالم سلاحي هو الكلمة وفي الكلمة كان بدء الكون فما حاجتي إلى السلاح إذا كنت أقاتل المستبدين بالكلمة وأحاور بها وعليهم أنتصر ...؟

قلت : يا عبد الرحمن ، المستبدون يحملون طبائعهم حيثما كانوا فهم غلاظ القلوب وهم ظالمون لا يتورعون عن عمل فاحش ويستعملون كل الوسائل من تعصب وحقد ومال ونفاق كي يبقوا على استبدادهم ..

قال : بدأت حربي على الاستبداد وبصورة فكرية ، فالدين هو ما يدين به الفرد لا الجمع ... الإيمان فعل فردي وليس نظاماً جماعياً ، علاقة الإنسان بالخالق يؤسسها هو ولها يصلي وله حرية التصرف في الطريقة وله وحده وليس للجمع الحساب ..

انتقال الدين من الحالة الفردية للإيمان إلى الحالة الجمعية هو الذي كان وراء انتشار التعصب والحقد ووراء استغلال ذلك لإعطاء مشروعية للظلم والاستبداد .

قلت : هل هو هذا التفسير لمفهوم الدين هو وراء وجودك هنا..؟

قال : نعم ولكن لو قرأت كتابي هذا طبائع الاستبداد لوجدت كيف استطعت أن اعري هؤلاء الطغاة الذين استغلوا الله ليس لمزيد من التقوى بل لمزيد من الظلم والاستبداد ...

قلت : أنت في الأرض حتى الآن قدوة وبذلك تكون قد حصلت على تكريم الناس تحت وتكريم الخالق فوق ...

 

 

 

ـ 17 ـ

هذا طه حسين ، الكفيف المصري الذي في كتاباته كان أبعد نظراً من المبصرين ، وبجانبه إمرأة لا أحد في دنيا العرب لا يعرفها الزوجة التي رافقته قارئةً له وكاتبةً وممرضةً وناصحة وربما كانت له بديلاً عن العيون ..

قلت يا أستاذ طه ، في الأرض كفروك انطلاقاً من آرائك في الأدب الجاهلي وكثيرون منهم راهنوا أنك في جهنم ، فكيف كان الضد ..؟

قال : في الحياة الدنيا ، لم أعول على أقوالهم ولا منها خفت ولا مرة أعطيتهم المشروعية في التحريم والتحليل ، ديوك تصيح في الصباح ثم حين تتعب لا أحد يسمع لها صوتاً .

قلت : في يوم الموازين ، كيف كان حسابك ؟

قال : أنا في الأرض كنت كفيفاً ولكن هنا أرى جمال الجنة فالرؤية هنا مختلفة تحسها قبل أن تراها وتلمسها ولو لم تضع يدك عليها..

حياة أخرى لو شرحتها لأهل الأرض .. كفروني !

قلت : يا سيدي أسألك عما رجح كفة حسناتك ..

قال : كل كتبي عن ( المعذبون في الأرض ) وكل ما ترجمته وكتبته وكل ما أسست له في الوزارات لم يكن كافياً ، فقط وحين ازدادت الاتهامات والفتاوى بتكفير أصحاب الرأي وإباحة قتلهم من قبل المتعصبين وأدعياء الأديان .. كتبت في حق النقد وفي حق المحاسبة...

قلت : أذكر ذلك يومها قلت في حق الاجتهاد ما أزعج الذي تستروا في الدين ولم يدخلوا إلى أعماقه ...

قال : كتبت في جريدة الجمهورية مقالاً عن ( حق الخطأ ) ..

وكان شيخان قد اجتهدوا في صوم رمضان بما لم يقبل به مشايخ الطرق القديمة ..

( إما أن يكون قد قال خطأ وحاد عن القصد فليس لأحد عليه سبيل إلا أن يرد عليه خطأه ويبين له وجه الصواب وينصح الناس بألا يتبعوه أما فوق ذلك فلا ينبغي لأحد أن يطمع فيه ذلك لأن الله لم يعصم الناس عن الخطأ ولم يأخذهم به حين يتورطون فيه .. وفي الكتاب ( وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفوراً رحيماً ) .

قلت : ويومها قلت أنه يحق لإنسان أن يخطئ وأنه ويل لأمة يعاقب فيها الناس على الخطأ فتلك أمة لا تعرف الحرية ولا تقدرها ولا تقيم أمرها على القصد والاعتدال وإنما على الفتنة والغرور وأي فتنة أشد من معاقبة الناس على أنهم رأوا رأياً لا يعجب الرؤساء وأي غرور أعظم من إدعاء الوصول إلى أسرار الضمائر ودخائل القلوب وأي شر أشد كفراً من أخذ الناس بالشبهات وقد أمر المسلمون أن يدرأوا الحدود بالشبهات .

قال : هذا هو الصواب بالحرف ، هل كنت في قافلة الذين كانوا معي في هذا السجال ؟

قلت : نعم ونحن كنا نتابع كل كتاباتك فأنت عميد الأدب العربي وكثيرون اعتقدوا أن الله يلهمك الصواب ولم يتخلَّ عنك ..

قال : وهناك مقال آخر   قلت فيه ( إذا أسرف مسلم على نفسه واقترف إثماً من الآثام التي يمقتها الله ويحذر منها عباده المؤمنين ويوعدهم بالعقاب الشديد وبالعذاب الأليم إن تورطوا فيها فأمر هذا المسلم لا يخلو من أحد اثنين ...

إما أن يكون قد اقترف خطيئة توذي غيره من الناس وتضيع بعض حقوقهم وإما أن يكون قد اقترف خطيئة لا تؤذي أحداً غيره ولا تمس إلا الصلة الدينية الخالصة بينه وبين الله الذي يعلم سره ويراقب ضميره ..

في الحالة الأولى ... ولي الأمر وحده  هو المكلف أن يحاكم هذا المسلم وأن يعاقيه على إيذائه الناس وإضاعته لحقوقهم وأن يقتص منه الذي آذاهم وأصابهم ببعض ما يكرهون ..

وإن كانت الثانية ولم يجهد الخاطئ المتورط في الإثم على أحد غيره من الناس فأمره إلى الله وحده وليس لأحد من الناس كائناً من كان أن يحاسبه أو يعاقبه وإنما يجب على المسلمين وعلى حكامهم وعلمائهم خاصة أن يأمروه بالمعروف وينهوه عن المنكر ويدعوه للخير ويحذروه من الشر .

قلت : نعم وقلت أيضاً ( الرجل إذا اجتهد ومن حقه أن يجتهد فإن يكن قد أصاب فأجره على الله وإن يكن قد أخطأ فحسابه على الله وليس لأحد من الناس ولا من رجال الحكم ولا من رجال الأزهر أن يحاسبه لأنه لم يعتد على  حقوق الناس ولم يؤذ أحداً في شيء تعاقب عليه القوانين على إيذاء الناس ...

قال طه حسين .. حسناً هذا هو الصحيح ... ولكن له تتمه هي أما أن يعاقبوه أو يحاكموه أو يؤذوه أو يقدموه للقضاء ليفرق بينه وبين أهله فذلك شيء لا ييحه الإسلام وهم يعطون لأنفسهم حقاً لم يعطه الله ..

قلت : هذا الاجتهاد وهو إذن الذي أعطاك بطاقة المرور إلى الجنة ..

 

 

ـ 18 ـ

 

قال : نعم وبعض الحسنات .. وحين المجتهد يصيب فلأن الوحي فتح له باب الرؤية ومن هذا الباب دخلت وأنا لله من الشاكرين .

رأيت شجرة عملاقة ظلها يتسع للمئات ومنها يتدلى ثمر لم أر له في الأرض شبهاً . كل ثمرة تزن رطلاً بأشكالها قريب من ( البوملي ) الذي ينبت في أريحا أو هو أكبر ولونها بين الخضار والصفار ...

سألت الملاك : ما هذه الشجرة ؟

قال : هي شجرة الخلود ...

قلت : وما حاجتنا إليها ما دمنا في الجنة خالدين ؟

قال : من يأكل منها بغير إذن الرب يتحول إلى نار وإلى جهنم يذهب ..

قلت : ومن يأكل منها بإذن الرب ؟

قال : يتحول إلى مخلوق نوراني .. إلى ملاك ويصبح كما الانبياء والرسل من ندامى الخالق وخدامه .

قلت : ولكن لماذا ثمرها محرم علينا ما دمنا قد حصلنا على غفران الخالق ..؟

قال : لا تتدخل في شؤون هي من حق الخالق وحده ، يوم أكل آدم من الشجرة المحرمة أرسله الله مع نسله إلى الأرض يتعذب هناك ويستقيم حتى يأتي إلى هنا ..؟

قلت : ولكن الله خلق آدم وخلق معه الحق في أن يقول لا .. لم يخلقه ليقول نعم فقط ، وخلق له عقلاً يوازن ولم يمنع عليه التصرف بحرية بدليل أنه قال لا .. للتحريم الأول واكل من تفاح الجنة .

قال نعم هو أخذ عقابه حين أرسله إلى الأرض .. إمرأته تولد بالآلام وهو يكدح ليل نهار وحين تكثر ذنوبه يرسل إليه الله الطوفان ..!

قلت : أعرف العقوبات هذه ولكن المهم أن الله أعطاه الحرية والعقل ولم يعطه الجهل والعبودية لذلك فإن عقابه وهو جاهل وعبد شيء وعقابه وهو حر وعاقل شيء آخر ..

قال : هناك فرق حتماً لأن خطيئة الجاهل لا تعادل خطيئة العاقل الذي يتوجب عليه ألا يخطئ ..

قلت : أعطني ثمرة من هذه الشجرة فقد مللت في الأرض من كلمة .. نعم .. نعم ..؟

قال : لا تفعل لأن النار سوف تلتهمك على الفور وإلى جهنم تأخذك ..

قلت : أليس هناك احتمال للرحمة ؟

قال : الاحتمال دائماً موجود ولا أحد يعرف إرادة الله إلا هو فإذا غفر يكون لغفرانه معنى المشروعية .. ولكن لا أعتقد أنه سيفعل فهذا التحريم الجديد هنا .. هو من النظام العام ..!

قلت : في الأرض من كثرة ما عانينا من مظاهرات التأبيد ومن نعم نعم للحاكم .. ومن التقيد بالأحكام المطلقة من النظام العام صرنا نشتهي مظاهرة احتجاج ونحلم بلا نقولها .. وبدستور مرن ليس فيه الكثير من النظام العام ..

قال : في الأرض شيء .. وفي السماء شيء آخر ، لأن لا أحد يستعبدكم ويجلدكم ويجبركم ففي حضرة الخالق للطاعة معنى الحب لا الإكراه .. فما حاجتك يا رجل إلى أكل الثمرة المحرمة وماذا تنفعك ..؟

قلت : الآن أقنعتني ولن أقرب هذه الثمرة ولكن لو تحدث ربنا فيشفق على الملايين الملايين من رعيته في الأرض وأن يمنحهم فرصة حرية يقولون فيهل للظالم أنت ظالم ويرفعون للعادل راية الطاعة ...

قال : هو سيفعل لا محالة ولكن لا بد من مساعدة الناس له في هذا الأمر ... فالظالم يستمر ما قبل الناس به والاستبداد يبقى ما استمر النفاق له ... الله يساعد رعيته ولكن عليها أن تصرخ ليسمع صوتها الخالق ...

 

 

ـ 19 ـ

رأيت خيمة عربية على حدود الجنة فسألت الملاك عنها

فقال : لا عليك .. لا تفكر بها كثيراً ، هذه المنطقة ليست في الجنة ولا في النار بل بينهما ..

قلت : فكيف ؟ .. وهل عند الخالق مناطق حرة بينهما ؟

قال : لا يوجد سوى الجنة والنار ولكن هنا منطقة إنتظار يتوقف عندها بعض الوافدين من الارض بانتظار قرار الخالق في شأنهم..

قلت : ومن فيها الآن ؟

قال : حكام كثيرون لبعضهم حسنات ولبعضهم سيئات وبانتظار معرفة كم واحداً قتلوا وسحلوا وسجنوا وعذبوا وكم فقير انقذوا وفلاح مستغل حرروا يحتاج الأمر لوقت في خيمة الانتظار ..

قلت : أرى عقالاً عربياً من بعيد .. فمن هو يا ترى ؟

قال هذا ياسر عرفات ..؟

قلت : أبو عمار الذي دافع عن حقوق اللاجئين المطرودين من أرضهم وبيوتهم وعن الذين تظلمهم إسرائيل ليل نهار ؟

قال : نعم هو كذلك ...

قلت : ولكن لماذا ليس هو في الجنة وقد امتلك هامشاً من العدل في الدفاع عن المظلومين يؤهله للجنة حتماً ...

قال : لا تتجاوز حدك .. فللخالق طريقة حساب قد لا يفهمها الناس .. ربما هو ارتكب ذنوباً شخصية ربما قتل بشراً في حرب لبنان ... وفي يوم الموازين يحتاج الحساب لوقت في خيمة الانتظار ..

قلت : في الأرض كانت مشكلة عرفات مع اليهود أنه يريد عودة المهجرين إلى بيوتهم ولم تكن لديه عصبية ضد اليهود كدين ..

قال : ولكن بعض أتباعه تعصبوا دينياً ..

قلت : ربما بفعل الظلم الذي يولد المضادات وبعضها هو التعصب ..

وعلى ما اعرفه لم يكن إلغاء الآخر وارداً في ذهن أبي عمار بدليل أنه دعا إلى دولة فلسطينية ديمقراطية لجميع الطوائف والأديان ولم يطلب سيادة طائفية ولا دينية ...

قال الملاك : نعم هو كذلك قال ولكن مشكلة الأرض التي صار فيها سكان جدد عمروها وأقاموا فيها حضارة ودولة هي السبب في إيجاد الحل العادل .. فإلى أين يذهب هؤلاء الآن وقد توالدوا لنصف قرن تماماً كما توالد مئات الألوف من المهجرين ...؟

قلت : هل يعني ذلك أن هذه الخيمة التي أودع فيها الله الخالق أبا عمار هي بانتظار حل مشكلته فوق ؟

قال : تماماً

قلت : في الأرض أعطوه الخيام ريثما يتم حل مشكلتهم وهم فيها الآن منذ ستين عاماً وليس في الأفق حل وواقع غير الخيام .

قال : وفي السماء يبدو أن الأمر يحتاج لوقت وخيام ريثما يقرر الخالق مصير الذين هاجروا إلى فلسطين وولدوا فيها ومصير الذين توالدوا في الاغتراب من أهلها العرب فإذا اختار الله السلام فسوف يعودون ... قضية صعبة تحتاج لخيمة الانتظار حتى يقرر الخالق أمراً وحلاً يريده ..

قلت : سلم لي على عرفات .. خلقه الله قائداً سواء في خيمة الأرض أو في خيمة الانتظار ...

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ـ 20 ـ

ذلك الطفل الذي لم يتجاوز عمره خمس سنوات .. ما شأنه في هذه الجنة ومن سيكون ؟

قلت له : يا ولدي من أين أنت ومن جاء بك ؟

قال : أنا من الدانمرك من بلدة في شمالي أوربا ..

قلت : عظيم .. كنت أظن أن الجنة مخصصة ، لنا نحن أهل الشرق باعتبار أننا شعب الله المختار ...

قال : منذ جئت هنا دخلت الجنة ، لم يحاسبني أحد ولا أي ملاك سألني . كانوا هنا ينظرون إلي بعطف أبوي كأنني ملاك صغير..

قلت : هو كذلك ولكن هل حتى الآن لم نعرف سبب وجودك هنا، مع أن من حقك أن تعرف لو سألت ؟

قال : نعم سألت ، فقيل لي ، أنه كان في بلدي الدانمرك حاكم فظ وظالم ومستبد يكرهه الناس ويخافونه وكان إذا أطلق حراسه البوق بأن موكبه سيخرج من القصر يجب على كل الناس أن يتركوا متاجرهم وأعمالهم ويدخلوا بيتوهم حتى يطلق البوق نهاية المسيرة وإذا وجد الحراس أي شخص قي الطريق امرأة أو رجلاً أو طفلاً وحتى إذا أحسوا بأن أحدهم يتلصص من وراء حجاب يقتل فوراً .

قلت : وما علاقتك أنت بالأمر ...؟

قال : كنت طفلاً صغيراً ألعب على باب البيت حين أطلق الحراس الأبواق فلم أفهمها بل ذهبت باتجاهها وفي تلك اللحظة وعند مرور موكب الملك أحسست بالحاجة للتبول فأخرجت حمامتي وأطلقتها بوجه الموكب ...

الحراس توجهوا نحوي وقتلوني ...

قلت : يالوحشيتهم .. طفل قتل لأنه بول ؟

قال : اهلي اعتبروني معبراً عن كل الشعب لأبول على حاكم مستبد واعتبروني شهيداً . وصنعوا لي تمثالاً في ساحة العاصمة بعد ذلك تعبيراً عن معنى استشهادي في زمن الاستبداد .

قلت : ولكن ما علاقة ذلك بوجودك في الجنة ..؟
قال : يوم الحساب قيل لي أن هذا الفعل الطفولي كان بإرادة الله الذي أراد عن طريقي أن يقول للمستبدين والظالمين إنه إذا عجز الكبار عن التعبير بسبب الخنق .. فإن حمامة طفل وديع تستطيع أن تبوّل على أكبر المستبدين ... وهكذا صرت هنا مكرماً ...

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ـ 21 ـ

هذا فرعون ومن لا يعرف في الأرض الفراعنة وقد حكموها لعدة ألوف من السنوات في وادي النيل وامتداداً إلى بلاد الشام...

قلت له : عجباً أنك مع كل سلطتك القوية وعنفك على عبيد الله ومع أنك نصبت نفسك إلهاً يعبد دون الله وزعمت أنك خالد وأمرت بأن تحنط لتعود مرة ثانية وتحكم الأرض ... أراك في الجنة ..

قال : نعم وانا ظننت أنني سأكون في مكان آخر كجهنم إلا أن مقياس يوم الموازين مال بقوة نحو حقي متجاوزاً كل ما ذكرت..

قلت : وما هو هذا الكيل الذي أمال كفة الميزان ؟

قال : لأنني فقط كنت أطلب من القضاة الذين أعينهم للحكم بين الناس وقبل تسلمهم مناصبهم أن يقسموا أمامي بانهم لن يطيعوا أوامر فرعون الخاصة فيما لو طلب منهم ما يخالف العدالة ".

قلت : فقط من أجل هذا القسم ؟

قال : نعم لأن العدالة السماوية اعتبرت ذلك عظيماً ففرعون الذي هو فوق كل الناس وسيدهم وحاكمهم هو تحت سقف العدالة لا فوقها وقضاة دولته يحكمون بالعدل ويرفضون طاعة فرعون إذا طلب إليهم ما يخالف العدالة ولا يخشون سطوته عليهم ..

فرعون في نظر الله وإن كان عظيماً فإن الله لا يريد حاكماً يضع القضاة ويامرهم بما يخالف العدالة وما دمت قد فعلت هذا الصواب فقد لقي ذلك قبولاً من الخالق وأراده درساً لكل الحكام لعلهم يتعظون بفرعون الذي استحق الجنة لأنه كان كحاكم تحت سقف العدالة لا فوقها.

 

 

 

 

 

 

ـ 22 ـ

هذا الشيخ يجلس هناك قرب منهم وينظر بعيداً في الأفق .. كان أكبر سناً من الآخرين ، ربما يحمل على كتفيه تاريخاً أفضل لكي يستحق الجنة ..

قلت : يا شيخ منذ متى أنت هنا ، ولماذا على ضفة النهر تجلس في حين أن أكثر الآخرين اختاروا ظلال الشجر ؟ .

قال : يا بني إن لله في خلقه شؤون .. فإذا اخترت النهر واختاروا الشجر .. فهذا خيار لا حرمة فيه ولا خطأ ..

يذكرني النهر ببردى في الشام وبالنيل في مصر فقد رافقاني في حياتي الدنيوية .. وحين وحدت مصر والشام كان ذلك خيراً .

قلت : إذن أنت صلاح الدين الأيوبي الذي حرر القدس من الفرنجة بعد مئتي عام من الاحتلال ؟

قال : نعم وبحمد الله وحين التقى بردى بالنيل كان ذلك عوناً لا ينكر .. لقد هزمتهم السماء لأنهم غزوا واحتلوا واعتدوا وهزمتهم وحدة مصر والشام فتحقق الانتصار .

قلت : إذن أنت هنا لأنك دافعت عن الأرض وعن البشر الذين قتلوا من قبل الغزاة ؟

قال : شي من هذا صحيح ولكن ربما لا تصدق أن كل حروبي ضد الظالمين لم تكن وراء وجودي يوم الحساب ..

في الأرض يقولون ويؤمنون بأنني استحقيت الجنة لهذا السبب في حين أن حساب يوم الموازين اعتمد مقياساً آخر..

قلت : عجباً وما هو المقياس الذي تم اعتماده مهملاً كل تاريخك العظيم الذي به نفخر ونحب .. ؟

قال : يوم الحساب وجدوا أنني حكمت الشرق وحين جاء الموت لم يجدوا في صندوقي غير وصية وديناراً واحداً .

قلت : حاكم بهذه السلطة المطلقة وهذا الاتساع في الأرض ليس في صندوقه سوى دينار .. هذا حقاً من عجائب الأرض ..!

قال : وما حاجتي الشخصية للمال ما دمت أقاتل مع المقاتلين وآكل معهم وأموت من أجلهم ؟

قلت : الآن كل الحكام يكرسون الذهب يهربونه للخارج وينهبون الناس ويستولون على أملاكهم .. وحاكم لا يفعل ذلك أحياناً لا يعتبرونه حاكماً فقد ترافق جمع المال مع السلطة بحيث فعلاً سيكون أمراً غريباً أن يكون الحاكم طاهراً ..

قال : أما الوصية يا بني فهي التي تركتها لابني العادل لعلة يتبعها من بعدي فلا يعثر ولا يقهر ولا أحد يسب والده ..!

قلت : وما هي هذه الوصية ؟

قال : وصية بسيطة وبلا تعقيد هي ضرورة المحافظة على كرامات الناس وأملاكهم وعدم سفك الدماء ، ففي ذهني كانت الكرامة هي باب الوطنية ووطن بلا كرامة يمكن أن يجتاحه الغزاة لأنهم سيجدونه ضعيفاً ومن لا يشعر بالكرامة في وطنه كيف سيدافع عنه ؟

قلت : يا صلاح الدين .. أنت الذي حكمت الشرق تموت فقيراً في حين حكام هذه الأيام يكدسون المليارات ولا يشبعون ويزداد ظلمهم ولا أحد منهم يفهم معنى أن يكون دينار واحد في صندوق صلاح الدين كان كافياً لا ليكون نموذجاً للحكام غير الفاسدين بل أيضاً معبراً إلى الجنة .. وودعته .

 

 

 

 

 

 

 

ـ 23 ـ

 

يا صبية هل أنت كنت في الأرض راهبة تؤنس المرضى أو مدرسة في دير الراهبات حتى أحاط الله وجهك بهذه الهالة النورانية ..؟

قالت : لا هذا ولا ذاك .. أنا ليلى ..

قلت : هي من أسماء بلادنا المحبوبة ، كانت في القديم إسماً من أسماء الخمر ثم صارت تعني سلافة الخمر .. ثم استوطنت العراق في حين اختارت سلمى الشام .

قالت : تعرف بالتاريخ جيداً ولكن أضيف إليك أيضاً أنني في العراق تحولت من اسم إمرأة إلى اسم للعراق وصار الشعراء حين يريدون الحديث مجازاً عن العراق يقولون ليلى .. وشعراؤهم قالوا :

يقولون ليلى في العراق مريضة

فيا ليتني كنت الطبيب المداويا

قلت : فعلاً وكانوا يقصدون العراق لا مجرد إمرأة .. صارت ليلى هي العراق ...

قالت : أنا هنا لأن الله بعد هذه المظالم التي حصلت بشعب العراق من مدرسة السجلّ والقتل والشنق أيام عبد الكريم قاسم إلى المدرسة نفسها أيام صدام حسين إلى المدرسة نفسها أيام الاحتلال الأميركي .. صار كل شعب العراق مظلوماً ومشرداً ومعتدى على حياته  ..

قلت : هل يعني ذلك أن وجودك في الجنة مجرد رمز لاستحقاق كل المظلومين من أهل العراق الجنة ؟

قالت : هو كذلك .. العراق ليس جنة الله على الأرض فقط ، أرضاً خصبة وأنهاراً وبحراً ونفطاً هو أيضاً جنة أيضاً احتشد فيها كل المقتولين والمسحولين والمصلوبين والمخطوفين والمهجرين .

ما ذنب هؤلاء لكي تدمر حياتهم من أجل الصراع على السلطة وعلى النفط ؟

قلت : هل يكتفي الله بوجودك في الجنة نيابة عن كل العراق .. أم هو سيفعل شيئاً لعودة الحياة إلى البلد المريض ؟

قالت : الذي سيفعل هو الشعب العراقي .. والله يساعد ولا اعتقد أن الأمور ستتحسن كثيراً إذا تخاذل الرجال الطيبون عن العمل.. كل ما يلزم لجعل الشر ينتصر هو أن تخاذل أهل العقل والصفاء الوطني عن العمل .

كان في العراق ديكتاتوريات فاسدة وظالمة وكان فيه احتلال بريطاني .. وكل هؤلاء ذهبوا وبقي العراق .. والرحيل الأخير للمحتلين الآن لن يخرج عن هذه القاعدة ويستخرجون .

قلت :  يا ليلى .. من أعاجيب الدنيا ، أن العرب الذين أحبوك انقسموا إلى قسمين أحدهما مع المحتل الأميركي والثاني يناضل لكي يقبل الأميركي به .. ولله في خلقه شؤون ..

 

 

 

 

ـ 24 ـ

في الجانب الآخر وقريباً من مجلس الملك فيصل كان الشيخ زايد بن آل نهيان يستمع ويفكر ..

قلت : يا شيخ هل اختارك الخالق لمالك أم لخلقك أم لأن الدم لم يسفك من قبلك في عملية توحيد الإمارات ؟

قال : المال لا يصنع الجنة فالمسيح عليه السلام كان يقول إنه أقرب إلى المعقول أن يدخل الجمل في خرم الإبرة من أن يدخل غني ملكوت السماوات ..

قلت : جميل جداً ولكنك غني ودخلت .. ؟

قال : ليس بسبب المال بل بسبب آخر .. فالمال هو مال المملكة ومال الله وحده ..

قلت : يا أمير ما هو السر إذن ؟

قال : كانت إمارتي غنية بالنفط وكانت الإمارات المجاورة فقيرة إليه فتقاسمت معهم الموارد وتركت لهم حرية إدارة إماراتهم وأشركتهم في حكم الاتحاد معززين مكرمين ..

قلت : نعم هذا حدث فارتضى الجميع الوحدة بدل الخصام .

قال : وفي الداخل اتبعت سياسة ناجحة تقوم على الإيمان بأن الله خلق للإنسان عقلاً يفكر ويعمل فأبحت لهم أن يصلّوا بلا حقد ولا طائفية ولا عنصرية على مبدأ أن الشيخ زايد لا يحاسب ووحده الخالق يحاسب ..

قلت : هي إذن حرية الأديان والطوائف والعناصر في دولة الاتحاد هي التي صنعت ذلك لك؟

قال : نعم وفي الساحة العربية كنت مع المظلومين حتى يتحرروا ومع الظالمين حتى يرتدعوا ويعودوا إلى طريق الحق فكنت دعماً لكل الذين احتلت أرضهم وللذين هجروا ووضعت مال الإمارات المتحدة في خدمة ذلك ..

قلت : الناس يعرفون ذلك ومن أجل ذلك أحبوك عربياً صافياً وعقلانياً غير متعصب وغنياً لا تقتر في مال ولا تتوقف عنده.

قال : أحمد الله على ذلك ، كنت أضع مثالاً للأجيال وكما كرمني الله في الآخرة كرمني الأهل والعشيرة والوطن على امتداده..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ـ 25 ـ

ها هو الملك فيصل بن عبد العزيز من لا يعرفه ولا يعرف الهدوء الذي يشع من عينيه ، كان في الأرض من خيرة ملوكها لم يفحش ولم يظلم ولم يقتل ولا هو سعى إلى يخوت وعمارات خارج مملكته ..

قلت : يا جلالة الملك ، مع كل مخزونك الأخلاقي ذهبت مقتولاً أهذه عدالة الأرض ..؟

قال : مقتولاً ممن .. ؟

قلت : من أحد أمراء مملكتك وقيل عنه مجنون وحوكم وقتل بعد ساعات من مقتلك ..؟

قال : تتقبلون الرواية الرسمية ببساطة ..؟

قلت : وما هي الحقيقة إذن .. ؟

قال : شعرت بالخطر منذ أن تركت وزير الخارجية الأميركي ينتظر مقابلتي له لأربع ساعات ثم اختصرتها بدقائق قلت فيها أريد أن أصلي في القدس ..

قلت : وماذا دار من حديث معه يومئذ ؟

قال : إنني زعزعت النظام المصرفي الأميركي يوم نقلت بشيك واحد / 25 / مليار دولار إلى البنوك الفرنسية احتجاجاً على الانحياز الأميركي لإسرائيل ودعماً لفرنسا ديغول ..

قلت : إذن من قتلك ؟ الأميركيون ؟

قال : نعم هم ولكن للأسف فإنهم أوهموا بعض أهل البيت أن مملكتهم ستزول إن لم يقتلوني ..

قلت : هل تغفر لهم ..؟

قال : الله يحاسبهم وحده .. وهو يغفر وأنا مثله سأفعل إن فعل..

قلت : يا فيصل في الجنة هل لأنك ذهبت شهيداً صرت في الجنة ؟

قال : هنا الحساب في يوم الموازين مختلف .. في حرب اليمن التي قاتلنا فيها مصر بقوتها العسكرية وأنزلت باليمن وبنا خسائر في الأرواح والأملاك وصمدنا بمواجهتها ، كان الجميع يعتقدون أننا نراهن على بقاء المملكة إمّا نحن أو عبد الناصر ..

قلت : وما علاقة ذلك بيوم الموازين ..؟

قال : حين في حرب / 1967 / انهزم عبد الناصر واحتل الصهاينة أرض سيناء حتى ساحل السويس واحتلوا القدس الشرقية والضفة وغزة والجولان في أيام كان في المملكة من فرح لسقوط عدو ..

قلت : أوضح ..

قال : يومئذ أعلن عبد الناصر استقالته فشعرت بأثر الهزيمة على العرب كلهم لأنه إذا سقط ديكتاتور عربي بإرادة الشعب شيء وإذا سقط بقوة العدو الصهيوني شيء آخر .

قلت : يومئذ قلت لعبد الناصر .. لا للاستقالة ووقفت بجانب المهزوم..؟

قال : يا بني .. مسحت في لحظة مل ما كان بيننا وتناسيت الخلاف ففي آداب المنطقة .. أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على العدو..

 

 

قلت : صحيح والله ..

قال : يومئذ هاتفني عبد الناصر شاكراً ، وحين وضعت قوة المملكة وأموالها في دعم مصر وإعادة تسلحها كان ذلك عملاً فريداً في التاريخ ..

قلت : ألهذا السبب وجد الله في تصرفك نبلاً يتجاوز الأحقاد ؟

قال : نعم .. وأدى ذلك إلى تضامن عربي شامل وفي الخرطوم كان الرد العربي موحداً لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف ولا تنازل وأدى ذلك إلى دعم دولي حين اشترطنا صدور القرار / 242 / بانسحاب اسرائيل عبر الضغط بقوة النفط السعودي ..

قلت : يا جلالة الملك هل أثر ذلك على علاقتك بعبد الناصر ؟

قال : لعبد الناصر فضيلة لا تنسى فهو أول مصري يحكم مصر وهو الذي وضع مصر على الطريق العربي وهو الذي ساند تحرير المغرب العربي من الاستعمار الفرنسي وأعاد الجزائر إلى حظيرة العرب واتفقنا على انسحاب المصريين من اليمن وبقاء الجمهورية اليمنية وفق اختيار شعبها ..

قلت : ولكن دور المملكة يمكن أن يكون قد ضعف ..

قال : لا : بالعكس تماماً ازداد صلابة بمواجهة العدو وأوجب على مصر الاعتدال في علاقتها بالعالم العربي .

قلت : هو إذن الغفران ومساندة المظلومين كان وراء اختيارك للجنة ..؟

قال : نعم .. فالكبار حين لا يتصرفون بالحقد ولا يفرحون بهزيمة الخصوم يعبرون عن نبل يعتبره الخالق من الحلال البكر ..

قلت : يا سيدي وأنت الآن في الجنة كيف ترى صورة الوضع العربي الآن..؟

قال : بعد أن قتلوني .. وقتلوا عبد الناصر .

 

 

تبعثر العالم العربي ومن رفض الاعتراف والصلح والتنازل صار العرب وحكامهم يلتمسون اعتراف العدو ولم تعد القدس ..

قلت : كانت أمثولة في الوفاء والتسامح وعليهما يوم الموازين تم اختيارك للجنة ..

قال : شيء من هذا صحيح .. فالله لا يحب الحقد ولا التعصب وحين يحضر الغفران وتحضر المسامحة يكون لفعلها أجر عظيم ..

 

 

 

 

 

 

 

 

ـ 26 ـ

سألت عن المتنبي أبو الطيب .. ففي الأرض اتهموه بأنه ادعى النبوة لذكائه ولشعره العظيم وقلت لا بد أنه هنا ولكن عبثاً عرف أحد بوجوده فاستغربت فسألت ملاكاً على باب الجنة عنه فقال .. لا .. ليس هنا .. هو الآن في جهنم ..

قلت : أبو الطيب المتنبي كان شاعراً عظيماً فهل بسبب مدحه بعض الحكام كانت جهنم مقامه ..؟

قال : لا . هذا الرجل في جهنم لسببين ..

الأول هو لأنه كان عنصرياً يحاسب الناس على أصولهم وألوانهم ويتهكم على الله الذي خلقهم .

قلت : مثل ماذا .. ؟

قال : لقد هجا كافور لأنه كان عبداً ولأنه أسود ولأنه كان يباع بأبخس الأثمان .. ألم يقل : لا تشترٍ العبد إلا والعصا معه

إن العبيد لأنجاس مناكيد

أم أذنه في يد النخاس دامية

                          أم قدره وهو بالفلسين مردود ؟

قلت : نعم قال ذلك .

قال : هذه العنصرية مرفوضة من الخالق الذي لا يفرق في اللون والجنس وهذا الكافور كان في نظر الله رجلاً عصامياً ورغم نظرة الناس إليه كعبد حكم مصر وجاء بأكبر شعراء المنطقة المتنبي إلى بلاطه ليمدحه ..

قلت : وأبو تمام أين هو ؟

قال : هو مثل المتنبي في جهنم لأنه أعطى الأفضلية للقوة على الفكر والعقل والحق ..

قلت : كيف .. ؟

قال : أليس هو القائل ..

السيف أصدق أنباء من الكتب

في حده الحد بين الجد واللعب

قلت : نعم وما في هذا الأمر من عيب .. القوة هي التي تصنع التاريخ ..

قال : نعم قد تصنع التاريخ في الأرض ولكن هنا لا تتقدم لا على الحق ولا على العقل ..

يا بني هذا الشاعر كان وراء تعزيز مدرسة القوة والعسكرية التي تتحكم برقاب البشر في الأرض .

السلطة التي تنبع من فوهات البنادق هي من بنات أفكار هذا الشاعر وهي التي تركت عندكم موروثاً كبيراً من الظلم والخوف والحكم العسكري على حساب إلغاء دور العقل .

قلت : ومن أين تنبع السلطة عند الله .. ؟

قال : تنبع من إرادة الناس .. من صناديق الاقتراع لا من فوهات البنادق..

 

 

 

ـ 27 ـ

محي الدين درويش الشاعر الحمصي ، كان على الأرض ، يشرب العرق وأمامه صحن حمص وبذورات وحوله أصحاب يأنسون إلى حديثه وأشعاره ..

هو الآن في الجنة مع أنه في الأرض لم يمارس عبادة ولا صلاة ولا صوماً .. ليس كفراً ، فالرجل كان من أطيب الناس معشراً محباً ومحبوباً ...

كان في أفكاره وأشعاره فيلسوفاً وفي لغته العربية لا يجارى.

قلت : ها .. قد تلاقينا هنا وكما كنا نشرب العرق في حانوت السلطان ( أبو ليان ) في حي الحميدية يمكن أن نشربه هنا فلا يسكر ولا من يقول لنا ارحلوا فقد انتصف الليل .

قال : أتذكر ذلك ؟ .. لم أتوقع أبداً أن أكون في الجنة وعلى الأرض لم أكن انتظر غير جهنم من كثرة ما ردد رجال الدين من محرمات ونار وعذاب ..

قلت : والله إنه لأمر عجيب فهل أخبرتني كيف في يوم الموازين تم حسابك..؟

قال : لم يحاسبني أحد ولا سألني فالأمور هنا كلها مبرمجة ومكتوبة وما يحدث هو الموازنة بين السيئات والحسنات وربما حسنة واحدة تكفي لمنح الإنسان الغفران عن كل السيئات ..

قلت : ربما لأنك قمت بإعراب القرآن الكريم في عشرات الأجزاء وشرحت آياته وفسرتها على ضوء مفهوم اللغة في عصر النزول .

قال : ليس الأمر كذلك أبداً .. ولكنها من الحسنات على كل حال .

قلت : يا محي الدين ما هو الخبر إذن ..؟

قال : في يوم الموازين انتصر بيت واحد من الشعر قلته في مظاهرة شعبية احتجاجية على فتن الطائفية قام بها في حمص بعض الغوغاء وأحرقوا إحدى دور السينما ونهبوا محلات بيع الخمور وأرادوا فتنة دينية مشبوهة ..

قلت : أذكر ذلك وكان أمراً غريباً في مدينة حمص المتعايشة والتي ترفض العنف .

قال : هو الله قال ذلك رافضاً هذا السلوك فيوم الموازين قيل لي أنك استحقيت الجنة لأنك في التظاهرة قلت شعراً .. قلت فيه..

إنْ كان للدينِ شأنٌ في تفرقنا

                          فقد برئتُ وربِ البيتِ من ديني

قلت : بيت من الشعر فيه من المعاني الإلهية ما يصلح لكل الأجيال ومن أجله رحبت بك  الجنة ..

قال : العمل الصالح عند الله هو ما يجمع ولا يفرق ولا يعتدي ولا يسفك دماً وما عدا ذلك تفاصيل .

 

 

 

 

ـ 28 ـ

سألت من هذا الفارس الأسمر الذي يعتلي في الجنة حصانه كما لم يفعل ذلك غيره فقيل لي هذا أبو ذر الغفاري .. الفقير الذي قاوم هجمة الأغنياء في خلافة عثمان بن أبي عفان ..

قلت : يا أبا ذر كنا في الأرض نعتبرك اشتراكياً رغم أنك عشت قبل أربعة عشر قرناً من انتشار الأفكار الاشتراكية .

قال : لا أعرف شيئاً عن الاشتراكية ، أنا قاومت الذي اغتنوا من مال السلطة وقلت أن الحاكم لا يحق له أن يطلق يده في أموال المسلمين يتصرف بها برأيه وهواه ..

قلت : الموقف من الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله كانوا في المسيحية لا يدخلون ملكوت السماوات وفي الإسلام أيضاً .

قال : قال الله تعالى ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم .. ) .

قلت : وعلى ما أعلم أنك كنت تقول أن كل فرد له في مال المجتمع حقوق تماثل حقوق الآخرين وهذا كان تطوراً ملفتاً للنظر ..

قال : نعم المساواة في الواجب هي كالمساواة في الحقوق فكيف يكون الفرد مساوياً للآخر إذا كانت أموال المجتمع لا توزع على الجميع بعدل..؟

قلت : ولماذا أنضم إليك الفقراء وهجرك الأغنياء ؟

قال : لاحظ عثمان بن عفان تكاثر الفقراء حولي فخشي من ذلك وأحضرني إليه وسألني الخبر فقلت له ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين في الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين .

قلت : نعم يومها قال لك عثمان بن عفان . أترون بأساً أن نأخذ مالاً من بيت المسلمين منفعة فيما ينوبنا من أمورنا ونعطيكموه ؟

قال : نعم سأل ذلك وقلت له .. ذلك لا يحل لكم فقال لي ما أكثر أذاك لي يا أبا ذر .. غيب وجهك عني ، قد آذيتنا فخرجت إلى الشام ..

قلت : وفي الشام رأيت العجب في النهب والسلب وسيطرة حواشي العائلة الحاكمة ..

قال : نعم وقلت لمعاوية .. لقد أغنيت الغني وأفقرت الفقير وقلت له أن يتقي الله في أمانة المال لديه ..

قلت : لقد استمريت في مهاجمة الأغنياء في الشام .. وأذكر أنك أثرت في الشام ما يشبه ثورة الفقراء .. ضد الأغنياء ..

قال : يومها جاءني معاوية وقال لي خير لك أن تنتهي عما أنت فيه فقلت له والله لا أنتهى حتى توزع المال على الناس كافة ويومها غضب مني معاوية وأعادني إلى المدنية وهناك الخليفة حجزني في قرية الربزة بعيداً عن الناس ..

قلت : ولكن علي بن أبي طالب شايعك الرأي ..

قال : ليس تماماً ولكنه خرج إلي وداعي وقال لي ( يا أبا ذر إنك غضبت لله فأرجو من غضبت له ، أن القوم خافوك على دنياهم وحقهم على دينك فاترك واهرب مما خفتهم عليه وما أغناك عما منعوك وستعلم من الرابح غداً والأكثر حسداً ..

لا يؤنسك إلا الحق ولا يوحشك إلا الباطل فلو قبلت دنياهم لأحبوك ولو قرضت منها لأمنوك ) .

قلت : يا أبا ذر لقد توفاك الله في المنفى عام 32 هـ .. وتذكر الناس أن رسول الله قال فيك يرحم الله أبا ذر يعيش وحده ويموت وحده ويبعث وحده .. فكان ما تنبأ لك به هو الذي تم ومن أجل دفاعك عن الفقراء اختارك الله إلى جنته التي إليها بعثت ..

 

 

 

 

ـ 29 ـ

شخص نحيل ، عيناه تتوقدان ذكاء ، يعيش معتزلاً عن أهل الجنة وعيناه تنظران في الأفق البعيد ..

قلت هو مفكر ، ربما فيلسوف ، ربما زاهد .. ربما هو يمارس اليوغا الهندية ..

قلت : لماذا أنت معتزل في الجنة والناس يعيشون حالة الاندماج..؟

قال : ربما لأنني في الأرض كنت من المعتزلة .. أنا ابراهيم النظام هل عرفتني ..؟

قلت : ومن لا يعرف أول قادة حركة العقل .. ؟

قال : أنا دعوت إلى الحرية الإنسانية في التصرف والسلوك وطالبت كل مسلم أن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر واعتمدت على العقل في كل مسألة وما يقبله العقل نقره وما يأباه نرفضه والمعارف كلها ( معقولة بالعقل وواجبة النظر بالعقل ) .

 

قلت : لقد تأثرتم بالفلسفة اليونانية كما زعم خصومكم ..

قال : نعم وليس زعماً فقد وجدنا فيها ما يرضي فهمنا العقلي وطموحنا الفكري وانتفعنا بطرقها في الرد وإدراك المعقول ومواجهة الدليل بالدليل ..

قلت : على ما أعتقد بأن الخليفة المأمون أيدكم فتحولت حركة المعتزلة إلى السياسة ..

قال : نعم وبسبب ذلك صار ضدنا الزنادقة والفقهاء الذين اعتقدوا أن المعتزلة أحدثوا خرقاً في الإسلام ..

قلت : يقال أنكم ذهبتم إلى تأويل نصوص الكتاب .. ؟

قال : كان ذلك بسبب الثقة بالعقل والتأويل هو للانسجام مع العقل لقد واجهنا خصومات تعتمد الغيبيات وتهمل العقل .

قلت : يا ابراهيم .. ثم بعد ذلك كل الحكام تولوا القضاء على حركتكم حتى انتهى الأمر إلى مجتمع الطاعة وصار الحاكم مرسلاً من الله لا يحاسبه أحد ولا يسأله وحسابه من اختصاص الخالق ..

قال : نعم ولكن الله الذي فوق يوم الموازين اعتبرني مستحقاً لهذه الجنة لان الدين عند الله هو العقل ..

سألت عن أبي جعفر المنصور الذي كان وراء سقوط الدولة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ـ 30 ـ

الأموية وقيام الدولة العباسية في بغداد ، لقد أقام ملكاً واسعاً وسيطر على شرقي المتوسط حتى الصين وسألت عما إذا كان ذلك كافياً لوجوده في الجنة .

قال الملاك الحارس للجنة .. لا هذا الرجل في جهنم .

قلت : هل لأنه قتل كل أبناء وأطفال ونساء ورجال بني أمية في حملة وحشية لم توفر حتى قبور الخلفاء الأمويين ..؟

قال الملاك : ليس الأمر كذلك فقط ، فالوحشية هي بالتأكيد وراء القرار السماوي بحقه ولكن في الأمر ما هو أهم عند الله في تصرف الرجل.

قلت : هل فعل شراً أكثر فأغلق الله أمامه باب الغفران ؟

قال الملاك : نعم فحين جاءه وفد من أهل حمص يشكو إليه فساد الوالي وظلمه قال لهم أن هذا الوالي من الصالحين وأنتم في حمص كثير والإدعاء بفساد الحكام ..

قلت : أذكر أن الوفد قال له يا أمير المؤمنين ما دام صالحاً في رأيك لماذا لا توزع صلاحه على غيرنا وقد قضى بيننا سنوات ؟

قال الملاك : يومها قال لهم هو صالح لي ولا أبدله فقال الوفد وما هي صلاحه الذي يجعلك تؤيد بقاءه ولا تسمع أنين المظلومين من وحشيته ونهبه ..؟

يومها قال المنصور : هذا الوالي يخافني ولا يخاف الله ..

قلت : عندئذ عاد الوفد الحمصي يخفي حنين ..

قال الملاك : حين الحاكم لا يخاف الله ويسعى إلى ولاة على شاكلته لا يخافون الله في الرعية هل يمكن أن يفتح له باب الغفران ..؟

 

 

 

 

 

ـ 31 ـ

هذا هو الجنرال ديغول .. من لا يعرفه على الأرض وهو الذي قاد مقاومة الفرنسين ضد المحتلين الألمان ثم أقام الجمهورية الفرنسية الجديدة ..

قلت : هل أنت غاضب من أهل سورية الذين كانوا يهتفون بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ( ديغول خبر دولتك باريس مربط خيلنا ) .

قال : كان ذلك جزءاً من الحالة الشعبية وأنا أقر غضبهم فلكل شعب الحق في تحرير أرضه ..

قلت : كثيرون في الأرض اعتبروك رائد حرية الشعوب بعد الحرب العالمية الثانية فهل وجودك هنا كان لأنك دعوت إلى إزالة الاستعمار من العالم  .. ؟

قال : شيء من هذا صحيح ولكن في يوم الموازين دخلت الجنة لسببين إضافيين .

قلت : هل لأنك دعوت إلى دولة ديمقراطية تعددية ؟

قال : نعم فقد قلت لا يجوز أن تحكم فرنسا من شخص واحد يتحول إلى ديكتاتور لأن التعددية في فرنسا جزء من مخزونها الشعبي فكيف يحكم شخص واحد بلداً فيه / 300 / نوعاً من الجبنة ؟

قلت : والسبب الثاني يا جنرال ؟

قال : حين قررت إنهاء ضم الجزائر إلى فرنسا ودعوت إلى الجلاء عنها رفض الجنرالات فيها أمري وقرروا العصيان ورفض الجلاء ..

قلت : يومها لبست الثوب العسكري وخاطبت شعب فرنسا فماذا قلت؟

قال : قلت لهم لا أحد بالسلاح يحق له تجاوز قرار الأمة الفرنسية السياسي بضرورة تحرير الجزائر من الاستعمار وآثاره .. وقلت للعصاة عليكم أن تفهموا أن الجيش الفرنسي ملك لفرنسا وليست فرنسا ملكاً للجيش الفرنسي ..

قلت : نعم ويومها استسلم العصاة وسجنوا .

قال : يا بني إن الخالق اعتبر أن السلاح وحده لا يجب أن يكون المسيطر على حق الشعوب وإرادتها في العيش المشترك وأنا باعتباري صاحب مدرسة أولوية القرار السياسي على القرار العسكري فإن الله اختارني في الجنة لأن الله الخالق لا يريد سيطرة للسلاح على حقوق البشر وحرياتهم ..

قلت : ولكنك استعملت سلاح المقاومة واحتكمت إليه في تحرير فرنسا من الألمان ؟

قال : نعم وهذا في عرف الله مشروعاً لأن من حق فرنسا أن لا يحكمها أجنبي محتل .. أما في مثال الجزائر فالناس رفضوا الانضمام إلى فرنسا ورفضوا سيطرتها على بلادهم والله مع حرية الناس حيثما كانوا وكما كان الله مع فرنسا حتى تحررت هو مع الجزائريين . حتى حصلوا على الاستقلال .

 

 

ـ 32 ـ

هذه أم كلثوم ... أم المصريين وأم العرب ، الجرس الذي ظل نصف قرن يقرع آذاننا بأحلى الشعر والغناء الذي في الليل يؤنس من لا ينام ..

يا أم كلثوم ، هل اختارك الخالق للجنة بسبب صوتك الإلهي أم بسبب أخلاقك أم بسبب المتراكم من دعاء الناس لك بالجنة في السماء وبالصحة في الأرض ؟

قالت أم كلثوم : أما جمال الصوت فهو هبة من الله ليس لي فيه غير استخدامه للخير والفرح والحرية ..

قلت : في الأرض قالوا أن أغاني أم كلثوم على جمال ألحانها تخفى وراءها بعض المعاني .

قالت : مثل ماذا ؟

قلت : يقولون إنها تعبر عن الصبر العظيم الذي يتمتع به الشعب العربي الذي هو الوحيد في العالم الذي يستمع بنشوة لأغنية لك تقول : يطولوك يا ليل .. يقصروك يا ليل وترددينها ألف مرة ولا يملّون منك ويصل الراكب بالطائرة من القاهرة إلى روما ووصلتك هذه لم تنته !

قالت ضاحكة : كل ما أردده ليس نفس النغمة والطريقة ؟ هناك دائماً اختلاف يشعر معه المستمع بالفرح فلا يمل وكثيرون يتأوهون طرباً والصبر المكروه هو الصبر على الظلم والفقر أمّا الفرح فلا ...

قلت : على أي حال كان العرب يسهرون ليلة الخميس من أول كل شهر على راديو مصر الذي ينقل حفلتك الشهرية وعملياً توحد العرب واجتمعوا على أمر واحد هو لقاء أم كلثوم في كل شهر فكان ذلك بداية التوحيد العربي .

قالت : الصوت الجميل واللحن ومعاني الكلمات كلها مجتمعة صنعت وحدة العرب في تقدير فني وطبعاً أصوات المداحين والمنافقين وخطب الساسة المتلونين الفاسدين لا تصنع وحدة وتظل نشازاً لا يحبه الناس .

قلت : ترى هل لأن الناس أجمعوا على حبك وتقدير خلقك اختار لك الله الجنة ؟

قالت : ربما ... وفي يوم الموازين سألوني ما أحب أغانيك إليك ؟

قلت لهم .. الأطلال .. أعطني حريتي أطلق يديا إنني أعطيت ما استبقيت شيئاً .

قالوا لي إن ارتباط الفن بالحرية وبالحب وبالصوت الجميل يأخذ المشروعية للدخول إلى الجنة ... وغناء هابط ولحن فاسد ليس له سوق في يوم الموازين غير جهنم ..!

قلت : يا أم كلثوم لقد ربحتك الجنة وخسرتك الأرض هناك إذا غنيت يشعرون بالمعنى العظيم لاستحقاقهم الجنة .. الجنة صارت هي الجنان وأنهار العسل وأشجار التين والزيتون والحوريات والهدوء الواسع وصوت أم كلثوم فهنيئاً للسماء بك ، ازدادت بك علواً وجمالاً وخلقاً .

 

ـ 33 ـ

سألت ملاكاً عن هذا الجالس فوق قمة الجبل وحيداً معتزلاً ونظره يمسح امتداد الأفق ؟

قال لي ، لا تذهب إليه لا يستقبل أحداً بدون موعد هو في السماء كما كان في الأرض زعيم تطيعه حباً لا خوفاً وتحترم فيه علماً لم يسبقه إليه أحد في زمانه .. إنه أنطون سعادة ..

قلت : قرأت له الكثير وأعرف أتباعه كان نصف علماني ونصف عنصري قومي وكان أيضاً نصف اشتراكي ذهبت إليه وحين شاهدني أومأ إلي من بعيد أن اقترب ..

قلت : يا زعيم هل ما زلت على أفكارك في المادة والروح التي توزع البشر في الانتساب إلى مدرستها ؟

قال : نحن قلنا المدرحية أي المادة والروح تكملان بعضهما وتندمجان في صنع الحياة البشرية ولا أفضيلة لإحداهما على الأخرى لأنهما لم يوجدا إلا ليوحد أحدهما الآخر ..

قلت : يقولون في الأرض أنك قومي متعصب تكره العرب وتعتبرهم دون قوميتك السورية ..

قال : هذا كلام أعداء سياسيين . فأنا قلت أن العالم العربي فيه خصائص قومية مختلفة فالمغرب الغربي أمة متشابهة ومصر والسودان أمة والجزيرة العربية أمه وبلاد الشام والعراق أمة سورية .. كلها من أمم العالم العربي .

قلت : القوميون العرب لا يعترفون إلا بقومية عربية واحدة ويعتبرون غير ذلك من القوميات في عداد القوميات الشعوبية ..

قال : إنهم يعتبرون اللغة العربية هي عمود القومية ويعتبرون امتدادها امتداداً لقومية عربية موجودة على الورق .. والإسلاميون يخلطون بين ديار الإسلام والأمة الإسلامية فالدين وحده لا يصنع قومية لو احتكم للعلم والتاريخ .

قلت : لماذا إذن اعتبروكم في صف أعداء العروبة ؟

قال : أنا قلت .. نحن قلب العالم العربي وسيقه ورمحه ولم أقل أبداً أننا لسنا جزءاً منه .. نحن من أمم العالم العربي ونملك الخصائص التي تؤهلنا لقيادة العالم العربي وأحداث النهضة والتطور فيه .

قلت : يقولون أنكم ضد الدين وأنكم تدعون إلى فصل الدين عن الدولة.

قال : نحن نعيش في مجتمع تعددي في طوائفه وأديانه وعناصره ولذلك اعتبرنا أن الدين مسألة شخصية والدولة تنظر إلى جميع رعاياها نظرة مساواة فلا تمييز في الدين والطائفة والعنصر والعبرة للولاء الوطني وتوجد أحزاب مثلنا في العالم كله ..

قلت : ألا تعتقد معي أن نظريتك في فصل الدين عن الدولة جاءت في غير أوانها في مجتمع متخلف يسيطر عليه الدين من كل الأديان والطوائف ..؟

قال : مهمة الطليعة أن تتقدم بأفكارها فمادام هناك حاجة لنهضة قومية وتحرر ودولة قوية ومجتمع متعايش فإن هذه الأفكار تكون جاءت في أوانها في تلبية هذه الحاجة .

قال : لماذا قتلوك في لبنان .. هل من أجل قوميتك السورية أم من أجل قيامك بثورة على نظام الحكم .. ؟

قال : لبنان بلد نظام الحكم فيه عبارة عن اتفاق بين ممثلي الطوائف لحكم الشعب وهؤلاء وهؤلاء احتكروا السلطة وجيّروها لمصالحهم ونشوء حزب يقاوم الطائفية والتعصب ويدعو للتعايش هو السبب في حذفي جسدياً اعتقاداً منهم أن الحزب سيموت معي .. ولكن الموت بمحاكمة لا عدالة فيها وخلال ساعة من الزمن فاجأتهم بحزب لم يمت .

 

 

قلت : هل اختارك الله في الجنة لأنك قتلت في محاكمة غير عادلة أم لأنك دعوت إلى إلغاء نظام الطوائف ؟

قال : لا هذا ولا ذاك .. الطابع الإنساني لأفكاري هي وراء هذا الوجود .. فنحن نتعامل مع أفراد شعبنا كمواطنين وعندنا كل مواطن هو تابع وطني لا ديني ولا طائفي .. هو إنسان أولاً وهو سوري ثانياً وعلى هذه القاعدة خلقنا تعايشاً ومحبة وجدها الله جدير بالتقدير..

قلت : الكثيرون قالوا أنكم وكل أتباعكم ستكونون في جهنم لأنكم فصلتم الدين عن الدولة فكيف حدث العكس .. ؟

قال : مثل هذا الكلام من أعمال السياسة نحن لسنا ضد الدين ولا دعونا إلى الإلحاد ولكن في بناء الدولة دعونا إلى فصل الدين عن الدولة لا إلغاء الدين ولا تقييد حرية الأديان ولا إنكار دورها في بناء الأخلاق الفردية ..

قلت : هل تعتبر أن الله أنصفك كمفكر وسياسي أكثر مما أنصفك بعض الأهل في الأرض .

قال .. نعم في الأرض قتلوني وشردوا رفاقي ولكن عزائي أن روح النهضة التي دعوت إليها ما تزال في عز شبابها ..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ـ 34 ـ

إمرأة ورجل ، كلاهما كبير السن ، يجلسان متكئين ويتهامسان كما عاشقان في زمن الشباب ويشعان بالحنان ..

قلت : هل تسترجعان الماضي ؟

قال الرجل : ما يجمع بيننا لا علاقة له بالزمن وهو ينتهي أو يتراخي بمرور الوقت ..

قلت : هل هنا التقيتما .. أم من الأرض معاً جئتما ؟

قالت المرأة : نحن في الأرض كنا زوجين وجاء هو إلى هنا أولاً وأنا بعده بعام واحد والتقينا بإرادة الله .

قلت : عجيب أمركما ، فغالباً لا يأتي الزوجان معاً فهل تخبراني كيف ولماذا .. ؟

قال الرجل : كنا زوجين لواحد وخمسين عاماً ، أنا من عائلة معروفة وكنت تاجراً كبيراً في السوق وهي وحيدة والديها من عائلة موازية..

لم نرزق أولاداً وكنا نعتمد على أولاد أخي في كل أمر .. كانا طيبين إلى أقصى حد .

قالت المرأة : لا تكرر الأمر أمام هذا الغريب .

قال : في الجنة لا توجد أي ضرورة لإخفاء الحقيقة ولا غريب هنا في أخوة الجنة ..

قلت : وما هي الحقيقة ؟ 

قال : قبل وفاتي بشهر فوجئت العائلة وخاصة أبناء أخي أنني سجلت كل ما أملك من عقارات وما عندي من أموال بإسم زوجتي هذه ..

قالت : والله لا أنا طلبت ولا هو استشارني ولو فعل لقلت لا..

قال : كثر الحديث عن هذا التصرف ووجده أبناء أخي أمراً غير عادل فدعانا رجل دين نحترمه إلى جلسة عنده فحضرنا جميعاً .

قال رجل الدين أولاد أخيك لا يحتجون على تصرفك ويحترمون إرادتك ولكنهم يسألون هل أساؤوا إليك أو إلى زوجتك في شيء فإن قلت لا يكون حقهم قد وصلهم .

قلت : وماذا كان جوابك يا رجل .. ؟

قال الرجل : أنا سجلت الأملاك والأموال باسمها لأنها منذ 51 عاماً عاشت معي وما تزال بكراً حتى الآن لم تحتج ولم تخبر أحداً ولم تعاتبني وعاشت معي راضية بقسمة الرحمن .. هذه المرأة الفاضلة من يجد مثلها في العالم ؟ .. وما دامت على هذا الخلق لا أعتقد أنها ستحرمكم من شيء بعدي .. كان ذلك تكريماً لهذه الفضيلة.

قالت المرأة : يومها بكى رجل الدين وبكينا جميعاً وتصافحنا واتفقنا على بقاء السر .. ثم مات زوجي وفي يوم أربعينه أعطيت أولاد أخيه وكالة عامة غير قابلة للعزل ليتصرفوا بكل شيء .. ثم غادرت الحياة بعد أشهر وقد أحاطني الأولاد بحب لا يمكن أن يتكرر ..

قلت : إذن الخالق يوم الحساب اختاركما معاً إلى جنته إكراماً لهذا الخلق وهذه الفضيلة ..؟

قال الرجل .. نعم ففي يوم الموازين فضيلة واحدة عند الله تساوي كل أموال الدنيا ..

ـ 35 ـ

هذا الذي يرسم على أوراق الجنة صوراً عارية مستغرقاً في حلم بعيد ولا يأبه لأحد ولا يحدث من هو ياترى ؟

قال الرجل : أنا جبران خليل جبران .. من أرزة لبنان ولدت ومن بياض الثلج أخذت قلباً ومن رياح جبل بشري تنفست وعبر تلك الطبيعة الجميلة رأيت الخالق وسبحت ..

قلت : كتابك النبي . ألم يكن كفراً وأنت لم تكن مرسلاً ولا مبعوثاً ؟

قال : النبوة ليست هدفي ، بل المعاني التي تحملها الكلمات والتي يقدرها الخالق ..

قلت : كلمات قليلة في أسطر قليلة كنت تحاور الطبيعة والحياة وتسأل ..

قال : آمنت بالكلمة لأنه في البدء كانت ، وسألت عن الكون وحركته ونجومه وشمسه وبشره لكي أعرف أكثر عن حقيقة الخلق .

قلت : وما هي العلاقة بين رسومك العارية ، والكلمات ؟

قال : الإنسان والطبيعة يدوران معاً وجوداً وعدماً ولا يمكن فهم معنى الوجود البشري خارج الطبيعة ولا كيف يكون .

قلت : ولماذا العريّ في الرسوم تحديداً ..؟

قال : منذ بدء الخليقة لم يولد الإنسان لابساً . جاء اللباس لاحقاً ولكي تفهم جمال الطبيعة البكر قبل أن تمتد إليها يد الإنسان عليك أن تستقبل الإنسان كما خلقه الله .

قلت : ولكن أغلب الرسوم العارية لنساء .

قال : نعم .. المرأة هي أم البشر وكما خلق الله الأرض منها خلق الإنسان .. نوع من التكريم ..

قلت : والحب يا جبران هل جاء لاحقاً ..؟

قال : لا جاء مع الإنسان .. أحب الطبيعة وأحب المرأة وهذا الحب هو جزء من ثلاثية الكون والإنسان والحب .

قلت : يا جبران هل كان ذلك بتأثير حبك لمي زيادة في رسائلك إليها ..؟

قال : شي من هذا صحيح ولو أنه كان حباً على الورق لم يلوث طهره أحد .. كان عملاً فنياً وأدبياً ، كانت مي رمزاً للمحبة في ثلاثية الكون والإنسان والحب .

قلت : هل اختارك الخالق لكتاب النبي أم للأنين في دمعة وابتسامة أم للرسوم الفنية ..؟

قال : في يوم الموازين اعتبر الخالق أن مناجاة الخالق عبر جمال الطبيعة بقلب محب هو عمل محبب إليه فاختارني إلى جواره ..

قلت : في لبنان أحبك الناس واعتبروك مولوداً من أرزة تجاور السماء ومع ذلك هاجرت منه إلى نيويورك فلماذا ..؟

قال : أن يحبني الأهل أمر يفرحني أما الهجرة فكانت هرباً من الظلم الذي مارسه آل عثمان لا على لبنان بل على كل ديار العرب .. هو نوع من البحث عن الحرية .

 

قلت : هل يعني ذلك أن ثلاثية الطبيعة والإنسان والحب تحتاج دوماً للحرية ..؟

قال : نعم بدون الحرية لا يكون لهذا الكون العظيم من معنى فالإنسان ولد حراً وحين لا يكون كذلك لا تكون إنسانيته جزءاً من هذه الثلاثية ...

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ـ 36 ـ

رأيت العباس ، عم الرسول ضاحكاً وحوله أصحاب لا تمل صحبتهم ينشرون الفرح حولهم ، لا كلمة سوء تخرج من أفواههم ولا هم يقنطون ..

قلت : يا سيدي العباس ، هل أنت في الجنة لإسلامك المبكر أم لقرابتك أم لجهادك في سبيل الله ؟

قال : في يوم الموازين ... يعرفون ذلك ويقدرون ولكن لأنني كنت أكره الغلظاء اختارني الله في جنته فقد كنت لا أحب صحبتهم ولا كلامهم ولانفاقهم وأكره معشرهم ..

قلت : نعم .. كنت تقول إذا جاء إلى مجلسكم غليظ من بعيد .. جاءكم الجبل .. فإذا أراد الجلوس معكم كنت تقول : قد هوى .. عليكم...!

قال : نعم والله وأنا هنا لا يمكن أن أتصور وجود غلظاء في الجنة لأن الله لا يحب الغلظاء ولا المنافقين وتحس وأنت في مجلسهم كأنك خرجت من جلدك ..

قلت : يا أبا العباس ..هل هو الكره لهؤلاء كان طريقك إلى الجنة .. ؟

قال : ليس الكره فأنا فقط لا أحب عشرتهم ومفهوم الكره في الجنّة غير موجود .

قلت : ولكنك في الأرض وعلى ما تقول الكتب كنت تكرههم؟ .

قال : كبشر لا أكره أحداً ولكن بالتأكيد أكره غلاظتهم الناجمة عن قلة الذوق والفهم ..

قلت : والصلاة والصوم والإيمان .. ؟

قال : تساعد بلا شك ... ولكن لا يمكن تصور إيمان حقيقي وصلاة صادقة وصوماً طاهراً يقوم على الغلاظة التي يمكن أن تُخرج الإنسان عن صومه وصلاته وإيمانه .

 

قلت : أنا مثلك لا أحب الغلظاء فهل أنا على حق ..؟

قال : وببركة الله صرت معنا فاجلس فليس أحب إلى الخالق من حديث طريف وكلمة حلوة ووجهاً ترى فيه شيئاً من جمال الله.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ـ 37 ـ

هذا أبو أسامة ، وجيه البارودي ، الشاعر الطبيب الذي أجمع أهل حماة على حبه واحترامه وعلى نسبة المجون إليه ..!

قلت : كل المتعصبين وأشباه المؤمنين كانوا يقولون أنك إلى جهنم لأنك كنت تتغزل وتعشق الجمال ولا تؤدي صلاة ولا تؤمن بالخرافات ...

قال : هناك فرق بين الصلاة بين الناس وأمامهم وبين مناجاة الخالق في القلب على انفراد .

أنا وجدت الله في وجه جميل وطبيعة حلوة وفي الشعر الذي يلهمني به الله .. هذه صلاتي ، لا يهمني أن يراني الناس أصلي وما يهم أن يكون في قلبي وسلوكي ما يراه الخالق ويرضيه .

قلت : ديوانك ( بيني وبين الغواني ) كان فيه غزل لم تتقبله مدينتك المحافظة .

قال : ليس مدينتي بل المتخلفون فيها والذين قلت فيهم :

مساجد أو كنائس أنت شتى       وشعبك ناسكون وناسكات

وسبحات بأيديهم طوال             وبسببه تليها الحمدلات

سجون الأرض تعذيب ولكنْ       سجونك راحة ومنادمات

فلا كالشام أنت ولا كحمص        ودونهما أمامك مرحلات

قلت : ولكن حتى الذين هاجموا شعرك الغزلي . أحبوك فلماذا ؟

قال : لأن بعضهم وجد في قلبي الإنسان الذي يحبه الله .

فلم أكن طماعاً ولا طالب مال وكثيراً ما أعطيت الفقير الدواء وأعفيته من الأجر ..

قلت : كانوا يقولون عنك أنك أبو الفقراء ، في قلبك رحمة على الفقير لم تصل إلى مستواها كل اشتراكيات العالم .

قال : الشرف عندي ليس في العار الذي ينسبونه إلى المرأة ، الشرف هو في الصدق والرحمة ومقاومة إغراءات المال ..

قلت : كلهم يعرفون أنك لم تجمع ثروة مع أن الذين ارتادوا عيادتك كل يوم شكلوا مظاهرة دائمة وحشداً لا يتوقف ليل نهار .

قال : هذا صحيح ولو شئت جمعت مال قارون ولكن لأن فقيراً أو فقيرة ليس عليهما سوى الرث من الثياب ماذا ستأخذ منهما .. إنك تأخذ إذا أخذت لقمة عيشهما ووجيه البارودي يعطي ولا يأخذ إلا القليل النادر ولذلك أعطيتهم علم الطب وأخذت منهم المحبة وفي معادلتي كنت الرابح الأكبر .

قلت : يتندرون عن طريقتك في الطب حيث خلطت بين العلم والشعر وكثيراً ما كنت تبدأ بالشعر والكلمة الحلوة وأنت تتفحص مرضاك ولم يشاهدك أحدا مقطباً ..

قال : أتيت إلى الدنيا طبياً وشاعراً

أدواي بطبي الناسَ والروحَ بالشعر

أروح على المحموم أشفي أوامه

بأجمّعِ ما أوتيتُ من قوةِ الفكرِ

فأسقيه من روحي رحيقاً ومن

                          يدي مريراً فيشفى بالرحيق أو المر

لا يمكن أن تعالج مريضاً بالدواء فقط يجب أن تثبت فيه روح الأمل بالشفاء وأن تقابل مرضه بالمرح والابتسامة الحلوة لكي تتجدد خلايا المقاومة في جسده .

قلت : يقولون أن الضحك هو سيد الأدوية ..

قال : نعم هو محرك لليأس والجمود في خلايا المناعة ومريض تصب عليه الخوف واليأس والتجهم كيف يمكن أن تفتح أمامه نافذة الأمل والتفاؤل ؟

قلت : ولكن كل هذا الحب الشعبي لم يعطك أصوات الناس حين قررت خوض الانتخابات النيابية .

قال : الناس شعروا أنهم إذا فقدوني طبيباً في حماة وصرت في برلمان الشام سيخسرون محباً عالماً ويعطف على فقرائهم وهذا هو السبب ، ليس الثقة وليس الكره .

قلت : ولكنك هجوتهم جملة حين فضلوا عليك شيخاً معمماً نصف جاهل كل مزاياه أنه يؤم المصلين ويتلوا الأدعية .. !

قال : نعم .. هجوت مدينتي لأنني أحبها أن تكون في صورة أفضل .. يومها قلت :

يعز عليَّ هجوك يا حماةُ            ولكنَّ الصفاتِ هي الصفاتُ

فلا تبديل إن القردَ قردُ              وإن الكلبَ مطعمه الفتاتُ

حماة ثكلت مجدك يا حماةُ          ودارت في سماكِ الدائرات

غضبت على اليهود وفيك أدهى   فلم تغرِ اليهودُ دريهمات

وألهتِ النحاة وبئس                        علماً يعلمه مشايخنا النحات

أيفشل عالم والعلم نورٌ             وتظفر بالنيابة شعوذات

إذن بين البهائم عشت عمري     وآيات الدلائل بيناتُ

قلت : كل أهل حماة حفظوا هذه الأبيات وتندروا بها ولكنهم اعتبروا أنهم انتصروا عليك حين أبقوك في مدينتهم طبياً للفقراء .

قال : هذا صحيح .. ويبقى الغزل بالمرأة ، لقد حاربوني بسببه فانتصرت عليهم فلم ارتدع ولم أتوقف ولم يستطع أحدهم أن يرفع بوجهي عصا من أجل ذلك لأنه ولا واحد ولا واحدة في المدينة والريف يستطيع أن يواجه محبتي بالعصا ..

قلت : يا أبا أسامة . هل لأنك كنت مع الفقراء كان استحقاقك الجنة ..؟

قال : يوم الموازين كان ذلك صحيحاً وفوق ذلك كان شعري في حب الجمال .. فالله جميل ويحب الجمال وما كان في الأرض ممنوعاً كان عند الخالق بطاقة مرور إلى الجنة ..

       شاهدت أطفالاً يحلقون حول حول رجل ينادون .. يا سكران يا سكران فعرفت أن الرجل هو الشاعر أبو نواس ..!

قلت يا أبا النواس ، في الأرض كنت تقول :

اشتهي سكرة قبل موتي          وصياح الصبيان يا سكرانُ

ولأي سبب أُعطيت استحقاق الجنة وأنت في الأرض كنت في نظر الناس سكيراً وظريفاً ولا تقرب صلاة وتتهكم على أصحاب العقول .. ؟

قال : عند الله في يوم الحساب تختلف المقاييس فالشرف هو في الصدق والصلاة هي التي يحاكي فيها الإنسان ربه بقلبه لا بلسانه والعقل هو الذي يتحرك ويسأل .

الشعر ينزل عليك من فوق كالوحي فلا تستطع الإمساك به .. هو من خلقة الله .. فيه الخير والشر وفيه الحلاوة في اللفظ فلا تتوقف عند المعاني أحياناً تحمل ما لا يطاق .

قلت : لوعدت إلى الأرض يا أبا نواس ما تشتهي ؟

قال : اشتهي سكرة قبل موتي   وصياح السكران ... يا صبيان !!

قلت : هل أعطيت سبباً للجنة ..؟

قال : قالوا لي أنت صادق لأنك قلت

ما جاء أحد يخبر مذ مات            أنه في جنةٍ كان أو في نارِ

قلت : وغير هذا يا أبو نواس ؟

 

 

قال :

ألا فاسقني خمراً وقل هي الخمر        ولا تستقني سراً إذا أمكن الجّهر

الخالق لا يحب الأسرار ولا يحب الذين يخفون أفعالهم خوفاً من بطش أو مراءاة ، وشرب الخمر شيء مختلف عن السكر فلماذا السر إذن .. الخالق اعتبرني شجاعاً في هذا .

قلت :

يا أحمد المرتجى في كل نائبة   قم سيدي نعصو جبار السماوات ؟

قال : هذه اعتبرها الله من التجاوزات ولكن غفرها لي لأن الشعراء يقولون ما لا يفعلونه ، إنه شيطان .

 

 

 

 

 

ـ 38ـ

جورج حاوي وجبران تويني وسمير قصير ، كما كانوا في الأرض يجتمعون ويخططون في استشهادهم ، أراهم في الجنة يشكلون نفس الفريق الذي كان ..

قلت : يا جبران .. يوم كنت تقسم يمين الولاء اللبناني في المهرجان الشعبي وتعلن باسم شباب لبنان تجاوز النظام الطائفي خفت عليك لأن الذين يريدون اغتيالك من الداخل أكثر من الذين اغتالوك من الخارج ..

قلت : وأنت يا جورج حاوي عشت حياتك مناضلاً من أجل الفقراء الذين يعانون من رأسمالية لبنانية تملك السلطة .

قال : نعم ولكن حين يجتاح الوطن غزو جارجي اسرائيلي وتقوم فيه أنظمة تلغي الحريات وأحزاب تأتمر بالخارج فلا بد من وحدة شاملة وطنية لا تفرق على الأساس الطبقي .. كان هذا منهجي .

قلت : وأنت يا سمير قصير أيها الشبل الذي خطط لتظاهرات 14 آذار ونظم تجمعاتها خفت عليك من الذين حولك حين برزت قائداً لجيل من الشباب لم تفرزه الطائفية السياسية ..

قال : في لبنان صارت الطائفية هي الوطن وصار المواطن يأخذ حقوقه من دولة الوطن من خلال الحصص الطائفية وبموافقة رجال الدين وليس من حق المساواة .. أنا دعوت إلى دولة قانون ومؤسسات لا تفرق من حيث اللون أو الدين أو العنصر فوجدت معي كل شباب لبنان .. وهؤلاء الذين تجمعوا لم يأتوا تلبية لدعوات رجال الدين بل تلبية لنداء الشباب الذين يتوقون إلى دولة الحرية والمساواة والديمقراطية ..

قلت : حققتم أنتم الثلاثي تطوراً في مفهوم الوطن وصرتم خطراً لا على الذين استمتعوا بالوصاية عليكم فقط بل أيضاً أكبر خطر على سدنة النظام الطوائفي ..

قال جبران تويني : التظاهرة التي قدناها كانت بالفعل موجهة ضد النظام الطوائفي وضد أي وصاية وقد فوجئ الكثيرون من هؤلاء وهؤلاء بتأييد الناس لحل ينبع من لبنان ولا يفرض عليه ..

قلت : هل أنتم في الجنة لأنكم ذهبتم شهداء لم يعرف أحد من قتلكم؟

قالوا : كان استشهادنا نوعاً من الظلم الذي لا مبرر عند الخالق لأننا لم نكن طرفاً في فرق الحرب والطائفية والعنصرية والعمالة ، ولأن خيارنا كان لبنان الديمقراطي الوطني الحر فإن الخالق أكرمنا بالجنة..

قلت : ولكن السلطة في لبنان ما تزال تخرج من عباءات رجال الدين والطوائف .

قالوا : ربما .. ولكن ما زرعناه من فكر حر ديمقراطي ووطني سيشطب من معادلة السلطة كل الذين ركبوها باسم الطوائف وكل الذين باعوا لبنان إلى الخارج كما أي بضاعة في السوق ..

إن زمن الارتهان والطائفية إلى زوال وهذا هو المعنى الوحيد لاستشهادنا.

ـ 39 ـ

إنه أستاذ ، أكيد ، فهو يجلس على كرسي مرتفع وحوله شباب يستمعون إليه ، له حضور يبعث على الاحترام وله القدرة على جذب عيون مستمعيه إليه فلا يتحولون عنه لأي سبب .

سألت عنه أحد الحضور فقال إنه الدكتور محمد عابد الجابري من المغرب العربي استاذ للفلسفة ومجتهد إسلامي متطور .

قلت : نعم .. سمعت وقرأت له وعنه وتقدمت إلى الجمع منضماً فلاحظ حضوري كجديد على المجموعة ..

قلت : في الأرض كنت من قرائك وهنا أنا من مستمعيك .

قال : أي نوع من الكتب نال إعجابك في الأرض .. ؟

قلت : لا أذكر اسم الكتاب ولكنه دراسة حول الدين والدولة والشريعة صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت ، أذكر أنك قدمت طريقة لتطبيق الشريعة بأسلوب علمي وقدمت أفكاراً تستحق النقاش ، فالذين اجتهدوا في الماضي لم يكونوا أكثر علماً منك ولا يجب أن نغلق باب الاجتهاد أبداً لأن ذلك يعطل التطور ..

قال : أنا كتبت ودرست أن الكتاب والسنة كلاهما لم يتعرضا لشؤون الحكم والسياسة ولا علاقة بين الدين والدولة بنفس الدقة التي عالج بها قضايا أخرى كالميراث والزواج ..

قلت : إذن ما هي المرجعية في موضوع علاقة الدين بالدولة ؟

قال : المرجعية هي عمل الصحابة لأنهم مارسوا السياسة بعد وفاة الرسول .

قلت : أذكر أنني قرأت أنه في مرض الرسول سأله الصحابة ماذا سيفعلون بعد وفاته فلم يحدد لهم نظام حكم ولا خلافة ولا ملك واكتفى بالقول ( المسلمون أدرى بشؤون دنياهم ) .

قال : نعم هذا صحيح ومن هذا القول يبدأ حق المسلمين في الاجتهاد في كل أمر يتعلق بشؤون دنياهم ومنها السياسة والدولة وأنظمة الحكم .

قلت : التوقف عن الاجتهاد والتمسك بالقواعد التي اجتهد بشأنها الخلفاء الراشدون أصبحت قيوداً منعت التطور فلكل زمن وسائل ومصالح ..

قال : أن المبدأ الوحيد الذي اعتمده الصحابة هو مبدأ ( المصلحة ) ولا شيء غيرها وحتى صرفوا النظر عن النص حتى ولو كان صريحاً قاطعاً إذا كانت الظروف الخاصة تقتضي مثل هذا التأجيل واستطرد الجابري ، عصرنا اليوم له حاجات ومشاغل تختلف عن تلك التي أملت على الفقهاء الأصوليين القدامى قواعدهم ومناهجهم .

قلت : إذن نحن في حاجة إلى تجاوز القيود المنهجية التي قيدت المعرفة الدينية في الماضي والتعامل معها بصورة نسبية ومن منظور تاريخي لكي نفتح باب الاجتهاد ومن جديد ؟

قال الجابري : نعم .. والعرب لم يكن لهم دولة والنظام السياسي كان قبلياً عشائرياً ولكن بعد البعثة المحمدية إلى المدينة . رفض الرسول أن يسمى ملكاً أو خليفة أو رئيس دولة مع أنه مارس كل أعمال رئيس الدولة بوصفه مبعوثاً لا ملكاً .

قلت : إذن حدث بعد وفاة الرسول فراغ مؤسساتي ؟

قال : نعم وقام الصحابة به باعتماد نظام جديد يقوم على مفهوم ولي الأمر بعد الرسول فكانت الخلافة .. الخلافة ليست نظاماً دينياً لأنها من صنع الصحابة واستناداً إلى المصلحة وليس لها أي مشروعية دينية لا في الحديث ولا السنة ولا القرآن ..

قلت : ولكن كثرة المحرمات والتشريعات والحدود تدل على تدخل في شؤون الدولة ؟

قال : ما عالجه الصحابة بعد وفاة الرسول في شأن نظام الحكم كان معالجة سياسية راعت ميزان القوى في قبائل وعشائر المسلمين واستند إلى المصلحة .

وضآلة العلاقة بين الدين والدولة لم تطرح لا في زمن النبي ولا في زمن الخلفاء الراشدين لأن الجهد كان منصباً على نشر الدين والدفاع عنه .

قلت : متى ظهر مصطلح الدولة إذن .. ؟

قال : كان ذلك في زمن العباسين الذين بعد انتصارهم قالوا ( هذه دولتنا ) ..

قلت : في زمن معاوية انتقل العرب من نظام الخلافة إلى ملكية خاصة ببني أمية .

قال : انتقل نظام الحكم من نظام يقوم على التعيين بعد الشورى إلى نظام وراثي محصور في أسرة واحدة وهكذا انقلبت الخلافة إلى ملك وقد تم بإجماع سياسي في عام الجماعة حيث بايع الحسن بن علي معاوية .

قلت : كيف فهمت الشريعة من موقعك العلمي .. ؟

قال : الشريعة لم تنزل دفعة واحدة بل بالتدريج وبالتالي ارتبطت بأسباب نزولها ولا يمكن فهمها الآن بمعزل عن فهم تلك الأحداث..

قلت : عمر بن الخطاب كان يركز اهتمامه في تطبيق الشريعة على كامل المصلحة حين أوقف حصة المؤلفة قلوبهم وحين لم يصادر أراضي العراق وتركها لأهلها مع أن العراق فتح حرباً وأبو بكر لم يحارب المرتدين إلا لأنهم رفضوا دفع الزكاة وعمر رد للمرتدين السبايا والأموال مجتهداً بأنهم لم ينكروا الإسلام ليعتبروا مرتدين ..

قال : نعم وفي مسألة قطع يد السارق اجتهد الصحابة بأن لا ضرورة للتقيد بحرفية النص في عام المجاعة ، وابن العباس ترك عبداً جائعاً سرق حماراً أو غيره وعمر ترك رجلاً سرق من بيت المال لأن له فيه حقاً ..

والرسول نفسه قال لا تقطع الأيدي في السفر والغزو وعن زيد بن ثابت لا تقام الحدود في دار الحرب وعن حذيفة أنه نهى عن إقامة حد الشرب على أمير من أمراء الجيش لئلا يستغل العدو ذلك لمصلحته .

والأصل في كل ذلك هو المصلحة التي يجب أن تكون حاضرة في تطبيق الشريعة .

قلت : إذن التطور الحديث يستدعي إعادة تأصيل الأصول واعتماد المصلحة كما فعل الصحابة في البدايات .. ؟

قال : نعم هو كذلك في موضوع الاجتهاد ..

قلت : هل الإسلام دين ودولة ؟

قال : الإسلام دين ودولة شعار لم يطرح قط في الفكر الإسلامي حتى القرن الماضي ..

قلت : فهم المسلمون من شعار فصل الدين عن الدولة أنه يهدف إلى إقامة دولة ملحدة وحرمان الإسلام من السلطة السياسية .

قال : إن هدف الرسول كان نشر الدين وليس تكوين دولة ولا الحصول على زعامة وليس في القرآن الكريم من دعوة لإنشاء دولة أو ملك أو امبراطورية .

قلت : ولكن المسلمين اختلفوا حول الدولة منذ ما بعد الرسول ؟

قال : أول خلاف في الإسلام لم يكن على الدولة بل على الشخص الذي يتولى الحكم في الناس بكتاب الله وسنة رسوله وحين تتم له البيعة يصبح مسؤولاً أمام الله لا أمام الذين بايعوه ..

قلت : إذن كان اختيار الخليفة سياسياً وتابعاً لميزان القوى في الجماعة ؟

قال : نعم القرآن استعمل ( أولي الأمر ) وبالتالي يمكن أن لا يكون ولي الأمر واحداً .. ليس في الإسلام من نص يلزم بنوع معين من أنظمة الحكم ..

قلت : والذين يقولون اليوم ( الإسلام هو الحل ) ما تقول فيهم ؟

قال : هذا شعار يراد توظيفه سياسياً في وجه شعارات سياسية أخرى وليس في القرآن والسنة من نص ينظم مسألة الحكم لذلك يجب تطبيق قول الرسول ( المسلمون أدرى بشؤون دنياهم ) واعتماد المصلحة حسب العصر .

قلت : إذن انقلاب الخلافة إلى ملك كان من الوقائع التي تمت تحت بند المصلحة ؟

قال : هو كذلك ولا مانع من الانتقال إلى الجمهورية والإمارة وأي نظام إذا توفرت المصلحة الموضوع ليس دينياً .

قلت : السؤال الآن لماذا اختارك الله في جنته وأنت تقول بخلاف ما يروج له الكثيرون من السلفيين !!

قال : إن الله اعتبر انضمامي إلى فريق المجتهدين وفريق إعادة بناء الفكر السياسي انطلاقاً من المثل العليا التي جاء بها الإسلام عملاً فدائياً استحق عليه تكريم الخالق .

قلت : لقد كرمك الكثيرون في الأرض أيضاً ولن تسقط قضية تتحد بالعقل لا تحت ولا فوق ..

 

ـ 40 ـ

       هذا زكي الأرسوزي ، مناضل من لواء أسكندرون قاوم انضمام اللواء إلى تركيا ، وغادر اللواء إلى سورية مع رفاق له بعد الاحتلال وفي دمشق دعا إلى نهضة عربية ووحدة عربية تعيد اللواء وشكل حزب الإحياء العربي ..

قلت : يا أستاذ أنت في الجنة ولكن في الأرض لم تكن متديناً ولا طماعاً.. كنت فقيراً تعيش من التدريس وحولك يتجمع بعض المثقفين الذين أعجبوا بعروبتك ودعوتك ..

قال : هو كذلك ولكن السياسة كانت تقاوم أفكاري وتقنع بواقع لا يمكن تفسيره بدون طليعة تقود التغيير فعشت فقيراً إلا من محبة هؤلاء الرواد الذين أعطوا للعروبة مفهوماً يرتبط بالأرض..

قلت : يومها لم يعتبر خصومك ذهاب اللواء كارثة لأنه ذهب من ديار العروبة إلى ديار الإسلام .

قال : نعم حصل ذلك ولكننا رفضنا هذا المنطق الذي يعطي تحت ستار الدين مشروعية لاحتلال أرض عربية فالدين مسألة شخصية أما الأرض والدفاع عنها فمسألة قومية ولا يجب أن يتضادا فالدين لله والأرض هي للشعب فيها من أي دين وعنصر وطائفة.

قلت : لذا اختارك الله في جنته ؟

قال : يوم الحساب سألوني عن دجاجات الأرسوزي .

قلت : أذكر ذلك حين سألك أحد مناصريك عن الفرق بين الديكتاتورية والديمقراطية .

قال : يومها قلت للجميع أن الفرق هو بالحرامية ، في الديكتاتورية حين يأتي اللصوص ليسرقوا الدجاجات من البستان يجدون  الدجاجات في الأقفاص فيأخذون الأقفاص ولا من يسمع ولا من يدري .

قلت : وفي الديمقراطية يا أستاذ ؟

قال : يجدون الدجاجات تسرح وتمرح على أرض البستان فيصعب عليهم أخذ كل الدجاجات التي تركض وتصيح فتكون حصيلتهم أقل والخطر من مجيء أصحاب البستان محتمل ..

يومها قلت لهم في الديكتاتورية يأخذ اللصوص كل الدجاجات لأنها في الأقفاص لا تصرخ ولا تنظر ولكن في الديمقراطية لا يستطيعون ذلك لأن الدجاجات حرة وتصرخ وتهرب وتقاوم .

قلت : إذن في يوم الموازين صرت في الجنة لهذا السبب ..؟

قال : نعم لأن الخالق اعتبر أنني مع حق الصراخ ومع الحرية وحكمه هو العدل .

 

 

 

 

 

 

 

 

ـ 41 ـ

الشيخ محمد الحامد من رجال الدين المعروفين في مدينة حماة من عائلة جاء منها الشاعر بدر الدين الحامد وكان لا يفارق الشرب واللهو وهو صاحب قصيدة

أنا في سكرين من خمر وعين     واحتراق في لهيب الشفتين

ومنها عبد الغني عالم اللغة العربية والمدرس الهادئ الرصين الخجول ومنها نجيب الرئيس صاحب جريدة القبس وهو أخ لهم غير شقيق ..

رأيته في الجنة ممسكاً بالكتاب يتلوه صبحاً ومساءاً ولا يمل .

قلت : يا شيخ أتذكرني يوم كنت في الأرض ؟

قال : نعم انت من طلابي طردتك من الصف لان دروس الديانة مخصصة للمسلمين فتضامن معك الطلاب وخرجوا معك وقلت لي درّس الإسلام للجدران الباقية في الصف ..

قلت : ذاكرة عجيبة ولكن لماذا تراجعت وقبلتني في دروسك ؟

قال : أعجبني دفاعك عن حقك في الحضور أمام مجلس الأساتذة الذي انعقد على عجل لمحاكمتك على تحريض الطلاب على الإضراب ..

قلت : يا شيخ .. هل أعجبك دفاعي فتراجعت ؟

قال : يومها شعرت أن العروبة فيك أصيلة فانضممت إليها في فهم الإسلام والدين .. طالب في الصف العاشر يجادلني بالتي هي أحسن.

قلت : يومها قلت لك أن لي في الإسلام حصة لأني عربي ولأن الرسول عربي ولأنه قال أحبوا العرب لثلاث لأني عربي ولأن لسان أهل الجنة العربية ولأنه قال من أحب العرب أحبني ومن كرههم كرهني ولأنه قال : اختار الله من العالم قريش واختار من قريش هاشم واختارني من هاشم فأنا خيار من خيار من خيار ..

قال : نعم والله ويومها شعرت بالاعتزاز وبحقك فالإسلام جاء من العرب.

قلت : معنى ذلك أنك تجاوزت التعصب وارتضيت الحوار ..؟

قال : يومها قلت لعل الله يفتح قلبك فكيف أسد بوجهك الأبواب ؟

قلت : وكيف يومئذ رأيتني كطالب في حلقة دينية لست منها ؟

قال : كنت مشاغباً ومجادلاً وتجادلني بالدليل ولو أنك كنت تسعى إلى أدلة تخدم أفكارك ..

قلت : ويوم التقينا في احتفال بالمولد النبوي لماذا بعد أن ألقيت كلمتي قلت لي .. تعلمت في دروسي قيمة الإسلام في العروبة ؟

قال : يومئذ قلت أن مارون عبود رزق بولد سماه محمد وقال

عشت يا ابني عشت يا خير صبي                ولدته أمه في رجب

فهتفنا واسمه محمد                         أيها التاريخ لا تستغرب

خفف الدهشة يوماً                  إن رأيت ابن مارون سميّا للنبي

أمه ما ولدته مسلماً                         أو مسيحياً ولكن عربي

والنبي الهاشمي المصطفى                        آية الشرق وفخر العرب

قلت : إذن هو الترابط بين العروبة والإسلام بعيداً عن التعصب والعنصرية كان شيئاً محبباً في قلبك ؟

قال : نعم تعلمت من تلميذ عندي معنى هذا الترابط وكنت اعتبر العروبة جاهلية فإذا هي مربط الإسلام وسيفه ودرعه ولا يمكن فصلهما أبداً .

قلت : أنت في الجنة لايمانك أم لتدريسك التلاميذ أم لخلقك الذي اتسع لكل صاحب رأي ؟

قال : الله في يوم الموازين .. اعتبرني مستحقاً .

لأنني نفذت تعالميه .. وجادلهم بالتي أحسن .. لا بالتعصب ولا الحقد .. والله بعد ذلك غفور رحيم .

 

 

 

 

 

 

ـ 42 ـ

ما هذه العريشة التي تتسلق الأشجار ويتدلى منها عنب مختلف الألوان والأنواع والنحل يحوم فوقها هابطاً وطائراً وصوت يصدح بالغناء..؟

رأيت تحت العريشة فيروز ، ومن لا يعرفها في دنيا العرب ، كانت تغني .. يا كرم العلالي .. عنقودك لنا ..

قلت : يا فيروز لقد رافق صوتك شبابنا حتى الكهولة وفي كل صباح كان صوتك يرشّ علينا أحلى الموسيقى وأجمل الأداء وأقرب الكلمات إلى القلب .

قالت : حين كنت أتمرن على أي أغنية كنت أفكر بالمتلقي لها ، وأضع نفسي مكانه وأنا اسمع التسجيل فإذا شعرت بالارتياح والفرح تكون الأغنية جيدة وإلا أهملتها .

قلت : كنا في الجامعة شباباً نختلف سياسياً ونتجادل ونتضارب ويصعب أن نتفق على شيء .. ولكن حين يحضر صوتك فكلنا على اتفاق.. لا أحد يرمي عليك سؤالاً ولا نقداً .. كلنا نحب فيروز كأنها الجامع الوحيد لوطن تقاسمته الخلافات .. إلى درجة سمانا الطلاب ( الفيروزيين ) ..!

قالت تلك هي قمة السعادة عندي ، ولكن أي نوع من الأغنيات كانت الأحب إليكم .. الشعر أم الزجل أم الكلمات المنثورة ؟

قلت : العبرة لما تحمله الكلمات من معنى .. وأعتقد أن الحس الشعبي وحده يختار .. على أي حال كيف اختارك الله للجنة يوم الموازين..؟

قالت : لا أعرف ولكن وأنا أتقدم ليوم الموازين كنت أغني القدس لنا .. فوجدت أزهار الياسمين ترش طريقي وتفرشه .. وحمامة المسيح ترفرف فوق رأسي فدخلت الجنة ولم يسألني أحد ..!

قلت : هو الخالق اختارك لأنك نشرت الحب ورفضت العدوان وغنيت كما العصافير ولم يدخل الحقد قلبك ؟ .

قالت : هو كذلك وقال لي الملاك .. لقد عشت يا فيروز وحدك تعبّرين عن إنسانية مفقودة في مجتمع التخلف الذي يجعل الحياة صعبة وكريهة ..

قلت : نعم أنت وحدك تمثلين الجانب المشرق في حياتنا أما الآخرون فكانوا يمثلون دور الشيطان ..

وكلما تكاثرت علينا الهموم لا ندخن لها سيكارة بل نسمع صوتك فنهدأ وننسى ونأخذ جرعة التفاؤل لنستطيع متابعة يومنا ..!

قالت : كان اخناتون يعتقد أن الله موجود في الأزهار وفي الموسيقى وفي مختلف أشكال الجمال وفي اللون وما قدمناه في رحلتنا الموسيقية أنا والرحابنة كان يخدم هذه الحقيقة ويدل عليها ..

قلت : في صوتك شيء رباني وفي سلوكك كان هناك ما يدعو للاحترام وفي غنائك غنيت الإنسان كما أراده الخالق فكان لك هذا الاستحقاق..

قالت : لذلك أنا هنا تحت العريشة أغني كل يوم وإليها يأتي أخيار الدنيا فلا يشعرون بالغربة ويزدادون إيماناً فماذا تريد أن تسمع ..؟

قلت : اشتقت لأغنية جبران خليل جبران ( اعطني الناي وغني ) .. تجعلني أحلق في سماء ليس فيها شر ..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ـ 43 ـ

سألت الملاك الحارس عن سلاطين بني عثمان فقال ولا واحد منهم في الجنة لأنهم كانوا قساة القلوب على الرعية وسفاكي دماء ومرتشين ولا يخافون الله ..

قلت : أوليس بينهم من حصل على مغفرة الله ؟قال : لا لأنهم كانوا فور توليهم السلطنة يذبحون أخوتهم لئلا ينازعوهم العرش ، والقتل في شريعة الله حرام فكيف إذا كان للإخوة ولم يرتكبوا ذنباً ولمجرد احتمال ارتكابهم معصية السلطان ؟

قلت : محمود الثاني لم يقتل أخاه عبد الحميد .

قال : ولكنه وضعه في القبو بقصره مكبلاً بالحديد لـ 18 عاماً فكانت هذه القسوة تفوق القتل .

قلت : هناك حكام عرب كثيرون قتلوا بالجملة والمفرق فهل حصلوا على مغفرة ؟

قال : لا اعتقد إلا إذا قاموا بفعل خير لمصلحة الفقراء وندموا في الأرض على ما فعلوا فيمكن أن يشفعهم الرحمن برحمته .

قلت : وإذا سرقوا ونهبوا وشلحوا الناس الأموال دون حق هل                 يعاقبون ..؟

قال : لا تقتل ولا تسرق يتساويان عند الرحمن في العقاب .

قلت : والزنى .. والسكر ..؟

قال : الزناة والسكيرون لا يدخلون ملكوت السماوات في كل شرائع الله على الأرض .

قلت : ومن يغتصب امرأة لها بعل أو يأكل مال يتيم فما حكمه عندكم..؟

قال : هذه من الكبائر التي لا تغفر إلا لحسنة أو حسنات تفوقها كبراً .

قلت : ومن يأخذ حرية الناس منهم ويمنع عنهم حق النقد والرأي .. ؟

قال : خلق الله الإنسان حراً ولأنه كان مخلوقاً مع الحرية استطاع آدم أن يقول لا للرحمن حين أكل من التفاحة المحرمة .. وعاقبة ولكن لم يمنع حريته.

الله أعطى الإنسان العقل وأعطاه الحرية ولو أراد لخلقه لا يقول إلا نعم ولا يعصى أمراً لا يريده الله .

قلت : باستقراء الواقع قد لا نجد إلا القليل من الحكام العرب وملوكهم وسلاطينهم في الجنة .

قال : لا يوجد في الجنة إحصائيات خاصة بكل نوع وجنس ولون ودين .. يأتي الإنسان إلى السماء حاملاً شريط حسناته وخطاياه ويوم الموازين إذ رجحت كفة الميزان إلى الجنة ..

قلت : الحاكم المجنون ما هو حكمه ما دامت الحرية مرتبطة بالعقل .. ؟

قال : في الأرض لا ولاية لحاكم مجنون على الناس ولهم أن يخلعوه وكل ما يأتيكم عن الخالق من مبادئ إذا خالفت العقل لا تكون            من الله ..

قلت : الله هو عقل الكون وحين نفتقده في حياتنا الدنيوية لا نكون أكثر من حيوانات لا تفكر ..

قال : هو كذلك .. في الجنة لا يوجد مجانين حكاماً كانوا أم رعايا ..

بعد هذه الرحلة في عالم الغيب وبعد هذه الحوارات مع الذين اختارهم الخالق في جنته وللأسباب التي ذكرت .. شعرت بالارتياح لأن أي إنسان يقرأ هذه الحوارات سيتأثر بالحسنات التي أدت إلى جزاء حسن في الآخرة ..

إن مهمة هذه الحوارات لا تستهدف الإقلال من مفهوم الآخرة في أديان المنطقة بل التأكيد على الجانب الحسن من تصرفات الإنسان في الحياة الدنيا..

أما جهنم فلم أذهب إليها ولا رغبت في الحوار مع أحد فيها لأن الناس يعرفون بالسليقة أن المنافقين والمستبدين وسفاكي الدماء والكذبة كلهم في جهنم إلى أي دين أو طائفة أو حكم أو سلاله انتسبوا..

كان هناك شرفاء وحكام كثيرون وأفراد لم يتوفر لي الوقت للحديث معهم واستميحهم عذراً لأنني استفقت من الحلم وكمن شعر بأنه أدى واجباً أغلقت الكتاب على أمل أن يستفيد منه القارئ في الحياة الدنيا لكي ينعم بجنان الآخرة .

دمشق 1 / 6 / 2008                                 ادوار

 

 

 

 

 

 

كتب للمؤلف

1 ـ شرح قانون العمل الموحد .

2 ـ التسريح في القانون السوري .

3 ـ الموسوعة العمالية القضائية .

4 ـ نحو فكر تقدمي للطبقة العاملة .

5 ـ تفجير النفط .

6 ـ قضايا عربية .

7 ـ مواقف في الزمن الصعب .

8 ـ المضحك المبكي .

9 ـ ترتيب العالم بالعربية والانكليزية .

10 ـ محاكمة صدام حسين .

11 ـ العراق والمهمة المستحيلة .

12 ـ أفكار من عصر قادم .

13 ـ التحليل السياسي في قضايا الشرق الأوسط .

14 ـ الجبل وغروب المدن .

15 ـ محاضرات عدد / 10 / .

16 ـ حوارات في عالم الغيب .

 

 

الفهـرس

       الإهداء                                      

       المقدمة

1.     في الجنة .

2.     جبريل .

3.     أحوال الجنة .

4.     الشيخ صالح العلي .

5.     هاشم الأتاسي .

6.     عاهرة لم تحلف .

7.     عبد الكريم الجزائري .

8.     يوسف العظمة .

9.     سلطان باشا الأطرش .

10.فارس الخوري .

11.بدوي الجبل .

12.الشيخ سعيد النعساني

13.الشيخ نديم الوفائي .

14.منقذة نظير النشيواتي .

15.عبد الحميد الدروبي .

16.عبد الرحمن الكواكبي .

17.طه حسين .

18.شجرة الخلود .

19.ياسر عرفات .

20.طفل الدانمرك .

21.فرعون .

22.صلاح الدين الأيوبي .

23.ليلى العراق .

24.الشيخ زايد بن آل نهيان .

25.الملك فيصل بن عبد العزيز  .

26.أبو الطيب المتنبي وأبو تمام .

27.الشاعر محي الدين الدرويش  .

28.أبو ذر الغفاري .

29.ابراهيم النظام .

30.أبو جعفر المنصور  .

31.الجنرال ديغول .

32.أم كلثوم .

33.انطون سعادة .

34.زوجان .

35.جبران خليل جبران .

36.أبو العباس .

37.وجيه البارودي .

38.أبو النواس .

39.جورج حاوي وجبران تويني وسمير قصير .

40.محمد عابد الجابري.

41.زكي الأرسوزي .

42.الشيخ محمد الحامد .

43.فيروز .

44.السلاطين .

45.خاتمة الحلم .

46.كتب المؤلف  .

47.الفهرس .

 

 

 

 

 

 

 

Articles

Copyright 2012 Hachwa
Last modified: 03/19/13 
Hit Counter