المركز العربي للتحليل السياسي - رئيس المركز المحامي ادوار حشوة

The Arabic Center for Political Analysis - President Adwar Hachwa Attorney in Law

 Home   The Author   Books      Articles       Forum     News  Literary Articles   Syrian Pictures     Content     Contact us

     الاتصال       دليل الموقع          صورسورية         مقالات ادبية            اخبار      اعلن رأيك      مقالات            كتب        الكاتب   الصفحة الأولى

 

 

 

 

 

 

المقدمة :  كلمات على الطريق

 

 تنفجر الثورة كما البركان.. لا أحد يعرف موعدها ولكن توقعها ليس من المستحيلات. يتكون الغضب الشعبي رويداً رويداً ويبدأ بالنكات التي تضحك ثم بالكلام المحرّم ثم بالإحتجاجات التي تأخذ أشكالاً متعددة ثم بالفكر الثوري المقيم والمهاجر الذي يعري الأخطاء ويحدد طريقة العمل والشعارات.

في سورية كانت البدايات بعيدة فبذور الثورة بدأت منذ أن تحول الجيش إلى صانع وحيد للسلطة فنشأت مع الإنقلابات العسكرية مدرسة تقول أن السلطة تنبع من فوهات البنادق  لا من الأحزاب ولا من البرلمانات ولا من صناديق الإقتراع.. القوة وحدها هي التي تفرض إرادتها على الناس وتنصب الحكام.

هذه الأنظمة العسكرية تستّرت بالشعارات البراقة من الوحدة إلى مقاومة الإحتلال إلى الإقتصاد الموجّه إلى حرق المراحل في التطور الخ ..

هذه الأنظمة العسكرية التي ادعت اليسارية والوحدوية والتحرير كذباً هي التي بعنفها وقمعها وسجونها وفسادها صنعت الثورة السورية التي تعددت أسبابها ولكن كلها تدور حول (حكم العسكر) الذي تسبب بثورة تغذيها وقود متعددة ويصعب ضبطها لاختلاف المصادر التي تغذيها.

سورية منذ 14-3-2011 كسرت جدار الخوف من السلطة المستبدة التي اجتاحت البلد واعتدت على حريات الناس ونهبت المال العام وأوغلت في دماء السوريين ونشرت رعباً غير مسبوق في التاريخ الإنساني ولم تتورع عن تحويل الجيش من مهمة الدفاع عن الوطن إلى مهمة قتل الشعب بدم بارد وتخريب البلد فتحول الجيش في نظر الكثيرين إلى ما يشبه جيش الإحتلال .

 

في هذا الكتاب سنورد بإيجاز لمحة تاريخية عن سورية منذ سقوط الدولة العثمانية إلى فترة الإنتداب الفرنسي ثم الإستقلال ثم الإنقلابات العسكرية ثم انتهاءً بالثورة التي انفجرت عام 2011.

خلال هذا السرد يمكن للقارئ أن يدرك أسباب الحالة السورية الآن وما وراء هذه الأسباب من دول ومصالح إقليمية ودولية وصهيونية.

لقد رافقتُ الحياة السياسية منذ عام 1947 حتى الآن طالباً وكاتباً وسياسياً وامتلكت حصانة  وطنية ضد الخطأ منضماً إلى معسكر الحرية وخلق لي هذا عداء النظام العسكري بمختلف أشكاله وأزمانه واعتقلت وعذبت حتى الموت ولكن لم أبارح الساحة ولا هربت إلى الخارج ولم استسلم للطغاة وكنت رائداً في مدرسة المواجهة مع العسكر وصاحب نظرية (السلطة تنبع من صناديق الإقتراع لا من فوهات البنادق).

في هذا الكتاب سأذكر المواقف إزاء كل حدث في تلك الفترة موثقة طبعاً وصولاً إلى بدايات حركة الاحتجاج ثم إلى الثورة التي واجهها النظام بوحشية لا مثيل لها في التاريخ فصارت سورية كلها تعوم على نار جهنم التي ورد ذكرها في أديان المنطقة والتي شهدها شعبنا قبل الحساب السماوي .

إن ما كتبته وما حاضرت به كشف في وقت مبكر ما تم حدوثه لاحقاً وهذه التحاليل موثقة في كتب أصدرتها ومنعت وصودرت وفي مقالات في الداخل والخارج  وهي تؤرخ للحدث الأكبر وهو الثورة السورية المعاصرة التي هي نفسها كانت محل نقد لبعض شعاراتها فالنقد الذاتي جزء من  حريات افتقدناها وثورة تغضب من الرأي الآخر هي وجه لاستبداد  من لون آخر قادم ، ومهمة النخب السياسية الواعية أن تنبه إلى الأخطاء لئلا يتم اغتيال  ثورة نظيفة من قبل عناصر تريد حرفها عن مسارها الديمقراطي واغتيال شبابها والآمال  التي راهن عليها الناس.

هذا الكتاب جهد متواضع على طريق الحرية نحو دولة حرة وحكمٍ نحن نصنعه وإلى مساحات واسعة لحرية العقل وإلى جهود كبيرة لمقاومة كل أشكال الظلم.

 نحن في خطابنا السياسي ومنذ البدايات نقف ضد الظالم حتى يرتدع ومع المظلوم حتى يحصل على حقه وحريته وما عدا ذلك تفاصيل قد نتفق على بعضها وقد نختلف ولكن الثورة تبقى ثورة ضد الظلم ولن تسقط  أبداً.

 

الأول من أيار 2013

 

   من سورية الكبرى إلى سورية الصغرى

 

كانت سورية في ظل حكم الدولة العثمانية تسمى بلاد الشام نسبة إلى دمشق التي تسمى شعبياً الشام وهي تضم سورية الحالية ولبنان والأردن وفلسطين وكثيراً ما كان العثمانيون يبدلون في خريطة المنطقة حسب مصالحهم فلم تستقر حدود الولايات في حكم العثمانين ولكن في المخزون الشعبي ظلت سورية الكبرى موحدة .

 بعد سقوط الدولة العثمانية اقتسم الحلفاء ولايات ودول هذه الدولة وقرروا منح الإستقلال لكل الدول الواقعة في اوروبا في حين استعمروا كل البلاد العربية بحجة تدريب شعوبها على حكم نفسها فصارت بلاد الشام تحت السيطرة الاستعمارية وتم تقسيمها إلى عدة دول هي: لبنان الصغير وسورية وضعتا تحت الانتداب الفرنسي ووضع العراق والأردن وفلسطين تحت الانتداب البريطاني بحجة تأهيل هذه الشعوب على حكم نفسها .!

ما يهم أن سورية كانت في معاهدة (سيفر 1920) تضم في الشمال منها كلاً من أضنه ومرسين وطرسوس وكليكيا وعينتاب وكلس ومرعش وأورفة وحران وديار بكر وماردين ونصيبين وجزيرة ابن عمر.

الفرنسيون والبريطانيون أنجزوا اتفاقاً مع الأتراك في معاهدة (لوزان) وخلافاً لصك الانتداب وبدون موافقة الأمم المتحدة ضموا هذه الأجزاء إلى تركيا عام 1923 .

أما لواء اسكندرون فجرى ضمه إلى تركيا عام 1939  بالتواطؤ بين فرنسا وتركيا مقابل تخلي تركيا عن دعم الثورة السورية بقيادة ابراهيم هنانو ورفاقه.!

وهذه خريطة منطقة الانتداب الفرنسي حسب معاهدة سيفر وتضم المناطق التي تم ضمها لتركيا.

               
الفرنسيون قاموا بتقسيم سورية على أساس طائفي حيث تم تقسيم سورية إلى دولة حلب ودولة دمشق ودولة العلوين ودولة لبنان الكبير عام 1920 ثم تم إقامة دولة الدروز عام 1921 وتم إقامة كيان مستقل في لواء اسكندرون عام 1921.

 خريطة تقسيم سورية إلى عدة دول طائفية

 

وقف السويون ضد التقسيم في كل الدول التي أقيمت بالقهر والاستعمار فالدروز قادوا الثورة ضد الفرنسين وتزعم سلطان باشا الأطرش الثورة السورية عام 1925 والشيخ صالح العلي في جبال العلوين وابراهيم هنانو وسعدالله الجابري في حلب ونظير النشيواتي في حمص وعثمان الحوراني وخضر الشيشكلي وصالح قنباز وغيرهم في حماة.

أقام الفرنسيون اتحاداً بين الدول المقسمة للتخفيف من غضب الشعب عام 1924  ولكن الشعب رفض الاتحاد وطالب بالوحدة.

عام 1930 تم إعلان جمهورية سورية وكانت النجوم في العلم ترمز إلى دمشق وحلب ودير الزور المتحدة وفي عام 1936  ألغيت دولة العلويين وانضمت إلى الجمهورية السورية وفي عام 1936 انضمت دولة الدروز فتوحدت كل هذه الأجزاء.

http://www.sana-revo.com/news/filemanager.php?action=image&id=77

العلم السوري

التقسيم الثاني كان حين اقتطع الفرنسيون من سورية أجزاء منها وضموها إلى لبنان الصغير ليصير كبيراً كما هو الآن .

وللحقيقة لم يدافع السوريون عن المناطق التي ضمت إلى لبنان لأنها ذهبت من الأهل إلى الأهل في حين غضبوا من ضم لواء الاسكندرون إلى غير العرب .

الأقضية التي ضمت إلى لبنان حصلت على موافقة الكتلة الوطنية بداعي أن وجود هذه الأقضية ضمن لبنان وأكثريتها إسلامية تمنع في المدى البعيد محاولات إقامة دولة طائفية في لبنان تخاف على نفسها من محيطها فتستنجد بالخارج في حين أمكن الوصول إلى اتفاق مع لبنان أن لايكون فيه دولة طائفية ولا قاعدة استعمارية وحسم ذلك رياض الصلح رئيس وزراء لبنان حين قال لن يكون لبنان مقراً للاستعمار ولا ممراً إليه.

استمر رضا الشعب السوري على هذا الاقتطاع ولم ينظر إليه بعداء إلى درجة أن الزعيم السوري أكرم الحوراني ذهب بعيداً في تطمين اللبنانين حين قال في مجلس النواب إذا أراد اللبنانيون أجزاء أخرى نعطيها لهم لأننا شعب واحد مهما أخذ هذا أو أعطى ذاك وتم إغلاق هذا الملف نهائياً إلى أن استعاد نظام الأسد الحديث عنه لكي يخيف الحكومة اللبنانية ويخضع لبنان لنفوذه ولكن رغم سيطرة الأسد على لبنان لربع قرن لم يحاول استعادة الأقضية مما يدل على عدم جديته في طرح موضوع أغلقه السوريون بإرادتهم الحرة .

 هذه الأقضية هي بيروت وطرابلس والبقاع وصيدا وهي عملياً أكثر من نصف لبنان الحالي .

 

عهد الاستقلال

( الديمقراطية الأولى)

تم الجلاء الفرنسي عن سورية في 17-4-1946 وتسلمت السلطة حكومة وطنية أجرت انتخابات وتشكل مجلس نيابي انتخب شكري القوتلي رئيساً للجمهورية  .

      ملف:Qwtly.jpg

                                               شكري القوتلي

في هذه المرحلة كان الحكم بيد الكتلة الوطنية التي قادت النضال ضد الفرنسين وهي عبارة عن قيادات تنتمي إلى تحالف بين رجال المال والإقطاع وأعداد من الطبقة الوسطى ومن رجال الدين ولكن سرعان ما واجهتها الانقسامات من حلب وحمص ودير الزور فتحولت إلى حزب سياسي هو الحزب الوطني وأغلب قياداته من دمشق في حين تشكل حزب لشعب في حلب وضم قيادات حلبية قوية وقيادات موالية في حمص.

باقي الكتل السياسية كانت قليلة وغير منظمة وتتمحور حول زعامات شخصية من الطبقة الوسطى ومن العشائر وتفتقد التنظيم الحزبي وأبرزها زعامة النائب أكرم الحوراني في  حماة التي تحولت إلى حزب محلي هو حزب الشباب وتولى الحوراني مهمة معارضة الحكومة داعياً إلى دور واسع للفلاحين والعمال ثم تحول حزبه إلى حزب شامل باسم الحزب العربي الاشتراكي ورفدته قوى مثقفة غلبت عليها الاتجاهات اليسارية.

http://www.alazmenah.com/PublicFiles/Image/akrm.jpg

الحزب القومي السوري الاجتماعي: أسسه مفكر كبير هو أنطون سعادة من لبنان ولكن امتداده الكبير كان في سورية وهو يدعو إلى قومية سورية وإلى وحدة سورية تضم بلاد الشام والعراق وجزيرة قبرص كوحدة متجانسة ويجمعها تاريخ مشترك وهي جزء من محيطها العربي وعملياً وضع الحزب نفسه بمواجهة قومية عربية صاعدة بالإضافة إلى أنه أول من دعا إلى فصل الدين عن الدولة فغضب عليه رجال الدين وقد انضمت إليه أعداد من الدروز والعلويين والمسيحيين والمسلمين وصارت له كتلة قوية داخل الجيش تمت تصفيتها بعد مقتل العقيد عدنان المالكي في 22-4-1955.

https://sphotos-a.xx.fbcdn.net/hphotos-prn1/12712_458238887550153_635650992_n.jpg

أنطون سعادة

الشيوعيون: لم يكن حزبهم مرخصاً وقد نجح لهم نائب في دمشق هو خالد بكداش بدعم من  أكراد دمشق ومن هذا التاريخ عام 1954  صار لهم حزب رسمي وقد تسربت أعداد منهم إلى الجيش وشكلوا كتلة فاعلة برئاسة عفيف البزري .

http://www.arab-ency.com/servers/gallery/3495-1.jpg

خالد بكداش

حزب البعث: أسسته مجموعة من أساتذة المدارس ومن قياداته ميشيل عفلق وصلاح البيطار وكان يدعو الى الوحدة العربية ولكن بدون مشروع سياسي مفصل وانتشر في جبل الدروز وجبل العلوين وفي بؤر صغيرة في المدن  وتنامى دوره بعد  توحده مع الحزب العربي الاشتراكي الذي رفده بقوى من الفلاحين  والعمال وسيطر على الحكم  بعد 8 آذار 1963 وفي هذا التاريخ انفصل الحزبان البعث والعربي الاشتراكي الذي اختار بعد 8 آذار العمل تحت اسم حركة الإشتراكيين العرب .

             http://2.bp.blogspot.com/-01vdhUav9ak/UKSwXGnX14I/AAAAAAAAAlo/sYOcIBRVdiM/s1600/004.jpg                    http://www.sham-cafe.net/kleeja/uploads/13629836101.jpg      

                  ميشيل عفلق                              صلاح البيطار

 

أهم الأحداث التي واجهت عهد الاستقلال

 

1-  حركة سليمان المرشد :

هو سليمان بن مرشد يونس ولد عام 1907 في قرية شرقي اللاذقية تدعى (جوبة برغال) وتقطنها عشيرة غسان وهي عشيرة صغيرة تعيش في محيط علوي عشائري أكبر. ومنذ بلوغه سن الـ 18 عاماً بدأ العمل على توحيد عشيرته أولاً وهي منتشرة أيضاً في القنيطرة  في قريتي زعورة والغجر وفي جبل الحلو في قرى شين وعوج ومريمين وتم له ذلك في 12-7-1923.

انتخب نائباً عن العلويين في المجلس النيابي وقاد حركة فلاحية ضد الملاك الإقطاعيين واستولى على بعض قراهم مدعياً أنهم اغتصبوها من أهلها وسعى هؤلاء إلى تحريض  الحكومة في دمشق التي قامت بإرسال تجريدة عسكرية إلى جوبة برغال حيث قتل هناك بعض الدرك واعتقل المرشد وعدد من أتباعه ثم حوكم في اللاذقية في جو عدائي وضغط  من الاقطاعين في اللاذقية الذين كفروه فوافق شكري القوتلي على تنفيذ حكم الإعدام به في ساحة المرجة بدمشق.

من تاريخ الرجل وعلى خلاف ما زعمه الإقطاعيون عن تبعيته لفرنسا فإنه حاربها مدة ثلاثة أشهر فاعتقل ونفي إلى الرقة مشياً على الأقدام ولمدة ثلاث سنوات ثم فرضوا عليه بعد ذلك الإقامة الجبرية لمدة ست سنوات ، وفي انتخابات الاستقلال دعم الكتلة الوطنية ونجح نائباً عن الجبل .

https://encrypted-tbn1.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcQkth01-IsX37Idbgh1V8-sXpDWG_m8FHXxB4Q1KMeNUbAocHHf9A  سليمان المرشد

عومل أتباعه بعنف سلطوي وكفروا وعذبوا وعملياً هو من فرق الباطنية العلوية وكان يسمي نفسه رئيس الشعب العلوي الحيدري الغساني وما يزال أتباعه منتشرين في سورية وانتقلت الزعامة الروحية إلى ابنه مجيب الذي قتلته المخابرات عام 1951 ولهؤلاء  حضور قوي في الجيش والمخابرات في عهد الأسد.

ليس صحيحاً أنه كان انعزالياً لأنه نجح في قوائم الكتلة الوطنية المعادية تاريخياً للافرنسيين كما أنه قدم مع نائب الحفة الحجة طلباً لضم الحفة إلى محافظة حلب ولكنه كان على خلاف مع مشايخ العلويين لأنه ألغى توارث المشيخة والحقيقة أن الإقطاع السني في اللاذقية والذي شايعه الإقطاع الحاكم وبعض زعامات ومشايخ الجبل كانوا وراء تصفيته ..!

 

2-  حرب فلسطين :

واجهت الجمهورية الفتية مشكلة تقسيم فلسطين ودخلت مع الدول العربية الحرب ضد العصابات الصهيونية وهي لا تملك جيشاً صالحاً لخوض الحرب  فتعداده قليل جداً وبالكاد يكفي للأمن الداخلي وتسليحه محدود جداً من أسلحة فرنسية تركها الفرنسيون والحصول  على سلاح وذخيرة صعب جداً من الناحية المالية ومن رفض الغرب بيع السلاح والذخيرة للعرب .

كانت القوات السورية  في الحرب  مكونة من 1780 جندياً وضابطاً مع 13 دبابة فرنسية وكتيبة مدفعية عيار 75 مع عدد من المصفحات والسيارات وكانت بقيادة العقيد عبد الوهاب الحكيم.

المشاعر الشعبية لم تدرك المأزق والحكومة جازفت بحرب لم يتم الإعداد لها  .

قامت دولة إسرائيل وخلق هذا حالة إحتجاج شعبي على الحكومة مع أنها عملياً لم تكن قادرة وبالتأكيد لم تكن متآمرة كما زعم خصومها السياسيون.

كان كبار ضباط الجيش من عائلات الإقطاع السياسي الذين تدربوا في الجيش الفرنسي والتحقوا بحكومة الجلاء وكانت خبرتهم جيدة ولكن الحكومة لم تؤمن لهم المدد اللازم والموازنة كانت ضعيفة والموارد لا تسمح  بالمدد من السلاح . .

تولى بعض السياسيين الموالين عكس الأمر وشنوا في المجلس النيابي حملات ظالمة على الجيش ، أما في الداخل الشعبي فكان الناس يطالبون بحكومة جديدة تسلح الجيش وتعده لمعركة التحرير.

هذا الوضع هو الذي قاد البلد إلى مرحلة الإنقلابات العسكرية التي كلها طبعاً ادّعت أنها تريد إعداد جيش قوي من أجل التحرير فكانت النتيجة أن الجيش تحول إلى السيطرة على الحكم وكان ضباطه أقوياء على الشعب فقط ولم يحرروا شبراً.

    http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/b/bd/%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%B7%D8%A9_%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86.png  فلسطين في حرب 1948

 

الإنقلابات العسكرية والصراع على سورية

 

كانت سورية جمهورية ديمقراطية برلمانية الحكم فيها لمجلس الوزراء ورئيس الجمهورية رئيس دستوري لايملك من الصلاحيات ما يجعله حاكماً فرداً كما في الديمقراطيات الأوربية وكانت سورية حرة ولا ترتبط بأي معاهدة أو حلف أجنبي ولا قواعد عسكرية لأي دولة أجنبية أو عربية فيها .

واجهت سورية تدخلات عربية ودولية لإجهاض الجمهورية الديموقراطية الحرة في وسط ملكي مطلق وحكومات إستبدادية لا تنظر بإرتياح إلى نمو الإتجاهات الديمقراطية وتخاف على أنظمتها منها ولذلك لعبت على المشاعر العربية الوحدوية في سورية فطرحت هذه الدول مشاريع للإستيلاء على سورية وجرها إلى هذا المعسكر أو ذاك والهدف إلغاء دورها  الحر وطبعاً كانت القوى الإستعمارية تغذي هذه الدول المتصارعة على سورية لتحقيق السيطرة والنفوذ فيها.  

العراق طرح مشروعه للوحدة تحت الوصاية البريطانية حيث كان العراق مرتبطاً بمعاهدة  مع بريطانيا فيها حق إقامة قواعد عسكرية والكثير مما يؤذي السيادة ولكن الذين يعرفون النوايا يقولون أن الهدف ليس الوحدة مع العراق بل فقط  تنصيب ولي العهد العراقي عبد الاله ملكاً على سورية وقد استغل العراقيون بعض قيادات حلب تخصيصاً لهذه الغاية ولم ينجحوا .

من ناحية ثانية فإن الأمير عبدالله في الأردن كان يحلم بتوسيع إمارته لتشمل سورية وطرح مشروع سورية الكبرى تحت العرش الهاشمي ووالاه سياسيون من دمشق سبق أن كانوا يوالون الملك فيصل الأول.

السعوديون ومصر كلاهما رفضا أي امتداد للهاشميين إلى سورية وتخوفوا منهم على أنظمتهم وكان شكري القوتلي والحزب الوطني يوالون مصر والسعودية في هذا الشأن .  

القوى السياسية الصاعدة ذات الحضور الشعبي رفضت كل هذه المشاريع ليس رفضاً للوحدة بل لأن هذه المشاريع تقف خلفها قوى استعمارية تريد القضاء على استقلال سورية وجمهوريتها الديمقراطية وكان لهذه القوى حضور في الجيش واوقفت الصراع على سورية  للإلتحاق بالغرب أو الوحدة مع وجود معاهدات مع الخارج.

في ظل الحرب الباردة بين المعسكر الإشتراكي والغرب الرأسمالي كانت الدول الكبرى تتدخل في الصراع العربي على سورية وهدفها الحقيقي ضم سورية إلى الاْحلاف التي أقامتها في المنطقة لمقاومة المد الشيوعي ولكن برغم كل الإنقلابات ظلت سورية عصية على محاولات الاحتواء من الغرب والشرق معاً.

 

الإنقلاب السوري الأول ( حسني الزعيم)

 

قبل الإنقلاب كان في مجلس النواب خلاف حول السماح بتمديد أنابيب النفط السعودي عبر سورية إلى لبنان حيث المصب في الزهراني في جنوب لبنان وتعثر الأمر كثيراً بعضهم تخوف من نفوذ سعودي أو أميركي وكان من يوالي العراق لا يريد تسهيل وصول النفط السعودي أو عرقلته لمنع مزاحمته لنفط العراق وشركاته في ظرف كان الأميركيون  مستعجلين على وصوله.

استغل قائد الجيش حسني الزعيم هجمات النواب على الجيش وشجعه الأميركيون فقاد في 30-3-1949 إنقلاباً على الحكم الديمقراطي واعتقل رئيس الجمهورية شكري القوتلي ورئيس الوزراء خالد العظم وأودعهما سجن المزة العسكري وأول إجراء قام به هو توقيع إتفاقية التابلين لمرور النفط السعودي وحل مجلس النواب ثم نظم استفتاء على رئاسة الجمهورية ولم يترشح ضده سوى شخص غير معروف من دمشق ادعى أنه رئيس (حزب الله) فأودعه الزعيم سجن المزة وزعم أنه مجنون ولم يسحب ترشيحه وكانت نتيجة الاستفتاء هي 114% وحين اقترح وزير الداخلية أن تذاع النتيجة بـ 99% رفض الزعيم الاقتراح وقال اعلنوها 114% لأن هذه كذبة وتلك أكذب.

حسني الزعيم

اعتمد الزعيم لرئاسة الوزارة حسني البرازي وهو مثله من أصول كردية وكذلك محسن البرازي وخلال 143 يوماً من حكمه أنجز تشريعات علمانية فألغى مجلة الأحكام العدلية وبسرعة رتب له السنهوري باشا من مصر القانون المدني وكان هذا صعباً وعليه اعتراضات دينية  لم يأبه لها الزعيم .

على الصعيد السياسي كان الزعيم مرتبطاً بالاْميركيين وبالفرنسيين الذين يعرف ضباطهم

من رفاق السلاح يوم كان في جيشهم خلال فترة الإنتداب.

الصحف في لبنان شنت على الزعيم وحكمه الحملات فغضب وحاول التدخل في لبنان واستعان بالحزب القومي السوري بزعامة أنطون سعادة ليقوم بعصيان مسلح ضد الحكم اللبناني واستقبل أنطون سعادة وأهداه مسدساً ووعده بالمساعدة العسكرية ولكن ما إن انكشف الاْمر حتى واجهه رفض فرنسي شديد وأميركي فقام بتسليم الزعيم أنطون سعادة إلى لبنان حيث أعدم بعد ساعات !!

هذا التسليم للاجىء سياسي كان مرفوضاً أخلاقياً وسياسياً ولوجود مؤيدين للحزب السوري القومي في الجيش فإن الحلقة العسكرية التي ساندت حسني الزعيم تفككت بسرعة مذهلة فقامت الأسباب المباشرة للإطاحة به .

 

الإنقلاب الثاني: سامي الحناوي(الديمقراطية الثانية)

 

http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/thumb/f/f6/Sami_al-Hinnawi.jpg/250px-Sami_al-Hinnawi.jpg

سامي الحناوي

أخذ هذا الإنقلاب اسم إنقلاب سامي الحناوي لأن الذي قاده هو قائد الجبهة السورية وهو ضابط جيد عسكرياً لكن أحاطته مجموعة عسكرية غاضبة من قوميين واشتراكيين ومن كتلة الضباط الشوام ومن ضباط دروز فأنجزوا الإنقلاب في ساعات الصبا ح الباكر من يوم 13-8-1949 وقام ضباط موالون لأنطون سعادة بقتل حسني الزعيم ومحسن البرازي بسرعة وادعوا محاكمتهما عسكرياً وهذا لم يتم أبداً.

قام الإنقلابيون بتسليم السلطة إلى المدنيين وادعوا أنهم سيعودون إلى ثكناتهم فاستلم السلطة هاشم الأتاسي الذي أجرى انتخابات لمجلس النواب في 15 -11-1949 ففاز كثيرون في حلب من الذين يؤيدون ما يسمى الوحدة مع العراق وتخوف خصوم هذه الوحدة لأنها عملياً لاتريد أكثر من تنصيب الأمير عبد الاله الوصي على عرش العراق ملكاً على سورية تحت النفوذ البريطاني المقيم في العراق .

هذا الخوف استغلته مجموعة من الضباط بحجة أن الوحدة مع العراق ستؤدي إلى فقدان سورية لإستقلالها وساندت السعودية ومصر معاً هؤلاء الضباط فقادوا إنقلاباً جديداً.

 

 

الإنقلاب الثالث : ( أديب الشيشكلي)

http://img6.imageshack.us/img6/4281/34293786.jpg

أديب الشيشكلي

 

قام العقيد أديب الشيشكلي قائد اللواء الأول المتمركز في درعا بانقلاب عسكري في  19-12-1949 واحتجز سامي الحناوي وأرسله بعد ذلك إلى لبنان ثم طلب من هاشم الأتاسي أن يشكل حكومة جديدة ولكنه رفض فشكلها خالد العظم الذي سرعان ما استقال فشكلها ناظم القدسي ثم حسن الحكيم فقام أديب الشيشكلي بتطوير إنقلابه إلى إنقلاب صريح .

 

الإنقلاب الرابع : ( أديب الشيشكلي)

 

بتاريخ 10-10-19551 قاد العقيد الشيشكلي إنقلاباً  أبيض أطاح بحكومة حسن الحكيم متهماً إياها بموالاة الأحلاف وحاول تكليف عدد من السياسيين بتأليف حكومة جديدة تحت سيطرة العسكر فرفض ذلك هاشم الأتاسي ورشدي الكيخيا وزكي الخطيب وسعيد حيدر وشكلها معروف الدواليبي.

الإنقلاب الخامس (للشيشكلي)

 

قام الشيشكلي بإنقلاب جديد بتاريخ 29-11-1951 وحل البرلمان وأسقط حكومة الدواليبي التي فازت بثقة المجلس وعيّن اللواء فوزي سلو رئيساً للدولة بصورة مؤقتة  وحظر الأحزاب وأجبر الموظفين على ترك الأحزاب واستثنى البعث والإشتراكي من الحظر وحين تبين له معارضتهما لإنقلابه حظرهما لاحقاً.

في 28-12-1951 زعم أنه كشف مؤامرة للإطاحة به واتهم أكرم الحوراني وصلاح البيطار ورشدي الكيخيا وميشيل عفلق وعسكريين ومنهم أنور بنود ومحمود شوكت.

في 1953 أجرى استفتاء فاز فيه بنسبة 99%  ثم في أيلول 1953 رفع الحظر عن الأحزاب ما عدا الحزب الشيوعي .

في هذه الفترة اندمج حزبا البعث والاشتراكي في حزب واحد إسمه حزب البعث العربي الاشتراكي وكان زعماء الحزب قد غادروا سورية إلى الخارج .

من ناحيته شكل الشيشكلي حزبه الخاص وسماه حزب التحرير وعيّن مأمون الكزبري من دمشق رئيساً للبرلمان الذي تم انتخابه على طريقة الاستفتاء.!

 

 

  الإنقلاب السادس: مصطفى حمدون  (الديمقراطية الثالثة)

 

                   مصطفى حمدون       http://3.bp.blogspot.com/-esTC5l0uv1w/ToGOQpiVKBI/AAAAAAAAABo/Ou6dsu5eVCc/s1600/afifbizri-jamal.jpg

 

 

 

كانت القوى السياسية من جميع الأحزاب قد عقدت مؤتمراً في بيت هاشم الأتاسي بحمص وقررت العمل على عودة الحياة الديمقراطية وشهدت سورية إضرابات طلابية وتظاهرات  معادية للشيشكلي قمعها بالإعتقالات.

في صباح 25-2-1954 قاد مصطفى حمدون من حلب والعقيد فيصل الأتاسي قائد المنطقة الشرقية تمرداً عسكرياً وتم اعتقال قائد المنطقة الشمالية اللواء عمر تمرخان وأذاع مصطفى حمدون نداء دعا فيه قطعات الجيش للإنضمام إلى المتمردين لإعادة الحياة الديمقراطية ودعا الشيشكلي للإستقالة والمغادرة وحقن الدماء. كانت كل القوى الأساسية في الجيش موالية للشيشكلي وكان بإمكانه قمع التمرد ولكنه رفض ذلك وقال  من أجل منصب لا أقبل أن يصطدم الجيش السوري مع بعضه فاستقال وغادر إلى بيروت  ونجح الإنقلاب بدون دم .

أعاد الإنقلابيون هاشم الأتاسي إلى الرئاسة وأعادوا وزارة معروف الدواليبي في موقف يعلن بطلان الإنقلاب على الشرعية كما أعيد مجلس النواب المنحل ثم كلف هاشم الأتاسي المحامي سعيد الغزي من دمشق كمستقل ومحايد  رئيسا للوزراء لإجراء انتخابات حرة سقط فيها رئيس الوزراء وحدث تطور هام وصار للبعث العربي الإشتراكي 17 نائباً بدلاً من اثنين وفاز خالد بكداش كأول شيوعي ومقابله زعيم اليمين الدمشقي خالد العظم .

وقد جرت هذه الإنتخابات في 24-أيلول 1954.

كان حكم الشيشكلي مدعوماً من السعودية ومن مصر عبد الناصر وكان ضد الهاشميين  ولكن لم يربط سورية بأي معاهدة أو حلف وعدم قمعه للإنقلاب ضده خوفًاً على وحدة الجيش ترك له احتراماً شديداً وقوى شعبية احتجت على ديكتاتوريته ولكن لم تجرح وطنيته.

 

الإنقلاب السابع والوحدة مع مصر

 

في الفترة بعد 25-2-1954  كان الوضع السياسي هو شراكة بين الحكم المدني والجيش  الذي تولى المراقبة والتدخل الناعم !

في 22-4-1955 قام أنفار من الحزب القومي السوري باغتيال العقيد عدنان المالكي في الملعب البلدي فتم الإنتقال من حكم الشراكة إلى حكم عسكري أكثر تدخلاً وتم تصفية الحزب القومي السوري من الجيش والإدارة وصار للمخابرات العسكرية سلطة مرعبة فاعتقلت السياسيين ونسبت إليهم التآمر كما غيّرت المناصب العسكرية فتولى الشيوعي عفيف البزري قيادة الجيش وتولى مصطفى حمدون الإدارة والتنظيم في الأركان فكانت هذه الحركة التي تسترت واستغلت مقتل المالكي هي إنقلاب غير معلن بدّل في القوى العسكرية باتجاه التعاون مع  مصر وعقد محمود رياض سفير مصر مع رئيس المخابرات عبد الحميد السراج اتفاقاً سرياً لدعم الاتجاه المصري.

كان في الجيش السوري عدة كتل يواليها سياسيون مدنيون وأحزاب من الساحة السورية   أهمها كتلة البعث العربي الإشتراكي وكتلة الشيوعيين وكتلة الضباط الشوام وكتلة المستقلين وكانت  تتصارع مع بعضها في حين منحت عبد الحميد السراج سلطات غير معقولة فباع سلطته إلى المخابرات المصرية وكان ينسق مع محمود رياض سفير مصر في سورية في كل شأن .

كانت زعامة عبد الناصر في أوج صعودها بعد تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر ومعركة بناء السد العالي وشراء السلاح من المعسكر الإشتراكي ورفض الأحلاف وتشكيل مجموعة الحياد الإيجابي مع نهرو الهند والجنرال تيتو اليوغسلافي فصار الشعب يؤيده  ويرى فيه زعيماً عربياً حراً افتقدت وجوده الأمة العربية طويلاً فساعد ذلك على تعاظم احترامه في كل كتل الجيش المتصارعة.

وعندما بدأت الكفة تميل لصالح الشيوعيين الذين دعمهم النفوذ السوفياتي بعد شراء السلاح منه صار الخوف من نجاح كتلة الشيوعيين في الجيش يهدد بتحويل سورية إلى  أول دولة شيوعية في المنطقة العربية ولاحت في الأفق مشاريع إنقلابات متعددة  فقرر قادة الكتل تفادي الإصطدام فيما بينهم فذهبوا إلى القاهرة وبايعوا عبد الناصر على الزعامة وسلموه البلد وكما قدروا فإن الشعب سوف يرحب بالوحدة العربية التي جاهد من أجلها الأمر الذي سهل لهم ذلك .

غادر دمشق قادة الكتل العسكرية وعددهم 14 ضابطاً هم: عفيف البزري مصطفى حمدون - عبد الغني قنوت - أكرم ديري - أحمد عبد الكريم - طعمة العوده الله - جادو عزالدين - بشير صادق - ياسين الفرجاني - كاظم زيتونة - مصطفى رام حمداني - أحمد  حنيدي - أمين الحافظ .

http://3.bp.blogspot.com/-esTC5l0uv1w/ToGOQpiVKBI/AAAAAAAAABo/Ou6dsu5eVCc/s1600/afifbizri-jamal.jpg

الضباط مع عبد الناصر

وطبعاً كان في دمشق منسق الوفد مدير المخابرات ورجل  مصر عبد الحميد السراج  كما   أوكلوا قيادة الأركان في غيابهم لأحدهم وهو أمين النفوري .

هذا الوفد عرض على عبد الناصر الوحدة فسألهم عن شكري القوتلي رئيس الجمهورية فقالوا إنه في دمشق ولا يستطيع الرفض فنحن نمثل كل قطعات الجيش .

وحين قال لهم هناك صعوبات أهمها أنكم في الجيش مسيسون وأنا في مصر لا أقبل سياسة في الجيش فقالوا له ستكون لك السلطة لإعادة ترتيب الجيش ونحن في خدمة الوحدة خارج الجيش وحين قال لهم في سورية أحزاب ونحن في مصر نحظرها وبديلنا في العمل السياسي هو الإتحاد القومي فقالوا له نوافق على حل الأحزاب في سبيل الوحدة   وختاماً قالوا له أننا أتينا إليك لتخلصنا من أنفسنا وخلافاتنا ولكي لا يسفك الجيش السوري دماء بعضه عندئذ قرأ الجميع الفاتحة ، وسلموا سورية إلى عبد الناصر!!

في دمشق فوجئت الحكومة بالأمر وبعضهم اعتبره انقلاباً على الشرعية فأ رسلوا على عجل وزير الخارجية صلاح البيطار إلى القاهرة حاملاً مشروعاً  اتحاديًا ولكن كان الإنقلاب التوافقي العسكري قد انتهى إلى وحدة أطاحت بالأحزاب وبالنظام البرلماني الدستوري ولم يتجاسر أحد على المخالفة لأن الشعب يريد الوحدة ولا يعرف الخفايا ومستعد أن يخوٌن من يرفضها.!!

 قامت الوحدة في  22-2-1958 وأعلن حزب البعث حل نفسه وسط صيحات معارضة رفضت الحل وجاء عبد الناصر إلى دمشق كزعيم للعرب كلهم وجاء الضباط المصريون  وتسلموا قيادة الجيش فعلياً وأحضروا جهاز مخابراتهم إلى جانب مخابرات رجلهم في سورية عبد الحميد السراج وأعلنوا الأحكام العرفية مع عدم ضرورتها وذلك تشبهاً بمصر المحكومة بنظام الطوارئ ووحدة بلا أحكام عرفية ومخابرات برأي النظام المصري ليست وحدة يمكن حمايتها .

عملياً وبعد هدوء المشاعر الحماسية اكتشفت النخب السياسية أن ما تم ليس وحدة بل  فقط نقل النموذج العسكري المصري إلى سورية وإلغاء الأحزاب والبرلمان وتسريح المئات من ضباط الجيش ومن ثم سيطرة المصريين على قيادة الجيش لذلك سرعان ما بدأت الإنشقاقات في الجيش والشعب وانتهى الأمر إلى إنقلاب عسكري قاده ضباط من كتلة دمشق المتدينة التي سلمها المشير عامر بعض القيادات على أساس أنها ستوالي  النظام ولا ميول يسارية ضمنها  .

 القيادة المصرية لم تحقق تحريراً وكل ما فعلته هو إلغاء دور سوريا الديمقراطي  والوطني وقمعت الشيوعية وسرّحت المئات من الضباط الوطنين  .

 

 

الإنقلاب الثامن: عبد الكريم النحلاوي والانفصال (الديمقراطية الرابعة)

http://www.aljazeera.net/mritems/images/2010/4/28/1_987761_1_3.jpg

عبد الكريم النحلاوي

 

في صباح 28-9-1961 استفاقت دمشق على حركة تمرد في الجيش السوري بقيادة  ضباط أغلبهم من دمشق تخصيصاً وأهمهم عبد الكريم النحلاوي وحيدر الكزبري قائد لواء العشائر وموفق عصاصة وكلهم استلموا مراكز قيادية بعد تسريح الضباط  المحسوبين على البعث وحلفائه.

حاول عبد الناصر قمع التمرد بواسطة قوات من المغاوير أرسلت على عجل إلى اللاذقية   ولكن سرعان ما تبين له خطأ التصادم العسكري واستحالته لدخول دول إقليمية ودولية على خط العصيان الذي تحول بعد مفاوضات مع المشير عامر إلى الفشل فقام الإنقلابيون بإعلان فصل الوحدة مع مصر.    

 

http://www.syrianhistory.com/uploads/photo/image/578.jpgالإنقلاب التاسع : زياد الحريري وسيطرة البعث

 

 

 

                              زياد الحريري

في صباح يوم 8 آذار 1963 قامت قوات اللواء زياد الحريري المتواجدة على الجبهة مع إسرائيل بترك الجبهة وتوجهت إلى دمشق فاحتلت الإذاعة والأركان والدوائر الرسمية. ثم أعلنت قيام إنقلاب وحدوي ضد الإنفصاليين كنتيجة لاتفاق سياسي بين البعث والناصريين مدعوماً من مصر ومن العراق الذي تسلم فيه البعثيون الحكم قبل شهر.

التجانس بين الفرقاء كان مفقوداً لذلك توزعوا إلى فريقين فور نجاح الإنقلاب أحدهما ناصري يريد إعادة الوحدة فوراً وآخر بعثي يريد حواراً مسبقاً لإعادتها وشروطاً ديمقراطية واختصروا ذلك بعبارة وحدة مشروطة .

هذا الخلاف أدى إلى محاولة إنقلاب ناصري ضد البعث في 18 تموز1963 تم قمعها بالقوة وسالت دماء وتسريحات من الجيش واعتقالات ثم تم ترحيل قائد الإنقلاب اللواء زياد الحريري سفيراً إلى اسبانيا وأحكم البعثيون سيطرتهم على الحكم وتبين أن اللجنة العسكرية التي قادت الإنقلاب ثم أحكمت سيطرتها مكونة من ضباط هم :

(صلاح جديد وحافظ الأسد وعبد الكريم الجندي وسليم حاطوم ومحمد عمران وفهد الشاعر) وكلهم تستروا بحزب البعث ولكن كان لكل منهم مشروعه للحكم فاصطدموا مع بعضهم على مراحل.

 

الإنقلاب العاشر: ( صلاح جديد ) وإقصاء قيادة البعث التاريخية

صلاح جديد

في 23-2-1966 تم في إنقلاب عسكري دموي إقصاء قيادة حزب البعث عن الحكم لصالح مجموعة من البعثيين اليساريين تستر بها العسكريون للخلاص من القيادة التاريخية للبعث ثم تم إقصاء أحد أبرز أعضاء اللجنة العسكرية اللواء محمد عمران ثم  فشل إنقلاب قام به أحد أعضاء اللجنة سليم حاطوم ثم قيل أن عبد الكريم الجندي قد انتحر وكان الإنقلابيون قد اتجهوا لتغطية خلافهم مع القيادة التاريخية المدنية للبعث اتجاهاً يسارياً ونسجوا علاقات جيدة مع السوفيات ولكن في الداخل لم يسمحوا بأي نشاط للحزب الشيوعي ولا لغيره من الأحزاب وأصدروا تشريعات متطرفة وتسببوا في هروب رؤوس أموال كثيرة ولم ينجحوا في إدارة الإقتصاد أبداً.

كانت القوة العسكرية موزعة بين صلاح جديد رئيس الأركان وحافظ الأسد قائد سلاح الجو وعبد الكريم الجندي رئيس المخابرات وسليم حاطوم الذي يسيطر على الإذاعة وقد احتدم الصراع بين هؤلاء فانتحر عبد الكريم الجندي أو نحر وهرب سليم حاطوم إلى الأردن بعد محاولة إنقلابية فاشلة فأصبحت اللجنة العسكرية التي تقود الدولة مكونة من حافظ الأسد وصلاح جديد وكلاهما يطمح للزعامة فاختلفا وكان ذلك سبباً في إنقلاب آخر.

 

 

الإنقلاب الحادي عشر: حافظ الأسد وحكم السلطة

 

http://sphotos-d.ak.fbcdn.net/hphotos-ak-ash4/s480x480/302870_530716190272904_836819933_n.jpg

حافظ الأسد

               

 أطاح حافظ الأسد قائد القوى الجوية بصلاح جديد والبعث اليساري في إنقلاب عسكري في تشرين الثاني 1970 معتمداً على يمين دمشق وقوى خارجية أيدته ضد التوجهات اليسارية للقيادة السابقة علماً أنه في حزيران 1967  كان وزيراً للدفاع وأمر الجيش بالانسحاب من الجولان كيفياً ومع ذلك صار بعد الإنقلاب بطلاً قومياً ...

 

 

حافظ الأسد والحركة التصحيحية

 

أقام حافظ الأسد حكمه على شعارات براقة ( حرية الشعب وكرامته ) وأطلق سراح المعتقلين وسمح بعودة بعض المبعدين فأيدته دمشق وتجارها الذين عانوا من بطش   عسكر 23 شباط ويساريتهم ثم سافر إلى المدن السورية مبشراً بمستقبل باهر وبحكم منفتح على حريات الناس وحصل على تأييد  كبير.

في دمشق سلّم رئاسة الدولة إلى أحد أتباعه من حزب البعث أحمد الخطيب الذي عندما زارته نقابة المحامين في دمشق برئاسة النقيب رياض العابد وكنت عضواً في النقابة , حدث بيني وبينه جدل حول ضرورة صدور قوانين تحقق شعار حرية الشعب وكرامته لكي يصدقه الناس وتدخل النقيب للتهدئة وأثناء خروجنا أحاطني بيده قائلاً لم نقرأ لك جديدا فقلت له يا أستاذ أحمد حتى على الحيطان لم تسمحوا لنا بالكتابة.!

 أجرى الأسد استفتاء على رئاسة الجمهورية كان فيه المرشح الوحيد وحصل على99% وأصدر دستوراً لم ينص على دين رئيس الدولة فواجهته انتقادات دينية سرعان ما طوقها وأعاد النص المستقر (دين رئيس الدولة الإسلام)  وحصل على فتاوى دينية أن  عبارة الإسلام تشمل كل من كان مسلماً من أي طائفة أو مذهب وقرّب إليه رجال الدين الإسلامي إلى درجة أن رفاقه في الجيش أطلقوا عليهم اللواء المشيخي تهكما.

في اجتماعي مع الفريق الأسد غداة الحركة التصحيحية وقبل تشكيل وزارته الجديدة  وكان ذلك بناء على طلبه وبناء على نصيحة من القوى العسكرية في حمص تبين لي  معارضته لأي دور لقيادات البعث التاريخية وحين سألني مباشرة عن موقفي من ميشيل عفلق وصلاح البيطار وأكرم الحوراني قلت له لا أوافق على اتهامهم بالخيانة وغيرها فهم مؤسسوا الحزب ويجب احترام تاريخهم  وليس من الضروري أن يكون لهم دور يومي ويمكن ترتيب وضع محترم لهم في المناسبات فقال لي أن ميشيل عفلق يقبل بذلك  وصلاح البيطار أنا أحبه وقد هربته من السجن وتحملت المسؤولية وقد يقبل ولكن أكرم الحوراني لا يقبل فقلت له أنا أعرف الاستاذ أكرم جيداً وأقول لك بالدبابات لا يقبل ولكن يمكن تطويقه مدنياً بعناصر من الحزب تقنعه بأن يرتاح محترماً ومحبوباً فقد يقبل وقال الفريق شرطنا لأي اتفاق معكم أنتم الاشتراكيون هو أن تقطعوا علاقتكم بالحوراني . انتقلنا بالحديث إلى أمور أخرى سياسية واقتصادية وعن الشكل المستقبلي للحكم كان يميل إلى مفهوم الحركة العربية الواحدة كتجمع سياسي حاكم مدنياً وحين اعترضت على الصيغة منوهاً أن الاتفاق مع أحزاب الساحة صحيح سياسياً  ولكن مع الإشتراكيين لا ضرورة لأي اتفاق سياسي كحزب مستقل والطريق هو إعادة وحدة الحزب لا الاتفاق الجبهوي بين أطرافه وطبعاً  تبين لي أن الجواب لم يعجبه وابتسم وأخيراً قال لي ماذا تريد أنت بالضبط  فقلت له أنا في مكتبي أحصل على موارد تزيد  كثيراً عن رواتب عدة وزراء ولا هدف مالي لي  وكل مانريده هو أن تحملوا أي رأي منا على أنه رغبة في الإصلاح لا في إسقاط النظام والذهاب إلى الإعتقالات فقال لي أوافقك الرأي وقال مازحاً إذا اعتقلت فأنا الوحيد الذي يكون قد أمر بذلك. وربما أنه أخذ فكرة عني أنني مناقش وهو لايرتاح للمناقشين .

وفي سؤال أخير قال لي ما رأيك فيٌ فقلت كان رأينا فيك أنك عسكري ومعلوماتك السياسية قليلة ولكن ما شاء الله أنت خبير في كل شيء أتمنى لك التوفيق .

بعد هذا اللقاء اجتمعت برفاقنا وقلت لهم  بالموجز أن البلد مقبلة على حكم عسكري وقيادة مصممة لاتستفز يقودها داهية لا يقبل مشاركة ولا أي رأي آخر يخالفه ونصحت  بالحذر الشديد وعدم إعطائه المبرر للقمع .

 

 

 

طريقة حافظ الأسد في الحكم

 

أولاً : الإعتماد على مجموعة تتولى أجهزة المخابرات سبق إعدادها في مخابرات القوى الجوية التي كانت برئاسته وهؤلاء يجب انتقاؤهم على قاعدة الولاء المطلق للقائد وأن يخافونه ولا يخافون الله .

في هذا المجال قرأت صفحة من مذكرات اللواء محمد عمران ذكر فيها أنه في لقاء مع الأسد حذره من الذهاب إلى القيادة المباشرة للدولة وإن اعتماد نظام البرادي هو الأفضل    فقال له الأسد أنت لا تفهم أنا بخمس زعران أحكم سوريا حتى أموت وهذا يدل على أن أهم مفصل في حكم الأسد هو مخابرات لا تحلل ولا تحرم ولا تخاف الله ومستعدة لأوسع  الجرائم بحق الشعب محمية بحصانة وفرها لها القائد .

ثانياً: نظام رئاسي ديكتاتوري يتولى فيه سلطات تنفيذية وتشريعية وقضائية وفرها له دستور أعده على مقاسه وطموحاته في السيطرة المطلقة فهو رئيس السلطة التنفيذية ورئيس مجلس القضاء الأعلى والقائد العام للجيش والقوات المسلحة وهو أيضاً الأمين العام للحزب الذي يقود ولو شكلياً الدولة والمجتمع وهو يملك سلطات تشريعية في غياب  مجلس الشعب الذي هو بحكم الغائب دائماً والموافق على طول الخط  .

هذه الصلاحيات لم يحلم بها حاكم ولا طاغية على مر التاريخ البشري وهي تدل على حجم الظلم الذي أحاق بالبلد ووفر أسباب انفجاره الذي طال كثيراً .

ثالثاً : جهاز إعلامي نشر ثقافة الطاعة والتمجيد بالقائد وترويج أكاذيب النظام وحشد فيه  مجموعة أساسية من أهل النظام والطائفة وعدداً من المنافقين ومثقفي السلطة وكل هؤلاء في خدمة القائد وتبرير أفعاله وتحويله إلى مشروع نصف إله ..

رابعاً: تنظيم سياسي موالي 100%  من مجموعة أشخاص تختارهم مخابراته تحت اسم  (جبهة وطنية تقدمية) أحزابها بلا أعضاء فاعلين ووجودها نفاقي ومهمتها إعلان الموافقة على تصرفات القائد وتمجيده ولا مانع لديه من تقسيم هذه الأحزاب وزيادة أطراف الجبهة بهم كتعبيرعن تعددية سياسية موجودة على الورق وللاستهلاك الخارجي.

خامساً : حزب قائد لا يقود غير ما يسمح له القائد بقيادته تحت إشراف ورقابة المخابرات كالشبيبة والطلائع واتحادات الرياضة والعمال والنقابات المهنية وعملياً كان حزب البعث لا يقود الدولة ولا المجتمع ولكن ذلك كان ستارة لحكم طائفي ديكتاتوري لا أكثر ومن يعتقد أن البعث كان حاكماً للدولة والمجتمع في عهد الأسد وإبنه يكون واهماً   ولا يقول الحقيقة خوفاً أو نفاقاً  .

سادساً : تنظيم الجيش بشكل تكون فيه كل مراكز القوة والتأثير بيد عناصر من عشيرته  وأهل بيته وطائفته ومن يكون خارج هذه الدائرة يجب إحاطته بضباط تكون لهم السيطرة الفعلية والرقابة على سلوك مرؤوسيهم من الطوائف الأخرى .

هذا الجيش لا يتدخل في السياسة ولا مكان فيه للأحزاب وهو جيش الأسد لا جيش سورية عملياً وشكل فيه مجلساً من قادة الفرق والألوية الموالية تقدم له الإقتراحات ولاتملك أي سلطة ونشر نظرية انتهازية فيه هي أن الجيش يُحاسِب ولا يُحاسَب ومنح الضباط  صلاحية الانتفاع من جنود الاحتياط في منازلهم ومزارعهم وفي كل مشاريعهم العمرانية وتغاضى عن تصاعد الرشوة في الجيش لكي  يحافظ على ولاء المنتفعين .

سابعاً: اعتمد على نظرية تقول أن الحكم يقوى إذا اتسعت دائرة المنتفعين منه وكل من لاينتفع من النظام أو يرفض الانتفاع إذا عرض عليه هو معارض يجب وضعه تحت المراقبة وهذا شجع الكثيرين على الطاعة انتفاعاً.

ثامناً: الإعتماد في المدن الكبرى على عدد من كبار التجار ومشاركتهم في المنافع لأنه كان يعتقد أن اليمين الديني يشكل خطراً إذا كان التجار معه وخاصة في دمشق حيث التحالف بين رجال الدين وكبار التجار كان وراء الكثير من التحولات لذلك عمل الأسد على فك هذا التحالف حين حصل على طاعة كبار التجار ونفعّهم كثيراً فصار اليمين الديني غير قادر على إغلاق الأسواق وعلى مقاومة الحكومات كما كان يفعل سابقاً وقسم من هذا اليمين في بعض المدن اختار العنف لأنه فقد حليفه المدني التجاري الذي صار في جيب النظام .

تاسعاً : تشكيل مجلس الشعب وكافة المجالس المحلية ونقابات العمال والنقابات المهنية على  قاعدة ( التعيين بالإنتخاب) حيث تعد المخابرات الأسماء المطلوبة وتتولى وزارة الداخلية إخراجها كأي إخراج في فيلم سينمائي وكل الأكاذيب عن صناديق الإنتخاب لم يصدقها الشعب الذي يعرف أسماء (الناجحين)  قبل الإقتراع  !!!

عاشراً : السيطرة الإقتصادية على كل موارد البلد فالنفط تذهب موارده إلى صندوق خاص في القصر الجمهوري ولا يدخل موازنة الدولة وكل القطاعات الإقتصادية وضعت تحت تصرف مجموعات من العائلة والطائفة تدير الإقتصاد الوطني كشركة تابعة لها وحصل هؤلاء على أموال خيالية ليست لهم كلها فالبيت الحاكم كان يتقاسم معهم الصفقات وكل عملية إقتصادية لا تتم عن طريقهم يتم إلغاؤها بجرة قلم ولو كانت قانونية ونظيفة .

الحادي عشر: تسييس القضاء وتعيين قضاة موالين ومن الطائفة والسيطرة على القضاء وإلحاقه بالأجهزة وعملياً هو بموجب دستوره هو رئيس مجلس القضاء الأعلى وقد أدى ذلك إلى فقدان القضاء لإستقلاله و صار جهازاً تابعاً للسلطة التنفيذية وافتقد الناس العدل.   

الثاني عشر : القضاء على الطبقة الوسطى باعتبارها  القوة الوطنية الفاعلة شعبياً وقطع أرزاقها وعدم توظيف أحد منها وتهجير صغار رجال الأعمال منها إلى الخارج بسبب التضييق على أعمالهم وقد نجح في تدمير هذه الطبقة التي كانت وراء التغيير في البلد في حين أن الفلاحين غير منظمين  ومسيطر عليهم والعمال مقموعون ولا يشكلون قوة فاعلة والنقابات العمالية والفلاحية تحت السيطرة في حين لا يمكن فرض أي تنظيم رقابي  على الطبقة الوسطى وهكذا صارت هذه الطبقة تعيش من مدخراتها و تحولت إلى طابور  الفقراء والمحتاجين وشلت فاعليتها. وكقاعدة سياسية عالمية فإن الديمقراطية تكون بخير إذا ازدادت نسبة الطبقة الوسطى فيها والعكس صحيح .

الثالث عشر : في السياسة الخارجية عندما بدأ حركته الإنقلابية ضد رفاقه اليساريين الذين نسجوا علاقات قوية مع السوفيات كان يعلن رفضه للشيوعية لكي يكسب اليمين السوري بشقيه المدني التجاري والمشايخ السنة الذين عانوا كثيراً من معاداة جماعة اليسار ومن قمعهم لكن حين استقر له الأمر وجدنا أنه مال للإعتدال في الموقف من السوفيات وذهب بعيداً حين نصحه المرحوم جمال أتاسي بإشراكهم بالجبهة والوزارة فجاء بزعيمهم خالد بكداش إلى الجبهة مكبلاً بشروط النظام من منع أي نشاط لهم ولأحزاب الجبهة من أي نشاط في الجيش والمدارس والجامعات التي هي من حق البعث وحده . على الصعيد السياسي كان الإعتدال في العلاقة مع السوفيات جزءاً من سياسته الدولية بين المعسكرين وهي ( علاقات معقولة مع السوفيات ومقبولة مع  الأميركان) العلاقة مع السوفيات تقتضيها قضايا تسليح الجيش وكل أسلحته روسية ولكن السماح بنشاط شيوعي حر ليس من شروط هذا التسليح.

العلاقة مع الأميركان يحكمها احترام الدور العالمي لهم وعدم الرغبة في الصدام ولكن إذا جاء الأميركيون إلى دمشق فسيرحب بهم وإذا وقعوا في أزمة تستطيع سورية المساعدة  فهي ستفعل وهذا لا يمنع من الصدام الكلامي حول سياسة الأميركيين في المنطقة ودعمهم لإسرائيل .

ولكن أيضاً حين تذهب أميركا للحرب كما حدث بعد احتلال العراق للكويت فإن الأسد لن يعارض بل سيوالي ويرسل قواته إلى الكويت لتشارك الأميركيين في تحريرها فالأسد حين يحس أن نظامه في خطر يبدل سياسته بالكامل ولا يتوقف كما فعل حين انضم للأميركيين وخالف السوفيات وخالف حتى الشعب الذي كان مع العراق وفي اجتماعات جبهته التقدمية اصطدم بالإشتراكيين الذين قالوا إن هذه الخطوة كبيرة على سوريا فقمعهم بعنف حتى اذعنوا .

 الرابع عشر: اعتمد دائماً على مصر والسعودية لأنهما تشكلان له ستارة دينية كما حزب البعث حقق له ذلك سياسياً ضد العناصر السنية التي ترفضه.

وحين ذهب إلى العنف في حماة كانت مصر والسعودية وحزب البعث يحمون قمعه ولم يحتجوا على المجازر وكأنها تجري في المريخ.

 

 

 

http://hanisyria.files.wordpress.com/2012/09/hama_1982.jpg

الجامع الكبير في حماه

 

 

 

الكنيسة الأرثوذكسية في حماه

http://www.ikhwansyria.com/Portals/Files/General/asaad/hama%2082.jpg

 

مرة واحدة افترق مع هذه البرادي حين اندلعت الحرب بين إيران والعراق فلم يقبل  الإنضمام إلى المعسكر العربي ولكن بأسلوب ينم عن الذكاء والدهاء حين قال أنه ضد هذه الحرب لأنها تضعف طرفين يعاديان إسرائيل ثم قال مطمئناً حزبه أنه أبلغ إيران بأن أي احتلال  ايران للأرض العراقية مرفوض وسيقاومه !

بعد انتهاء الحرب تحول إلى دور جديد مهمته مصالحة إيران مع العرب وإعادة العلاقات الطبيعية بينهم وصار القناة الوحيدة للإتصالات ونجح في ذلك.

دول الخليج والسعودية بقيت مترددة في تصديقه ولم تحسّن علاقتها معه كثيراً إلى أن فاجأ الجميع بموقفه من احتلال الكويت فعادت العلاقات إلى أحسن حال وانهمرت عليه  الأموال والمساعدات واكتشف أن أهم موارده المالية يمكن أن تأتي من سياسته العربية إذا صار لاعباً قوياً مهاباً كما كان عبد الناصر  .

http://paltoday.ps/ar/uploads/images/8617cef7823642ab0f0d5ed47101fc5f.jpgالخامس عشر : في العلاقة مع الفلسطينين كان يرفض مقولة القرار الفلسطيني المستقل وهو لايقول بأن القضية الفلسطينية قضية عربية بل يذهب أبعد من ذلك ويعلن أنها قضية سورية وفلسطين هي جزء من سورية ولذلك قاتل من أجل أن تصبح المقاومة الفلسطينية تابعة له وفي خدمة سياساته ومن أجل ذلك اصطدم بعنف مع ياسر عرفات وحاول اغتياله عدة مرات وفشل ولكن استطاع تحقيق انقسام فلسطيني ضده يتحرك بأمر مخابراته ويرفض كل ما يقوم به عرفات .

 

ياسر عرفات والقرار الفلسطيني المستقل

 

في لبنان ساهم في توريط المقاومة الفلسطينية في الحرب الأهلية ولكن حين صار عرفات مصدر القوة في الحرب عمل فوراً على تحجيمه وفي صيدا حاولت قوات سورية بقيادة العميد فؤاد عبسي اغتياله وفشلت  .

كان الأسد يعرف أن الحرب الأهلية ستنتهي بخروج المسلحين الفلسطينيين أو إبادتهم لأن الذين فجروها من هنا وهناك وهو منهم يعرفون أن حقيقة الصراع ليس مسيحياً -إسلامياً بل ضرورة لتحقيق الهدف الحقيقي وهو القضاء على المقاومة المسلحة في لبنان.

وفي لبنان لم يتردد الأسد في قمع الفلسطينيين بعد دخول قواته إلى لبنان وفي طرابلس كانت البواخر الإسرائيلية تقذف قوات عرفات وكان الأسد يقذفها من البر  !!

وقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن أن لا تلاقيا !!

 

 

 

حافظ الأسد والحرب الأهلية في لبنان

 

على عكس ما يظنه البعض من أن الحرب اندلعت بسبب باص انفجر أو محاولة اغتيال حدثت فإن الحقيقة التي قادت إلى الحرب هي التالية :

بدأ حافظ الأسد بالتفكير في الامتداد إلى لبنان في وقت مبكر عندما قامت مخابرات أمن الدولة بأمر شخصي منه باغتيال اللواء العلوي محمد عمران في طرابلس وقيام الصحف اللبنانية بشن هجوم قوي على نظامه ورفض الرئيس صائب سلام لفلفة الموضوع أو حتى منع الصحف من الهجوم عليه وهو الذي جعل  الاسد بعد ذلك يعزله ويرفض تكليفه برئاسة الوزارة حتى نهاية عمره.

لم يكن حافظ الأسد مرتاحاً لوجود نظام ديمقراطي في لبنان تتمتع فيه الصحافة بحرية لا تستطيع الدولة ضبطها على خلاف نظامه كما كان يعرف أن لبنان كان مركزاً لكل الدول  التي تخطط للإنقلابات في سورية وبالتالي فإن اهتمامه انصب على التدخل في لبنان لفرض النفوذ السوري عليه وضبط دوره الحر في المنطقة .

كانت الحكومة اللبنانية قد وقّعت في القاهرة اتفاقية تسمح للمقاومة الفلسطينية بالعمل انطلاقاً من لبنان بشرط التنسيق المسبق مع الجيش اللبناني .

الأسد شجع منظمات فلسطينية متعددة ومعارضة لفتح  بتجاهل شرط التنسيق والعمل بدون أي إخبار مسبق الأمر الذي أوجد خلافاً بين المقاومة والحكومة اللبنانية خاصة الموارنة الذين اعتبروا أن الوجود الفلسطيني المسلح المنفلت سيعرض لبنان للعدوان الإسرائيلي وأن الحل هو في منع المقاومة من العمل وتشكيل مناطق عسكرية واخضاعها للسلطة كما هو الحال في سورية والبلاد العربية وأنه لا يمكن فهم لماذا كل الدول العربية تغلق حدودها أمام المقاومة في حين يريد الجميع حرية عملها من حدود لبنان؟؟

الأسد وقف مع حرية المقاومة في لبنان وشجع الفلسطينين على الرفض ودعا كمال جنبلاط والحركة الوطنية وهي الفصيل السياسي المعارض وغير المسلح إلى دعم حق الفلسطينين بالعمل بحرية من لبنان ثم كان وراء انشقاق إسلامي في الجيش اللبناني قاده الضابط أحمد الخطيب بالإتفاق مع المخابرات السورية ودعمها ثم أمد الحركة الوطنية بالسلاح وكذلك أمدها الفلسطينيون فصار الصراع السياسي في لبنان مسلحاً مما دفع الموارنة إلى التسلح بمعرفة وموافقة رئيس الجمهورية سليمان فرنجية لإعادة التوازن العسكري في لبنان واندلعت الثورة بين الأطراف ورفعت شعارات دينية ولكن كان الهدف هو تجريد المقاومة الفلسطينية من السلاح وفي الجانب الآخر حصول سورية على نفوذ في لبنان بحيث  لا يكون خارجاً على إرادة الأسد.

كانت خطة الأسد في لبنان هي ضرورة استمرار الحرب الأهلية ولكن لم يسمح لأي طرف  بالإنتصار على الآخر وكان يعيد التوازن العسكري إذا اختل علناً أو سراً . وبالتالي كانت خطته إضعاف الطرفين وعدم السماح بوقف الحرب والتصالح إلا على قاعدة الولاء له .

وفي عام 1976 وبعد انهيار الأوضاع تدخل الأسد في لبنان مدعياً أن ذلك تم بطلب من سليمان فرنجية رئيس الجمهورية والحقيقة أنه كان يتدخل عبر المنظمات الفلسطينية والأحزاب منذ بدء الحرب التي فجرها في لبنان للسيطرة عليه وإلغاء دوره الحر الديمقراطي في المنطقة .

 كانت إسرائيل تريد القضاء على الوجود العسكري الفلسطيني في لبنان وكان هو يريد السيطرة على لبنان وكان لا بد من صفقة لتحقيق المطلوب من الطرفين .

 

http://www.greatmenfromlebanon.com/pictures/FRANGIEH/Suleiman.jpg

                     الرئيس سليمان فرنجية

 

 

 

في قصة التدخل روى لي الرئيس سليمان فرنجية في عشاء لديه في أواخر عام 1985 في دارته في زغرتا ( أن السفير الأميركي في لبنان طلب مقابلته وأبلغه أن الوضع العسكري متدهور وأن قوات الفلسطينيين والحركة الوطنية صارت على مشارف بكفيا وأن الأسطول الأميركي جاهز لاستقبال المدنين المسيحين فقال له الرئيس فرنجية أن الوضع ليس بهذا السوء وأن شبابنا يقاتلون . في اليوم الثاني طلب السفير مقابلة مستعجلة ثانية فدعا على الفور الرئيس شمعون وبيار الجميل للحضور وكرر السفير أقواله موضحاً أن الهزيمة على الأبواب فقال له الرئيس فرنجية ووافقه الرئيس شمعون وبيار الجميل أن ولديه  وولدي شمعون وبيار الجميل يقاتلون في الخنادق وإلى أن يقتلوا كلهم تكون الهزيمة ونتحدث في ما يجب فعله . بعد ذهاب السفير اقترح بيار الجميل أن نطلب تدخل سورية وحين وافقنا على ذلك وبحضورهما اتصلت بالرئيس الأسد وأوضحت له الأخطار وطلبت تدخله فوافق على الفور ولكن طلب إمهاله مدة أربعة أيام  لكي يرتب الوضع دولياً خاصة وأن العراق قد يتدخل ولا بد من موافقة فرنسا وبريطانيا والأردن فقلنا له نحن سنتصل ونساعد فقال اتركوا لي أميركا  !! 

وقال الرئيس : قام الرئيس شمعون بالإتصال بالملك حسين وحصل على موافقته وكذلك اتصل بشاه إيران الذي وعده بردع العراق إذا حاول التدخل في سورية  ثم  اتصل  باصدقائه في بريطانيا ووضعهم في صورة الوضع فوافقوا وكذلك اتصل بيار الجميل بالفرنسين فترددوا ثم وافقوا وفي اليوم الرابع حصل الأسد من الأميركين على الموافقة فدخلت الدبابات السورية من حمص .

وقال: كان التدخل مفاجئاً للفلسطينين والحركة الوطنية التي قاربت على النصر فإذا بالأسد يوقف ذلك واستتب الأمن كثيراً وسط  سخط الفلسطينين ومعارضتهم وشعورهم  بأن صفقة انعقدت على حسابهم .

من ناحية أخرى قال الرئيس فرنجية : ما إن تحسن الوضع العسكري عندنا وارتد الهجوم الآخر على مواقعنا حتى خرج شمعون والجميل عن الموافقة وتخوفا من الدور السوري واستعجلوا رحيل الأسد.

قال : أنا لا أغدر وسورية ساعدتنا وأنقذتنا وأنا مستعد حتى للوحدة مع سورية فقلت له  ضاحكاً ( يا سيادة الرئيس نحن لا نقبل لأن ما ارتكب في لبنان من مجازر ضد الأديان والأخلاق والإنسانية مرعب والله بتخربوا سورية!)

ما أريد في هذا المجال أن أقف على كيفية حصول الأسد على موافقة الأميركيين وما هي شروطهم التي هي شروط إسرائيل طبعاً وهذا لم يوضحه الرئيس فرنجية ولكن ما تم على الأرض بعد ذلك من نشوب القتال مع المجموعات الفلسطينية وقمع بعضها ومن ثم الوضع العسكري حيث كانت السيطرة على الأرض في لبنان من حق سورية في حين كانت السماء وقفاً على طيران إسرائيل لا سورية تمنع تحليقه وعملياته ولا إسرائيل  تضرب القوات السورية !

بعد ذلك عاد الصراع إلى لبنان مع الفلسطينين ومع القوات اللبنانية ومع الجنرال عون ومع كمال جنبلاط الذي احتج لدى الأسد على سياسته فكان أن تم اغتياله ثم اغتيال الصحفي رياض طه ثم اغتيال الرئيس رينيه معوض والمفتي حسن خالد ثم تم اغتيال الرئيس كرامة الذي وضعت في طائرته في الشمال قنبلة وكان مزمعاً على الإستقالة  واتهموا كذباً القوات اللبنانية وعملياً كل من وقف ضد سيطرة سوريا على لبنان تم  اغتياله لبنانياً أو فلسطينياً ومن كل الطوائف واكتشف اللبنانيون أن سورية ليست في جيب أحد منهم وأن مشروعها هو السيطرة على لبنان واغتيل حسن مروة ومهدي عامل وخليل نعوس و27 شيعياً في شارع فتح الله وكان حسن نصرالله بين المتظاهرين ضد سورية ! واغتيل الشيخ صبحي الصالح وكل من يقف ضد الاحتلال السوري وعدا عن ألوف المعتقلين الذين نقلوا إلى سورية واختفوا !ا

حاول الأسد اغتيال عرفات في صيدا ووصلت الأمور إلى قتال مباشر مع المقاومة في طرابلس حيث كانت إسرائيل تضرب عرفات من البحر والأسد يضربه من البر وفي وقت واحد .

 

كانت الصفقة إذاً هي مبادلة الوجود الفلسطيني المسلح  بالسيطرة السورية على لبنان وتكون السماء لإسرائيل والأرض لسورية ولا أحد يضرب الآخر  !

وبعد ترحيل الفلسطينين من لبنان واتفاقية الطائف لم ينفذ الأسد أحد شروطها وهو الإنسحاب من لبنان متحججاً بوجود إسرائيل في الجنوب وتحججت إسرائيل في رفض الإنسحاب حتى ينسحب السوريون والنتيجة بقيت إسرائيل في الجنوب وبقي الأسد في    لبنان .!

http://arabi-press.com/userfiles/michel-aoun_2999.jpgبقيت مشكلة الجنرال عون وعصيانه تؤرق الأسد فقد سبق أن غدر به السوريون بعد أن اجتمعوا معه في مرمريتا وبحضور خدام والشهابي وغانم ووعدوه برئاسة الجمهورية إذا قمع القوات اللبنانية وسيطر على قرار الشرقية فشن حربه على القوات ودمر وقتل في الشرقية أكثر مما قتل وخرب الفلسطينيون . وفي وقت لاحق اتفق الأسد وإسرائيل على  السماح للطيران السوري بقصفه خلافاً للإتفاق أن السماء لإسرائيل وطيرانها وحده وحين رأى عون الطيران السوري فهم أن إسرائيل باعته فغادر لاجئاً إلى السفارة الفرنسية !

   

 

الجنرال ميشال عون 

 

 

 

استتب الأمر للأسد في لبنان وحصل على موافقة السعودية ومصر وتم تكليف رفيق الحريري رجل السعودية برئاسة الوزارة وحين استدعاه الأسد وكلفه قال له الحريري أنا معك وبأمرك ما اتفقت مع السعودية فإذا اختلفتما فاعذرني أنا مع السعودية فابتسم الأسد  وقال لن نختلف !

http://alhayat.com/Content/ResizedImages/293/10000/inside/121027023055170.jpg

رفيق الحريري

قامت الحكومة اللبنانية بإعادة الإعمار وانهالت عليها الأموال والقروض فحقق الحريري في زمن قياسي إعادة الإعمار وحصل على دعم شعبي كبير وبرز على الصعيد العالمي كرجل دولة ولديه شبكة علاقات مع الرؤوساء في العالم الأمر الذي أزعج الأسد الذي خاف أن يغريه ذلك في طلب انسحاب سورية من لبنان وقرر ترحيله وخاصة بعد تنصيب لحود رئيساً للجمهورية بحيث يبدو بجانب الحريري كفروج فتذرع الأسد بضرورة الإلتفاف على مشاعر الإحباط  لدى المسيحين فأبعده عن الوزارة واستعان ببديل جاهز هو كرامة!!

لم يدم الأمر طويلاً حتى جرت الانتخابات في لبنان ففاز الحريري بأكثرية كبيرة وبرز كزعيم إسلامي مدعوماً من شرائح مسيحية راهنت عليه فأعيد رغماً عن سورية رئيساً للوزارة ولكن الشكوك في النوايا بدأت تتعاظم ولكن لم تخرج إلى العلن.

توفي حافظ الأسد في  10-6-2000  وجرى توريث إبنه بشار الأسد.   

 

 

 

 

 

 

 

 

مرحلة الرئيس بشار الأسد

 

http://www.str-ly.com/up/uploads/images/str-ly.com89dc0fea02.jpg

بشار الأسد

توفي حافظ الأسد بتاريخ  10- 6 - 2000 وكان يعاني المرض الذي أحيط بسرية كما كانت سرية أيضاً المخططات التي أعدت لانتقال سريع للسلطة واقتصرت هذه الخطط على عدد محدود من مراكز القوى في المخابرات والجيش بحيث لا يسمح لأحد أن يتدخل لأن عنصر المفاجأة كان ضرورياً لإحباط أي تحرك.

كان انتقال السلطة إلى بشار الأسد يواجه عقبتين الأولى أن الدستور نص على سن للرئيس لا تتوفر في بشار الأسد فتم جمع مجلس الشعب على عجل وعدّل في نصف ساعة الدستور وخفض السن المحددة بحيث يصبح ترشيح الابن قانونياً .

العقبة الثانية كانت عسكرية لترفيعه إلى رتبة فريق المخصصة لحافظ الأسد وورثته فأرغم نائب الرئيس عبد الحليم خدام على توقيع مرسوم تشريعي بترفيعه من نقيب إلى فريق وتسميته قائداً عاماً للجيش والقوات المسلحة .

ثم أخيراً جمعوا القيادة القطرية التي رفعته من عضو عامل إلى أمين عام للحزب دون أن يكون حاصلاً حتى على قدم في الحزب يؤهله ليكون عضو فرع  .

و طبعاً جرى ترشيحه لرئاسة الجمهورية من قبل الحزب وحصل طبعاً كوالده على 99% وربما أكثر وكان ذلك في17-7-2000.

استقبل الناس رحيل حافظ الأسد بفرح  فقد ملّ الناس النظام وأسلوبه القمعي وكثيرون توقعوا إنقلاباً داخلياً يأتي ببديل يعطي الناس مساحات حرة محدودة ويطلق سراح معتقلين تعفنوا في سجون النظام ، ولكن لا شيء تبدل فمراكز القوى من الأهل والعشيرة كان لديها بديل جاهز رتبه الرئيس الراحل  بدقة لا تحتمل أي خطأ فجاء بشار الأسد وارثاً للحزب والحكم ولم ينازعه أحد لأن مرض الرئيس وموته كان مفاجئاً بحيث لم تتوفر فرصة لاتخاذ إجراء مضاد أو اتفاق فخلت الساحة من البدائل وبقي الناس في الطغيان وكما كان الأب  سيكون الإبن أسلوباً واستبداداً ولا أي مساحة حرة .    

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أهم الخطوات على طريق السيطرة المطلقة

 

1-   أهم ما فعله الرئيس الجديد هو إحكام سيطرته على النظام لأنه كان متخوفاً من مراكز قوى كانت قد كبرت كثيراً وتشكل خطراً عليه فاستغل غياب البدائل وبسرعة أطاح  بعلي دوبا رئيس المخابرات العسكرية وأقوى رجال الأسد الأب وعلي حيدر وعلي الصالح  وشفيق فياض ومحمد الخولي وبدر الحسن وغيرهم واستبدلهم بعناصر قريبة إليه من الأهل والعشيرة فارتاح من أي احتمال من داخل الطائفة للإطاحة به .فهذه المراكز القوية هي التي ورثته الحكم ولا يريدها أن تطيح به وتخيفه.

2-   أحكم سيطرته على الحزب القائد متخلياً نهائياً عن ( برداية ) الحزب وألغى أي دور له ولو كان شكلياً وحوله إلى دائرة مدنية تابعة فلم يعد مفهوم الحزب الذي يقود الدولة والمجتمع موجوداً والقائد الذي يقود هو الرئيس وحده وما تبقى من حزب البعث وأحزاب الجبهة الكرتونية كلهم تحولوا إلى عدة مطبخ  ..!! عند هذه النقطة أخطأ بشار الأسد لأن إلغاء الدور الشكلي للبعث كشف حكمه  كحكم طائفي وأساء إليه كثيراً وبدا البعثيون بالإنشقاق عن النظام وإنشقاق عبدالحليم خدام هو انشقاق في الحزب أخذ طابع انشقاق عناصر رفضت التوجه الطائفي للحكم ولإلغاء دور حزب البعث ولو كان دوره شكلياً خوفاً من طائفية قادمة لامحالة .

3-   أحكم سيطرته على الإقتصاد عبر أدوات من العائلة تخصيصاً فأدارت مجموعة منهم كل العمليات الإقتصادية وفرضت شروطها على أي مشروع أو أي صفقة وأبعدت تجاراً كباراً في البدايات كان حافظ الأسد قد تحالف معهم فنهبت هذه المجموعة العائلية الطائفية كل ثروة البلد فأثار ذلك كل القوى الإقتصادية وانعكس ذلك على صغار التجار الذين اضطروا لدفع الأتاوات لعصابة الإقتصاد للحصول على حقوقهم وتجارتهم  حتى البسيطة  فحنقوا وخافوا ولكن لا أكثر .

4-    في الجيش السوري أبعد مصطفى طلاس الواجهة السنية للنظام بحجة كبر سنه واستبدله بالعماد التركماني وهو من أقلية عرقية جاءت من تركيا أساساً ثم أجرى تشكيلات عسكرية سلم بموجبها كل القطعات الأساسية إلى ضباط من الصف الثاني من عشيرته وطائفته وفي بعض القطعات كان هناك تطويق لقيادتها بعناصر فاعلة من الطائفة  فتم علناً تطويف الجيش وقوى الأمن وتحولت البلد إلى حكم عائلي طائفي وتم دفن مشروع الحزب القائد وشعاراته  .

5-   في العلاقة مع أحزاب الساحة ازداد إبعادها عن أي دور وانتقل من تقسيمها إلى شراذم والتدخل في شؤونها إلى صنع القيادات لها وفرضها بقوة المخابرات مستعيناً بعملاء للنظام حولوا الجبهة إلى دائرة أمنية وإلى ديكور سياسي أضحك السوريين وأثار إحتقارهم وهرب الناس من هذه الأحزاب إلى المعارضة فصارت القيادات عبارة عن رموز مكروهة مقطوعة عن جذورها وتجيد النفاق وكتابة التقارير فقط  وترفع الأصابع موافقة على طول الخط !!

6-   أبدع في انتخابات مجلس الشعب جديداً لم يكن ظاهراً في السابق فلا ترشيحات من حزبه ولا من غيره من الأحزاب هو يسمي أسماء من يريدهم لمجلس الشعب ويرسل هذه الأسماء إلى المخابرات لكي تقوم بعملية الإخراج كما في أي إخراج لفيلم سينمائي فصار في البلد ديمقراطية جديدة سماها الناس ( ديمقراطية التعيين بالإنتخاب !!).

7-    في السياسة العربية : تخلى عن التحالف مع مصر والسعودية وهو الحلف الذي كان والده أقامه معهما لعدة عقود وساعده ذلك في ضبط الوضع خاصة بعد أحداث حماة . أقام  الرئيس بشار حلفاً مع إيران معتبراً أنها خط  دفاع طائفي عن نظامه وفي ذهنه مشروع سياسي يضم إيران وجنوب العراق الشيعي وسورية امتداداً إلى جنوب لبنان الشيعي بمواجهة المحيط العربي السني وتسبب هذا في عداء المحيط العربي لنظامه الذي لايرتاح لنظام في سورية يسمح بامتداد الثورة الإيرانية إلى هذا الجوار العربي .

8-   في العلاقة مع إسرائيل : في هذا الموضوع لم يغير سياسة والده تجاه إسرائيل فظلت الحدود معها آمنة ولم يسمح لا لأبناء الجولان ولا للفلسطينين بأي عمليات ضدها وكانت الحدود معها عبارة عن سلك حلزوني ولا قوات على الجبهة   الخالية من الجيش حتى حدود محافظة دمشق لقد أغارت إسرائيل على مناطق عديدة وحتى فوق القصر الجمهوري وحتى أنها اخترقت مراراً المجال السوري ولكن الأوامر هي عدم الرد أو سنرد في الوقت المناسب فالأسد الإبن كأبيه يحاذر أي اشتباك مع إسرائيل ويفضل إزعاجها عن طريق ميليشيات فلسطينية ولبنانية وعندما تزعجها كثيراً فإنه يسهل لها عقابها ولا يتدخل أبداً . وبالموجز يحارب إسرائيل معارضاً بالكلام ولا أكثر من ذلك !!

9-   مقتل الحريري والانسحاب من لبنان : كان الحريري معارضاً للتمديد للرئيس  لحود وكانت الإنتخابات البرلمانية على الأبواب وخافت المخابرات السورية من فوز الحريري مجدداً فيها فيصعب شطبه من الحكم فكان القرار هو إغتياله . اتخذ   وحسب آلية العمل في القصر فإن الأمر بذلك  يذهب  إلى العميد الحسن المسؤول عن العمليات الخارجية وهذا العميد هو الذي رتب مع عماد مغنية عملية الإغتيال لأن المخابرات السورية تفضل أن يتم ذلك عن طريق المنظمات لتنأى بنفسها عن المسؤولية وعماد مغنية وبمساعدة من المخابرات السورية قام بالإغتيال الذي مولته أموال سرقت من بنك المدينة والدليل هو أنه بعد المحكمة الدولية قامت عناصر من عند آصف شوكت بإغتيال العميد الحسن وكان جالساً في شاليه في الرمال الذهبية في طرطوس وقالوا أن إسرائيل إغتالته من البحر ..! ثم وحين كان عماد مغنية يزور المخابرات العسكرية بدمشق تم وضع عبوة ناسفة في سيارته داخل حرم المخابرات وتم إغتياله وقالوا أن إسرائيل فعلت ذلك ووصل عملاؤها إليه في حرم المخابرات والحقيقة أن النظام أراد إغتيال كل من يعرف من أصدر أمر الإغتيال بالإضافة إلى ذلك قام هؤلاء بقتل اللواء غازي كنعان وزير الداخلية الذي يعرف تفاصيل الإغتيال كاملة ومن كل هذا يتبين أن كل من يعرف التفاصيل قد قتل لكي لا يبقى أي شاهد أو دليل على تورط الأسد .  

http://www.elaph.com/elaphweb/Resources/Images/Politics/2005/3/Thumbnails/T_4f3b6e4a-78a8-4ad2-89f0-bc7976d1c858.gif

غازي كنعان

 

10-  السلاح النووي والكيماوي : ليس سراً أن حافظ الأسد استعان بكوريا الشمالية لبناء مفاعلات نووية أحيطت بسرية وصار يستخرج اليورانيوم من الفوسفات السوري وحين اكتشف الإسرائيليون ذلك دمروا في دير الزور إحدى المنشآت  والأسد الإبن احتفظ كأبيه بحق الرد والسلاح الكيماوي موجود منذ القديم وقسم منه جاء من العراق الذي هربه إلى سورية من وجه المراقبين الدوليين أثناء الحصار على العراق وصار اليوم مهماً لدول العالم لا خوفاً من استعمال النظام له ضد إسرائيل بل خوفاً من ذهابه إلى المعارضة السورية غير المنضبطة كما يزعمون !

11-  المحافظة على التحالف مع كبار تجار الشام ورجال الدين السنة فيها كما كان الأمر أيام والده الذي بهذا التحالف فك الإرتباط بين اليمين الديني والتجار في الشام لأن إتفاقهما قد يغلق أسواق دمشق ويهزم أي نظام بالعصيان المدني وفعلاً ظل تجار الشام مع النظام حتى الآن ومعهم رجال دين من السنة أقوياء إلى درجة أن محاولات اختراقهما فشلت ولم تضرب دمشق ولا أسواقها يوماً واحداً . وفي عام 2013 تبين أن بعض التجار ورجال الدين يفكرون في مغادرة التحالف صار مقتل البوطي ضرورياً لإعادة التحالف وهذا ما ظهر جلياً ، وفي مثل هذه الجرائم لكي تعرف من قتل عليك أن تبحث عمن استفاد من القتل !!

12-  تخويف الأقليات واستدراجها للتحالف مع النظام : كانت سياسة النظام المستند إلى أقلية حاكمة هي استدراج الأقليات الأخرى وهي عديدة كالمسيحيين والإسماعيليين والدروز والآشوريين وغيرهم وتخويفهم من حكم إسلامي  متطرف يطيح بحرياتهم وذلك لكي يصطف حوله أكبر قدر ممكن من النسيج السوري لعل ذلك يخفف من طائفيته . وكما استعان النظام  برجال الدين المسلمين في دمشق فإنه جند بعض رجال الدين المسيحي العملاء للمخابرات وبعض رجال الدين من الدروز  لكي  ينشر أباطيله عن عداء المسلمين السنة لهم ونجح بشكل محدود وساعده على ذلك قيام بعض الميليشيات المتطرفة بطرح شعارات عن دولة دينية مترافقة مع تهديدات علنية بالإنتقام من التعدديات بحجة موالاتها  للنظام  ، دون تفريق وبخفة تفتقد إلى الحكمة السياسية والمؤسف أن دولاً في العالم صدقت هذه الأكاذيب وأثر ذلك على حجم المساعدات والدعم  .

13-  سياسة قمع المعارضين العلوين : عمليات قمع المعارضة العلوية هي امتداد لسياسة الأسد الأب الذي قمع بشدة كل معارضة علوية وربما أحياناً أكثر عنفاً  من وسائل قمع المعارضين الآخرين من الشعب السوري في محاولة لتوحيد الطائفة بالقوة والإرهاب حول النظام وقد نجح النظام في هذا الامر كثيراً وخاصة داخل الجيش وقوى الأمن وساعدته في ذلك  بعض الهجمات من الميليشيات ضد مواطنين علويين دون مبرر عسكري وكذلك الإعلام المترافق مع تهديدات طائفية بالقتل والترحيل وهي أمور تخرج عن أهداف الثورة تسببت في أذى كبير ولكن ليس في كل المناطق والمحافظات التي نسبت الوحشية إلى الشبكة العسكرية وحدها  وتفهمت مبررات خوف العلوين أو تخويفهم ولذلك  لم تحدث  اعمال انتقامية ذات شأن  حتى الآن .

14-  مواجهة المعارضة بالسلاح : بدأت التظاهرات الشبابية ضد النظام بتاريخ     15-3-2011 وانتقلت بسرعة من درعا في جنوب سورية إلى حمص وحماة وإدلب ثم اكتسحت المظاهرات البلاد تطالب بإسقاط النظام وكانت أكثرها خطورة وحجماً تلك التي انطلقت في مدينة حماة وتعدادها حوالي 450000 متظاهر وتصادف في حينه وجود السفير الأميركي روبرت فورد والملحق العسكري الأميركي في فندق أفاميا وتعذر خروجهما من المدينة فجاء وفد من شباب المدينة   ورافقوا السفير فاخترق التظاهرة خارجاً بسلام وسمع ورأى حجم الغضب الشعبي وشهد كيف أن أحد المتظاهرين الذي كان يسير أمام سيارة السفير كان يلوح  بعصا لإبعاد المتظاهرين من طريق الموكب ولم يواجه الموكب أي صعوبة بل  الكثير من الترحيب . وفي حمص وعند الساعة الجديدة تجمع آلاف من الشباب هاتفين بسقوط النظام فاستباحتهم قوى الأمن والجيش بالرصاص الحي وقتل العشرات وجرح المئات واعتقل الكثيرون فكانت بداية ذهاب السلطة إلى الحل الأمني الذي تبين أنه ينفذ في كل سورية في وقت واحد ودون أن يرتكب المتظاهرون ما يخل بالأمن ولا أي إعتداء على أملاك عامة أو خاصة وحتى  عناصر الأمن التي رافقتهم في البداية لم تصب بأي أذى ففقد التدخل العسكري   مبررات ضرورته فأخذ القمع المسلح شكل مذابح لا تتعادل أبداً في قسوتها مع الحراك الشعبي السلمي . استمر الحراك الشعبي في الظهور أكثر من شهرين  رغم القمع المسلح ولم يحمل الشباب سلاحاً ضد رجال الأمن الذين يريدون قمع التحرك الشعبي .  

15- ولم يكن قرار استعمال السلاح متفقاً عليه مع الشباب وأكثرهم كان يفضل التظاهر السلمي السريع والهرب على المواجهة لأن التوازن المسلح غير موجود   ولا في المدى المنظور .

 

https://encrypted-tbn0.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcQxf2OLmZMhWUwj-yDFbsTkE44hb1OJGwXkI65JaS5yqzWWVCQQ                       مظاهرة سلمية في حماه 2011             

 

 

 

 

 

 

 

 

المعارضة السياسية في الخارج

 

لم يكن هناك معارضة سياسية وكل ما تم إنجازه على الأرض هو ظهور تنسيقيات في كل حي  وهي عبارة عن  تجمع لشباب التظاهرات الذين توافقوا على شعار واحد هو إسقاط النظام وسورية بدها حرية.

في الخارج تداعى بعض المغتربين والفارين من أهل السياسة ومعهم  بعض المثقفين وعقدوا اجتماعاً عاجلاً في استنبول ولم يكن عددهم يتجاوز الخمسين شخصاً وشكلوا المجلس الوطني السوري وبرز فيه جناحان سياسيان هما الأخوان  المسلمون وحزب  الشعب الماركسي الذي يتزعمه رياض الترك ولقي هذا الشكل السياسي ترحاباً من المتظاهرين الذين أرادوا أن يمثلهم في الخارج فصيل سياسي في حين يتولون هم الداخل  السلمي ثم المسلح .

السلطة فور قيام المجلس الوطني ادعت أن هناك مؤامرة خارجية تمول المعارضين وتحديداً دول الخليج وأن الهدف هو استدراج القوات الأجنبية للتدخل ثم ادعت أن المعارضة في الداخل بريئة من المشاركة في المؤامرة في محاولة لتقسيم المعارضة بين الداخل والخارج وسمحت لهيئة التنسيق بعقد مؤتمرها العلني في ريف دمشق والذي  اتخذ شعاراً لا للطائفية لا للتدخل الأجنبي لا للعنف وهذا كان كما وضح لاحقاً بالتنسيق  مع أجهزة المخابرات لإسقاط شرعية المعارضة الخارجية.

المؤسف أن الذي ذهب للعنف هو النظام والذي سمح بالتدخل الأجنبي هو النظام حيث حول ميناء طرطوس إلى قاعدة عسكرية للروس والذي جاء بالمقاتلين من إيران ودولة حزب الله الإيرانية للمشاركة في قمع الشعب كما أن النظام هو الذي أقام سلطته على الطائفية وأحكم سيطرة طائفة الرئيس وعشيرته وعائلته على الحكم بصورة علنية وأزال  برداية حزب البعث فلم يعد هناك ما يستر طائفيته . معنى ذلك في التحليل السياسي أن شعارات معارضة الداخل قد سقطت في فخ النظام وبالتالي فإن الرهان على تسوية معه  هي صناعة المجانين!.

في الخارج لاحق النظام المعارضة واخترقها فإذا هي منقسمة علناً بين مجموعة علمانية ومجموعة إسلامية تقتتل علناً على المناصب في حين يموت المقاتلون ولم تحقق المعارضة في الخارج وحدة جديرة بالاحترام وشرعيتها في التمثيل صارت ناقصة  وجعلت الاعتماد الخارجي عليها ضعيفاً ومتردداً وعملياً يوجد نقص في الكادر السياسي الجيد ولم تشهد معارضة الخارج توسعاً يجعلها أكثر مناعة وتمثيلاً وهذا يسرّ النظام حتماً.

http://www10.0zz0.com/2012/11/06/14/644968038.jpg

     

الحل الأمني والدمار الشامل

 

 

استبدال شعار المؤامرة بشعار مقاومة الإرهاب

 

فشل النظام في تسويق شعار المؤامرة الخارجية العربية والدولية التي لم يصدقها أحد لأن الأمر كان واضحاً بأن الصراع هو بين الشعب والنظام والاصطفاف العربي والدولي  مع الشعب الثائر جاء لاحقاً ولم يكن سبباً ولا كان الأمر من تخطيط مسبق.

وحين دخلت سورية مجموعات سنية متطرفة من العراق بحجة دعم الثورة وقسم من هؤلاء سبق أن سهل النظام إرسالها ودعمها للعمل في العراق ضد الأميركيين ولإفشال  الانتقال الديمقراطي هناك وكان مع هؤلاء خبرة قتالية وأسلحة وأموال ، ولأن شباب سورية الثائرين كانوا بحاجة للسلاح ولم يحصلوا عليه فإنهم رحبوا بمساعدة الغرباء الذين نظموهم في كتائب جبهة النصرة التي أعطت المقاتلين تعويضات بحجة مساعدة عائلاتهم فانضم إلى هذه الجبهة الكثيرون الذين اخضعوا إلى إرشادات وشعارات دينية متطرفة تتناقض مع شعارات شباب الثورة في الديمقراطية والحكم الجمهوري فأساء هذا  إلى الحراك الشعبي الذي انقسم حيالها .  كما أن دولاً مساندة شعرت بالقلق من هذا التحول ورفضته بشدة ومنعت إرسال السلاح لئلا يقع في أيدي هؤلاء المتطرفين  .

عند هذه النقطة رأى النظام أن استبدال  شعار المؤامرة بشعار مقاومة الإرهاب أفضل له  لأنه يفرض على الدول الاعتدال في الموقف من النظام كما أن تخويف المجتمع الدولي  من الإرهاب وتخويف الأقليات كلها تحسن في أداء النظام وتضعف خصومه فشهدنا اندفاعاً سلطوياً في هذا الاتجاه إلى درجة أن إعلامه أخضعت العاملين إلى دورة تدريبية مهمتها إسباغ وحشية المتطرفين على مجمل الحراك الشعبي .

من ناحية أخرى شعار مقاومة الإرهاب ساعد على منع أي تفكك في الكتلة العسكرية الطائفية التي تحمي النظام بل وزاد التحامها معه خوفاً من هجمة المتطرفين وبالإضافة إلى ذلك ساعد التطرف على انقسام حاد في صفوف المعارضة العسكرية والسياسية فبدا الأمر كما لو أن المتطرفين جاءوا ليس لنصرة سوريا بل لإجهاض الثورة ولم يخدموا غير النظام الذي فرح لحضورهم وربما دعمهم في السر وسهل أعمالهم ولا سيما أن  بعضهم كان على صلة بالمخابرات السورية التي دفعتهم لإرباك الوضع في العراق .

من كل هذا يتبين أن النظام مدين باستمراره لجزء من الحراك   الديني المضاد الذي لم يحسن اختيار  الديمقراطية  كشعار مضاد يكسب عن طريقه كل النسيج السوري كما يكسب حتى من طائفة النظام وهي مستعدة للالتحام المباشر مع المعارضة حين لا يكون الشعار دينياً  يخوفها ويهدد بقمعها مع أنها غير مسؤولة عن جرائم النظام وشبكته العسكرية المحدودة في هذا المجال سجل النظام انتصاراً على المعارضة التي لم تحسن ضبط التطرف لا بالقوة ولا بالاقناع مما جعل الحسم العسكري بعيداً ويحتاج لزمن طويل ودمار أكثر .

بالموجز اليمين المتطرف والغرباء خوفوا الأقليات وأبعدوها عن أي مشاركة مسلحة وساعدوا على تماسك الشبكة العسكرية حول النظام وأوقفوا الدعم العسكري وأعطوا النظام فرصاً إضافية للتدمير والقتل والاعتقالات فهل جاء هؤلاء لمساعدتنا ونصرتنا أم لتدمير ثورتنا هذا هو السؤال؟

 

 

 

 

 

الدول التي دخلت على خط الأزمة الداخلية

                                                                                                   

السعودية ودول الخليج :

شعار إسقاط النظام أو تغيييره هiه لقي قبولاً من هذه الدول لأن النظام السوري انتقل من سياسة التعاون مع إيران إلى التحالف العسكري معها الأمر الذي أغضب كثيراً المحيط العربي واعتبر أن ذلك يشكل امتداداً للثورة الإيرانية الخمينية التي أوقفتها الحرب  العراقية - الإيرانية ومثل هذا التحالف يهدد أمن هذه الدول لذلك وجدت الفرصة السانحة  لإضعاف النظام وتغييره لفك التحالف مع إيران وما عدا ذلك من ادعاءات طائفية أو  إملاءات أجنبية هي من التفاصيل .

هذا المحيط العربي الخليجي قدم دعماً إعلامياً كبيراً ودعماً مالياً إنسانياً لللاجئين ومساعدات مالية للمعارضة السياسية في الخارج ولم تقدم دوله دعماً عسكرياً لأن ذلك خارج إرادة دوله ويحتاج إلى قرار دولي ما يزال خلال سنتين يراوح  في مكانه والثورة تأخذ حاجتها من سلاح النظام وذخيرته ومن المهربين وهو سلاح دفاعي بسيط وغير قادر على مواجهة سلاح الجيش النظامي من دبابات وطيران وغير ذلك من أسلحة ممنوعة  دولياً .

الجامعة العربية سمحت لدولها أن تدعم عسكرياً منفردة المعارضة بالسلاح ولكن هذا القرار كان للإستهلاك الداخلي ولم ينفذ حتى الآن .

في هذا المجال لابد من القول أن الحركة الوهابية في السعودية تمد بالأموال الكثيرة منظمات القاعدة والمنظمات الدينية من خلف الحكومة السعودية وبسبب أموالها تم  تجنيد سوريين كثيرين في كتائب الوهابين وأساء هؤلاء للحراك الشعبي وخدموا النظام .

الدور التركي في الأزمة السورية :

الجمهورية التركية هي دولة من دول الحلف الأطلسي وبالتالي في القرارات الاسترتيجية لا تستطيع مغادرة الموقع الأطلسي ولكن في الأزمة السورية حصلت على مناسبة  تستطيع من خلالها أن تلعب دوراً مهماً في سياسة الشرق الأوسط بعد أن منعت من الإنتساب إلى الاتحاد الأوروبي وترغب تركيا من خلال مصداقيتها في مساندة التغيير في سورية أن تحصل على موافقة الإتحاد الأوروبي مستقبلاً لقبولها في هذا الإتحاد.

مساهمة تركيا أفادتها حيث حصلت على الباتريوت الذي لم يسمح به لها سابقاً كما  حصلت على دعم إسلامي داخلي أكثر الأمر الذي جعل حكومتها قادرة على إنجاز مصالحة مع الأكراد لم تكن ممكنة في السابق .

صار الدور التركي في المنطقة أساسياً ويوازي الدور الإيراني المقابل . في مقابله تراجعت الأدوار العربية جملة في شؤونها  !!

البعض يتخوف من الدور التركي لأن حكومتها الإسلامية ما تزال مشدودة إلى الماضي العثماني وفي حال تقسيم سورية قد تبتلع تركيا أجزاء أخرى من سورية لا سمح الله .

الدور الإسرائيلي في الأزمة السورية :

موقف إسرائيل من الأزمة السورية هو الإرتياح للتدمير الحاصل في البنية العسكرية للجيش واستخدام أسلحته في الداخل السوري بحيث لا يشكل خطراً في المستقبل لسنوات عديدة وإسرائيل التي تعتمد في أمنها الخارجي على سلاحين هما الطيران والخلافات العربية تشجع دائماً الانهيارات في المنطقة العربية سواء أجاءت تلبية لرغبة داخلية أو  نتيجة تدخل لأن هذا الشكل من الصراع داخل المجتمع العربي سيضعف قدرته على المواجهة ويبقى أن إسرائيل يهمها ولو جاء البديل ضعيفاً أن يحفظ لها حالة الهدوء على حدودها الشمالية التي وفرها لها اتفاق الأسد - كيسنجر والتي استمرت لعدة عقود وحين تجد أن ذلك البديل قد يسقط الإتفاقية فإنها قد تتدخل عسكرياً في الأزمة لإعادة  التوازن أو لمشايعة أي طرف يعطيها ضمانات تتعلق بالسلام الشامل أو السلام المحدود على حدودها الشمالية.

من ناحية أخرى فإن إضعاف النظام السوري كحليف لإيران يجعل استخدامه من إيران صعباً ولكن رغم تحالف النظام السوري مع إيران فإن ما يهم إسرائيل هو عدم إسقاطه  وفقط إضعافه إلى أن تحصل على بديل مناسب فإذا سقط لن تحزن عليه .

دور العراق في الأزمة السورية:

مع أن تصريحات الحكومة العراقية تصب في موقف محايد إلا أن الرأي العام الشيعي  يساند النظام السوري طائفياً متجاهلاً الديكتاتورية والقمع الشبيه بحكم صدام الذي ثار الشيعة ضده مما يدل على أن الديمقراطية ليست شعاراً لا يمكن استبداله بطائفية تضع الديمقراطية في سلة المهملات وهو أمر يدعو للخجل من هذه المفارقة.

من جهة أخرى الحكومة العراقية وبضغط من إيران سهلت وصول السلاح وغيره عبر أراضيها وعبر الأجواء العراقية إلى النظام السوري وما عمليات تفتيش الطائرات إلا أكذوبة لتخفيف الاحتجاجات الأميركية في هذا الأمر وهناك من يقول أن الشيعة في العراق أرسلوا مقاتلين بحجة الدفاع عن المذهب وعن مقام السيدة زينب ولكن مع ذلك رفض السيستاني إعطاء فتوى للجهاد في سورية رغم الضغط الإيراني عليه.

الدور الأردني في الأزمة السورية :

منذ بداية الحراك الشعبي السلمي في سورية كان موقف الأردن هو دعوة النظام إلى تغيير حقيقي يلبي ولو جزئياً المطالب التي طرحت في البداية ولم تكن تطالب برحيل الأسد ولكن النظام ذهب إلى الحل الأمني فتسبب في نشوب ثورة مسلحة أدت إلى تدفق مئات الألوف من السوريين إلى الأردن إلى درجة أربكت النظام سياسياً واقتصادياً ، فالأردن دولة محدودة الموارد ومحدودة في أعداد السكان ونصفهم من اللاجئين الفلسطينيين ولا يمكن إضافة هجرة جديدة إليه تزيد على نصف تعداد سكانه.

الأردن حتى الآن لا يتدخل عسكرياً وحدد مطالبه بالمساعدات ويعيش حالة خوف من  امتداد الثورة إلى نظامه بحجة فلسطين أو الإسلام المتطرف كما يتخوف من حرب في المنطقة تزيد همومه ومخاوفه وعملياً يحاول الهرب من المواجهة الصريحة ولكن أيضاً  هو جزء من المنظومة السياسية مع الخليج ومع الغرب جملة ولا يستطيع عملياً رفض  طلبات أو تسهيلات عسكرية في الوقت المناسب لأي تدخل متعدد في المستقبل .

الدور المصري والأخوان المسلمون :

لم يكن نظام الرئيس مبارك على وئام مع الحكم في سورية الذي فك التحالف مع مصر والسعودية وذهب إلى تحالف عسكري وسياسي مع إيران وحين سقط نظام مبارك جاءت الانتخابات بالإخوان المسلمين إلى السلطة وكانوا قد أقاموا علاقات مع المخابرات السورية ضد مبارك رغم المذابح التي نفذها الأسد الأب ضدهم لذلك كان تأييدهم للثورة السورية ضد نظام الأسد ضعيفاً ومحدوداً بتسهيلات للمعارضين عبر الجامعة العربية  ولم ترسل مصر مساعدات ولا أسلحة للمعارضة وعرضت حلاً سياسياً بالتوافق مع إيران  كان مرفوضاً ولم تسع لتحريكه ودور مصر ما يزال هامشياً والأخوان المسلمون في سورية هم غيرهم في مصر ولا يطمحون إلى حكم منفرد فقد علمتهم التجارب أن سوريا   لا يمكن أن تحكم من طائفة أو جنس والديمقراطية وحدها تصلح لمجتمع تعددي في أديانه وطوائفه وعناصره وكما يبدو فإن الأخوان   في سوريةلا يعولون على الحكم السوري كثيراً ولا هو في وارد مساعدتهم للسيطرة كما في مصر .

في هذا المجال أذكر أن المرحوم الأستاذ منصور الأطرش حمل إلينا في حمص تصريحاً للأستاذ البينوني مرشد الأخوان يومئذ وهو التالي ( لا يعتبر الأخوان الرئيس بشار الأسد مسؤولاً عن الماضي وينبذون العنف ويعملون بالوسائل السياسية ويؤمنون بمبدأ تداول السلطة ) .

كان هذا بعد أسابيع من تولي الرئيس بشار الأسد السلطة وكان السؤال هل هناك ثقة بهذا الطرح الجديد للدخول  في حوار معهم حول المستقبل ؟

 كان جوابنا كإشتراكيين عرب هو التالي : مما لا شك فيه أن التصريح خطوة إيجابية   فالأخوان ينقسمون إلى جناحين المعتدل ويمثلهم الأستاذ البينوني والأستاذ عصام العطار والثاني هو جناح الجهاديين الذين يؤمنون بالعنف واسمهم الطليعة التي ظهرت في الساحة بعد أن تم هدم مسجد السلطان في حماة في الستينيات وزعيمهم هو الشيخ مروان حديد الذي توفي بعد ذلك في السجن وسياسياً نرى أن دعم جناح الإعتدال يوفر فرصاً جيدة للتعاون السياسي حول مستقبل سورية وللمصالحة الوطنية على الماضي ولابد من فترة لاختبار النوايا لأن الثقة بوعودهم كانت تفتقر إلى الصدق)

الموقف الأميركي الأوروبي :

ساند الأميركيون والإتحاد الأوروبي الحراك الشعبي السلمي الذي يطالب بنظام ديمقراطي  لأن هذا يصب في الاستراتيجية التي تدعو إلى نشر الديمقراطية وحل القضية الفلسطينية على أساس الدولتين لكي يتم وقف تصاعد التيارات الإسلامية المتطرفة التي يساعدها غياب الديمقراطية واستعصاء الحل السياسي للغزو الصهيوني على اكتساب الأنصار وتجنيدهم في ما يسمى الإرهاب العالمي .

 هذا التأييد كان كلامياً فقط لأنه حين ذهبت السلطة للحل العسكري لم ينجز التحالف الأميركي - الأوروبي وعوده بالدعم بل إنه حظر إرسال السلاح إلى المعارضة بحجة الخوف من وصول السلاح إلى منظمات متطرفة تابعة للقاعدة الأمر الذي زاد في شراسة النظام وأعطاه فرصاً كثيرة للحسم العسكري ولكن لأن الاشتباكات بين المعارضة والنظام كانت تتم في كل المناطق السورية وفي 416 نقطة اشتباك فإن الانتصار على حرب عصابات مضادة لا يمكن تحقيقه في وقت قصير ولا في سنوات خاصة أن المعارضة  تتحرك في محيط شعبي واسع يؤيدها.

الدور الصيني في الأزمة السورية :

ليس للصين مصالح إقتصادية مهمة ولكن بالإجمال كان الصينيون يرحب بهم شعبياً وحكومياً وموقفها في مجلس الأامن واستعمالها لحق الفيتو كان محل استغراب واحتجاج من قبل الشعب السوري .

الحقيقة أن الصين ومنذ تجاوز الغرب لقرار مجلس الأمن في ليبيا والانتقال به من حماية المدنيين إلى تدخل خارجي كامل ضد النظام الليبي وقفت بشدة ضد أي محاولة للحصول على تغطية من مجلس الأمن للتدخل في سورية وكثيرون من المحللين يعتقدون أن الصين عادت إلى الحرب الباردة مع الغرب وتريد دوراً في أحداث العالم وبالموجز أيضاً  تحويل قيادة العالم من نظام القطب الواحد إلى نظام تعددي بين متساويين لا أتباع وفي هذا الأمر تحديداً تلتقي مع الروس .

الدور الروسي في الأزمة السورية :

1-   روسيا الآن هي دولة رأسمالية قيصرية تتصرف حسب مصالحها بعيداً عن تاريخها السوفياتي وبالتالي لم يعد لحرية الشعوب وحقوق تقرير المصير أهمية إذا تعارضت  مع هذه المصالح .

2-   الحرب الباردة في الزمن الشيوعي كانت بين الغرب والمنظومة الإشتراكية والآن  صارت بين الغرب والقيصرية الروسية الرأسمالية التي تريد مساهمة فعالة في قيادة العالم ، فروسيا بالشيوعية وبدونها ستبقى دولة عظمى كما كانت في الزمن القيصري  والشيوعي .

3-   من أهداف روسيا الآن نقل العالم من نظام القطب الأوحد الأميركي الأوروبي إلى  نظام تعددي عالمي تكون فيه أميركا الأول بين متساوين لا القائد بين أتباع وقد وفرت لها الأزمة السورية التوقيت المناسب لإعادة دورها العالمي عبر رفضها أي اقتراح في مجلس الأمن لا تكون طرفاً في صنعه وفي ظل تراجع الشهوة الأميركية للسيطرة بالحرب فإن الفيتو أداة فعالة لإرغام القطب الأوحد على الإعتدال في تصرفاته الدولية.

4-   التقاء الصين الشيوعية مع روسيا الرأسمالية الجديدة ليس التقاء أفكار ولا عودة للعلاقات بين دولتين شيوعيتين كما كان الأمر في السابق بل هو الآن الإتفاق على  طريقة جديدة لقيادة العالم تتجاوز الفردية الأميركية إلى تعددية فاعلة وملزمة حتى حدود الصدام المسلح .

5-   المصالح الروسية في سورية هي في قاعدة روسية في طرطوس كانت مخصصة لصيانة سفنها في المتوسط وللتزود بالوقود والمواد الغذائية والطبية لطواقمها عند الحاجة وبسبب الأزمة وبموافقة النظام الحاكم تحولت إلى قاعدة عسكرية مدججة بالجنود والطائرات.

6-   سوق السلاح الروسي : تعتبر سورية أهم زبائنه في الشرق الأوسط بعد أن فقد الروس أسواق السلاح في ليبيا وتونس ومصر والعراق واليمن وتحول كل هذه الدول  إلى أسواق أخرى . ومن ناحية ثالثة هناك التنقيب واستخراج الغاز من الساحل السوري الذي يعوم على بحار منه وقد وقع النظام عقوداً مع الشركات الروسية في  هذا الشأن بحيث أن الغاز السوري في المتوسط سيحول دون منافسة الغاز القطري  في أوروبا للغاز الروسي الذي هو الآن أحد أهم الموردين للغاز إلى أوروبا.

7-   هناك شبكة عسكرية روسية على شراكة بالعمولات مع النظام في كل الصفقات الإقتصادية من السلاح إلى الغاز وحتى النفط السوري يباع للروس بأثمان بخسة تسديداً للديون والشركات الروسية تنقله من قبرص إلى إسرائيل  !! لذلك لم يعد  غريباً أن نشهد تشدداً روسيا في دعم النظام ومع أن روسيا الحالية قامت على مبادئء الحرية فإن هذه الحرية تطبق في روسيا ولا معنى لها في عالم المصالح تماماً كما تتصرف كل الدول في الغرب.

8-   منذ أن قمع ستالين اليهود وطردهم من الحزب الشيوعي صاروا في المعارضة وتجسسوا على الإتحاد السوفياتي ثم بعد سقوط الشيوعية عادوا لممارسة السياسة والدور واشترى اليهود بدعم من يهود العالم الشركات الحكومية وصار لهم نفوذ قوي على أحزاب الساحة وعلى النظام الروسي الجديد وهؤلاء دعموا بقاء النظام السوري الأفضل  لإسرائيل من نظام قادم قد لا يوفر لها  سلاماً لأربعة عقود أخرى ولا يمكن استبعاد دورهم في الضغط على روسيا لصالح النظام السوري وكما يمارسون الضغط على أميركا يمارسون ذلك على روسيا وفي كل أزمة في الشرق الأوسط فتش عن الصهاينة ولن  تخطئء..!

 

 

محطات في الثورة السورية

 

مرحلة الحراك الشعبي السلمي:

بدأ الإنفجار الشعبي في مدينة درعا حيث مارست أجهزة المخابرات وحشية متناهية مع صبية تأثروا بالربيع العربي وتظاهروا دون أي اتفاق مسبق مع أحد ولكن عاطف نجيبب قريب الرئيس الأسد ورئيس المخابرات تصرف بشكل سيء مع كبار الأهالي الذين راجعوه  للإفراج عن أولادهم فقال لهم روحوا أنجبوا غيرهم وطردهم من مكتبه وهددهم فكان هناك احتجاج شعبي كامل ضد هذا الشخص وضد عائلته فانتشرت تظاهرات واسعة في درعا وقرى حوران وتم قمعها بالقوة ولكن لم تتوقف وصارت بداية لحراك شعبي في كل سورية كان ينتظر مناسبة للإ نفجار السلمي وكسر جدار الخوف الذي خيم على البلد لأكثر من نصف قرن .

كانت شعارات البدايات هي ( سورية بدها حرية ) و ( بدنا نحكي عالمكشوف مباحث ما بدنا نشوف ) . بعد القمع الوحشي والإعتقالات تحول الشعار إلى ( سورية بدها حرية وبدها إسقاط النظام ) و ( سورية حرية وبس )  و ( الله وسورية وحرية وبس ) و(الشعب السوري ما بينذل) وغيرها من الشعارات الشعبية .

عمت التظاهرات كل المدن والقرى السورية بشكل كان مفاجئاً لنظام اعتقد أن الشعب يؤيده وأن منتسبي حزب البعث تجاوزوا المليون وأن التجار ورجال الدين مع النظام  فذهب إلى الحل الأمني رافضاً تقديم تنازلات في نوع النظام ومساحة الحريات وفي التوزيع العادل في مراكز الأمن والجيش وفي الإقتصاد الذي صار بيد عائلة طائفية حاكمة.

لم يكن الشعب مسلحاً وكانت النخب الشبابية التي قادت التظاهرات وشكلت التنسيقيات لاتفكر في أي عمل مسلح وفي لقائنا مع قيادات شبابية دخلنا في حوار جاد حول شعار  اسقاط النظام وأوضحنا للشباب أن المخاوف ستكون كبيرة إذا ذهبت الأمور بعيداً عن التخطيط المسبق بحيث تكون النتيجة إسقاط الدولة ومؤسساتها واقترحنا على قيادتهم شعار تغيير النظام لا إسقاط الدولة لأن النظام الرئاسي الديكتاتوري هو الهدف للوصول إلى دولة ديمقراطية برلمانية تنبع فيها السلطة من صناديق الإقتراع لا من فوهات بنادق  العسكريين الإنقلابية التي أوصلت البلاد إلى نظام طائفي واستبدادي ووحشي .

كان البديل الذي طرحناه هو إسقاط النظام الرئاسي وإعادة العمل بدستور 1950 الذي  وضعته جمعية تأسيسية منتخبة وحصل يومئذ على موافقة جميع أحزاب الساحة بما فيهم  البعث والأخوان المسلمون وهو دستور أعده خيرة مفكري البلاد وتضمن نصوصاً  تصون الحريات وفصلاً للسلطات وتبادلاً للسلطة ورئيساً دستورياً صلاحياته محدودة  وحكومة قوية تخضع للمحاسبة في مجلس النواب ولا أحد يستطيع تجاوز القانون مهما علت مرتبته.

استجابت قيادة التظاهرات لاقتراحنا وأصدرت منشوراً وزعته على التنسيقيات الشبابية في حمص تضمن أن التظاهرات ترغب في تغيير النظام لا في إسقاط الدولة وأن مشروعها السياسي هو إعادة العمل بدستور 1950 وبقانوني الأحزاب والإنتخابات السارية في ظله ودعت إلى إصلاح حقيقي يقوم على هذا المقترح الوطني حفاظاً على  وحدة البلد وعلى دماء الشباب .

الإصلاحات المزعومة التي قام بها النظام :

كان رد السلطة على المطالبات الداخلية والعربية والدولية هي الدعوة إلى لقاء تشاوري برئاسة نائب الرئيس فاروق الشرع وتم دعوة بعض المعارضين وبعض النخب الفكرية  وبلغ العدد حوالي  200 شخصاً !!

كنت بين المدعوين ولكن حين علمت بحجم العدد المدعو عرفت أن هذا ليس أكثر من مسرحية حوار من النوع الهابط وكأن العملية عبارة عن مسيرة للإستهلاك الخارجي  فأحجمت عن الحضور وأبلغت القائمين على الدعوة أنني أرى أنها فاشلة لأنها لاتتم مع صاحب القرار وأن البلد تحتاج لعشرة حكماء يحاورون الرئيس ولا يخرجون إلا وقد  وصلوا إلى حل لإنقاذ البلد من مصير أسود قد يستدرج  تدخلات أجنبية ونفقد وحدتنا  واستقلالنا .

بالمقابل وتتمة للمسرحية قام النظام بتعديل الدستور وألغى المادة التي تقول أن حزب البعث هو قائد الدولة والمجتمع وقد أضحكني هذا في وقته لأن الأسد الأب والإبن ألغيا حزب البعث من زمن طويل وهو مثله مثل باقي أحزاب الجبهة الكرتونية ولكن له حصص من المناصب أكثر وصاحب القرار في الدولة والمجتمع هو الرئيس وحده وبالتالي فإن إلغاء هذه المادة هو تحصيل أمر كان حاصلاً ولن يغير من طبيعة النظام  شيئاً.

وأصدر النظام مرسوماً ألغى فيه قانون الطوارئ ووضع قانوناً جديداً أسوأ منه ومنح  أجهزة الأمن حق توقيف الناس ولم يضع ضوابط  لمدة إعلان الأحكام العرفية فكان هذا القانون نسخة منمقة من القانون السابق وقد بلغ عدد المعتقلين لمدة غير محدودة في ظله حتى الآن أكثر من مئتي ألف معتقل ويقال ألغينا قانون الطوارئ.

إن الكذب كان وسيبقى أسلوب النظام والشعب بالتجربة يعرف كيف يعري الأكاذيب التي   صارت جزءاً من السياسة الداخلية والعربية والدولية للنظام .

الحل الأمني وسياسة المواجهة مع الشعب :

استدعى الرئيس قيادات أمنية سابقة كعلي دوبا وغيره وطلب مشورتهم في قرار سوف يتخذه بالمواجهة المسلحة مع المتظاهرين فقال له علي دوبا إن هذا قد يكلفك أكثر من مئة ألف قتيل لأن الأوضاع تغيرت والسياسة العربية كذلك ولم يقل له أن رحيله هو الأفضل .

 ذهب النظام إلى القمع والقتل والإعتقال معتقداً أن بإمكانه السيطرة على نقاط التظاهرات التي امتدت إلى كل المدن والقرى.

 كانت خطة النظام المتكاملة في مشروع القمع المسلح تعتمد على الأسس التالية :

1-   اعتبار التظاهرات موجهة ضد الطائفة العلوية لقمعها وعبر ذلك الحصول على تماسك للكتلة العسكرية العلوية في الجيش حول النظام كعمل دفاعي ضد خطر إسلامي .

2-   قمع أي معارضة علوية للنظام في الجيش وفي صفوف الطائفة وتخوينها واستغلال  المشايخ لإنجاز وحدة الطائفة حول النظام وتحويل المعركة من مقاومة شعبية سياسية ضد النظام إلى معركة ضد الطائفة العلوية  .

3-   تخويف الأقليات من خطر إسلامي ونشر هذا الخوف في صفوف هذه الأقليات المسيحية والدرزية والإسماعيلية وغيرها عن طريق رجال دين تم توظيفهم لخدمة مخابرات النظام .

4-   التركيز على التحالف مع رجال الدين الإسلامي في دمشق ومع كبار تجارها لمنع أي تحرك شعبي في أسواق دمشق قد يقود إلى عصيان مدني إذا نجح في دمشق سيمتد  إلى كل سورية . بالموجز تحويل الصراع السياسي من أجل تغيير النظام إلى صراع طائفي كان من مخططات النظام لا من شعارات المتظاهرين ولا حتى بعد تحول الصراع إلى السلاح المضاد .

5-   التركيز على وجود مؤامرة خارجية تقودها قطر والسعودية والغرب لإسقاط النظام التقدمي الممانع والمقاوم والعلماني والإشتراكي والطبقي إلى آخر المعزوفة المعروفة المكررة الكاذبة للحصول على تأييد بعض البسطاء في العالم العربي .

6-    تطوير التحالف مع إيران والإصطفاف ضمن مشروعها الشيعي لامتداد الثورة الإيرانية إلى المحيط العربي من إيران إلى جنوب العراق إلى سورية إلى جنوب لبنان حيث أنجز الإيرانيون الإختراق الثاني للمحيط العربي ببناء دولة إيرانية في لبنان  تتمة للدولة الإيرانية في جنوب العراق. كان التحالف سابقاً هشاً ودعائياً فصار الآن كاملاً وحول سورية إلى مجرد ورقة إيرانية تساوم فيها الغرب من أجل مصالحها  وفقدت سورية استقلالها عملياً وتلقت مقابل ذلك أموالاً ودعماً عسكرياً إلى درجة  أن إيران أمرت جيشها في لبنان الممثل بحزب الله المشاركة العسكرية مع جيش النظام في قتل الشعب السوري .

7-   التركيز على روسيا ومنحها قاعدة عسكرية وامتيازات في النفط والغاز وشراء السلاح للحصول على دعمها للنظام في مجلس الأمن.

 

 

 

 

الانتقال من المؤامرة إلى مقاومة الإرهاب والقاعدة

 

بعد أن فشلت السلطة في تسويق نظرية المؤامرة لأن دعم قطر أو السعودية كان كلامياً وما عدا بعض المساعدات الإنسانية والإعلام لم ترسل أي دولة عربية السلاح  للشعب وكذلك فإن من زعموا أنفسهم أصدقاء للشعب السوري من دول العالم لم  يدعموا بالسلاح وفرضوا حظراً منع حتى الدول العربية وحتى شركات التهريب من  إرسال السلاح مما جعل نظرية المؤامرة غير مجدية وتسويقها صار مضحكاً فانتقل النظام منه إلى نظرية مقاومة الإرهاب القاعدي .!

الحقيقة في هذا الشأن أن ما ساعد النظام على تسويق أكذوبة الإرهاب الإسلامي  القاعدي هي الأمور التالية :

1-   قيام مجموعة مسلحة قدمت من العراق بدخول سورية بحجة نصرة الشعب السوري مدعومة بخبرات عسكرية من مفرزات حرب أفغانستان والعراق ومدعومة بأموال وهابية من السعودية ولأن الشعب الذي يواجه القمع المسلح  يحتاج للسلاح فقد استطاع هؤلاء تجنيد أعداد من أهل البلد في صفوف النصرة وأمدوهم بالسلاح ودفعوا لبعضهم تعويضات كأي جيش مقاتل بحجة تعويضات  لمساعدة أهالي المقاتلين .

2-   قيام بعض الكتائب المسلحة بالعمل تحت تسميات دينية وبعضها طرح مشاريع للمستقبل كالخلافة ودولة الإسلام وذلك للحصول على دعم شعبي أكبر ولكن هذا أفاد النظام على تسويق الطائفية وتخويف الأقليات كما ساعد كثيرا على تماسك الكتلة العسكرية العلوية في الجيش والأمن حول آل الأسد ومنع انشقاقها.

هذا التدخل للغرباء والتصرفات غير المدروسة من بعض الكتائب التي تخالف السياق الديمقراطي وتدفع إلى صراع طائفي بين السنة والعلوين لا الصراع  بين مستبدين   وشعب يريد الحرية فأدى الأمر إلى تخوف الدول في العالم من نتائج الحرب خوفاً من أن تصب في صالح قوى متطرفة ذات توجهات دينية أو قاعدية وهذا أوقف إمدادات السلاح للمعارضة وجعل النظام يستمر في الولوغ في دماء السوريين غير مهتم بالتنديد الدولي خاصة أن وحشيته في القتل يقابلها في بعض الكتائب وحشية مماثلة   مما جعل الكثيرين لا يثقون بهؤلاء لقيادة بلد تعددي يريد الديمقراطية كإطار للمستقبل ويرفض تطويف الثورة كما يريد النظام وكما خطط وصار صحيحاً السؤال  هل هؤلاء من الغرباء أو من متطرفي الداخل يريدون نصرة الشعب أم اغتيال ثورته؟؟!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 الحل الدولي السياسي وتحديات الوضع

 

الولايات المتحدة لا ترغب في التدخل العسكري إلا إذا كان بتغطية من مجلس الأمن بكامل أعضائه وهو الأمر الذي استحال بسبب الفيتو الروسي والصيني الذي منع أي تدخل أو حتى تنديد مما خلق حالة استعصاء دولي لذلك تم في جنيف التوافق الأميركي الروسي على حل فيه الكثير من الغموض ورفضه الطرفان النظام  والمعارضة مما دفع إلى استمرار القتال مع حظر السلاح عن المعارضة والهدف هو  تحقيق إضعاف كبير للطرفين للحصول على موافقتهما على الحل السياسي دون أن يكون من المسموح به سقوط النظام أو الانتصار على المعارضة إلى درجة تعيد هذه الدول التوازن إذا اختل على الأرض .

المفاجأة في هذا الأمر أن دول الغرب شعرت أن المدة الزمنية التي استغرقتها سياسة إقناع الطرفين بالحوار أدت إلى تصاعد خطير لبؤر إرهابية أخافت الروس والأميركيين معاً فتداعوا إلى مؤتمر جنيف 2 للإصرار على الحل الدولي واستعجاله كفرصة أخيرة قبل أي تدخل أو حرب دولية في المنطقة .

مخاطر التفاوض الدولي

 

ذهاب النظام إلى التفاوض على الإنتقال السلمي للسلطة يعني أن نظرية المؤامرة  والتخويف من الإرهاب الدولي الإسلامي كلاهما كانا مجرد مزاعم لحشد التأييد  للنظام العائلي وهذا سوف يؤدي إلى انفجارات قوية  داخل النظام ترفض انتقال السلطة وتخاف من رحيل الأسد وشبكته العسكرية الأمنية وعائلته لأن ذلك قد يجعل غالبية العلوين محل انتقام وخوف ولاسيما الشبيحة منهم الذين ارتكبوا الجرائم الوحشية ولن يكونوا في عداد المرحلين لذلك يتوقع الكثيرون محاولة اللعب على التفاوض وإطالة أمده ما أمكن لتحقيق نصر عسكري يحسن شروط التفاوض  ويؤجل رحيل الرئيس وشبكته خاصة وأن جنيف 1 و2 كلاهما يشترطان حق التظاهر  الذي سوف يغمر الساحة بملايين المتظاهرين الذين يصعب منعهم من الأعمال الإنتقامية بحكومة انتقالية أو بدونها .

من ناحية أخرى فإن المعارضة المسلحة التي قدمت الشهداء وكذلك كل الشعب الذي  اعتقل مئات الألوف من شبابه أو قتلوا ليس في وارد القبول ببشار الأسد وشبكته العسكرية شريكاً في مستقبل سورية لذلك قد يفجر التفاوض الوضع داخل المعارضة بشقيها السياسي والمدني ما لم يكن مصير الأسد ومجموعته العسكرية محسوماً والتفاوض هو على شروط الترحيل وليس على الشراكة في الحكم معه.

إيران ليست في وارد القبول بالتفاوض حول مستقبل الحكم في سورية الذي قد  يؤدي إلى فقدانها سورية كورقة تفاوض مع الغرب أو قاعدة خلفية تحمي الدولة الشيعية الإيرانية في  جنوب لبنان لذلك ستضع العراقيل في طريق أي حل يكون من  نتائجه سقوط هيمنتها على القرار السوري .

من أجل ذلك وإن وافق الروس والأميركان على التفاوض إلا أنه على الطريق  مصاعب ومصالح والذين تأملوا خيراً من بداية التفاوض عليهم أن يتحلوا بالصبر  فعلى الطريق ألغام داخلية وإقليمية ودولية قد تبعثر أي تفاؤل في الحل السياسي .

 

 

 

 

مخاطر التدخل الإسرائيلي

 

في ظل الوضع الدولي وحق الفيتو أمام أي قرار من مجلس الأمن يكون فاعلاً فإن إسرائيل تستطيع وحدها التدخل في الأزمة عسكرياً بحجة وجود أسلحة دمار شامل أو أسلحة كيماوية يخشى تسربها إلى حزب الله أو إلى الجماعات المتطرفة التي  دخلت الحرب.  

إسرائيل لن تجازف بحرب هدفها إسقاط نظام أعطاها سلاماً على حدودها لعدة عقود دون أي اختراق وحين قصفت بالطائرات مراكز لأسلحة وذخيرة ادعت أنها قيد  الشحن لحزب الله في لبنان في نفس الوقت أرسلت إلى الأسد تطمينات أن الغارات لا تهدف إلى إسقاط النظام .

عملياً استفاد النظام من الغارات لأنه جعل المعارضة في وضع حرج اضطرت معه  إلى إدانة الهجوم على مراكز عسكرية لجيش الأسد الذي يقاتلها وذلك لأنها إذا لم  تفعل ذلك فستضع نفسها خارج المعادلة الوطنية .

الغارة في رأي الكثيرين جاءت لتعيد الاعتبار لوطنية النظام وليس لإضعافه لأنها  لوارادت إسقاط النظام فالأمر سهل لأن الجيش السوري مشغول بالحرب على الشعب  في مئات نقاط الاشتباك والفرق العسكرية سحبت من الجبهة إلى الداخل وأسلحة الجيش استهلكت خلال حرب امتدت سنتين .

جاء المتطرفون الغرباء بحجة نجدة الشعب فتبين بسلوكهم وتطرفهم أنهم أدوا خدمة كبيرة للنظام الذي يبحث عن ذريعة لتحويل حربه على الشعب إلى حرب على الإرهاب التي تكسبه تاييد الدول وقد تمد بعمر النظام وإذا تدخلت إسرائيل فليس  لنجدة الشعب أيضاً بل لغسل أوساخ النظام وإظهاره وطنياً مادام يتعرض لغارات  وتدخلات إسرائيل .

 

 

 

 

 

 

 

الحل العسكري من داخل جيش النظام

 

مع أن النظام نجح في تطويف الصراع مع الشعب ذاهبا إلى حل أمني وحشي استدرج بالضرورة الدفاعية مواجهة مسلحة فبدت الأمور على الساحة أنها صراع طائفي أدى إلى تماسك الشبكة العسكرية الطائفية في الجيش والأمن حول النظام إلى درجة صار الإنطباع  أن مصير النظام والطائفة يدوران معا في الوجود والعدم .

لم يستطع العقلاء في الطائفة الوقوف ضد هذه القناعة التي يغذيها عسكريوا النظام على حساب طائفة فيها معارضون كثيرون للنظام وسجنوا وعذبوا وصارت قدرة المعارضة العلوية على اتخاذ مواقف تقربها من الحراك الشعبي محدودة بسبب عامل الخوف الذي  لم توفر له المعارضة السورية فرصاً تبدده بل على العكس نشرت بعض الكتائب المسلحة المتطرفة شعارات العداء للطائفة جملة وكذلك التهديدات بالانتقام الأمر الذي جعل دور المعارضة العلوية سياسياً فقط ولم تذهب أو تقدر على تحقيق انشقاقات علوية في الجيش تقربها من الثورة ولكن مع اشتداد المعارك وسقوط الألوف من العلويين في الجيش   والأمن والشبيحة فإن المراهنة على استمرار التماسك الطائفي يصبح نسبياً وقابلاً  للإختراق ما دام هناك استعصاء يجعل مشروع المعارضة العلوية مقبولاً وهو تحميل آل  الأسد ومجموعة من العسكريين المسؤولية عن المجازر وليس الطائفة المرغمة أو الخائفة وبالتالي أحداث إنقلاب عسكري أو إنشقاق قطعات كاملة تلتقي بالجيش الحر  وتسانده ويصبح العلويون شركاء في مستقبل البلد .

إذا جاء هذا الحل من داخل الجيش فهو أفضل لسورية من غزو خارجي من هنا أو من هناك وتستعيد الدولة عافيتها وتضمد الجراح على قواعد العدل بحيث لا يتجاوز العقاب الوطني الطائفة بل العدد القليل من الذين كانوا لعقود وراء الوحشية والنهب وتسببوا في  خراب البلد ليحكموا ويورطوا ويخدموا في النهاية مشروع الصهاينة لتدمير البلد من  أجل كرسي .!

فهل تحدث المفاجأة ؟ هذا هو السؤال . وفي السياسة كل شيء يمكن أن يتغير من أول الدائرة إلى آ خرها .

صار وضع المعارضة العلوية قوياً بسبب فشل النظام في قمع الحراك الشعبي السياسي  والعسكري وصار هناك من يسأل إلى متى ويعلن فشل النظام الذي قاد العلويين إلى مصير خطير بسبب وحشيته وصار صوت المنددين منهم قوياً إلى درجة التظاهر العلني ضد النظام كما حدث في حمص فإذا وصل بعض مشايخهم إلى قناعة بأن السير وراء النظام لم يعد مقبولاً وإذا تقدمت المعارضة السياسية بما يلزم من ضمانات ومن مواقف ضد الانتقامات التي تتجاوز القانون فقد يتحقق تطور يصب في مصلحة الوطن ويجعلنا في منأى عن السعي وراء الدول لإنقاذنا من بعضنا ولو على حساب استقلالنا الوطني .

إن نداءنا الوطني للجميع هو استفيقوا ، الدم لا يصنع وطناً وكل الأنظمة والرئاسات والجيوش لا قيمة لها إذا فقدنا استقلالنا وصرنا مجرد متسولين على أرصفة بلاد العالم .

 وبالمقابل فإن المستقبل ليس للطغاة ولا للعسكر الذين استولوا على السلطة والمعركة  هي بين حكم العسكر وبين الحرية والديمقراطية من جهة أخرى وقد تسقط أحزاب ويحدث دمار وهجرة ولكن في النهاية الحرية ستنتصر  المجد لها  .

في ختام هذا الكتاب فإن الأمور تسير في صالح الأكثرية المعارضة المسلحة أو التي بدون سلاح لأن الحرية في كل تاريخ الشعوب لم تسقط ويبقى أن الزمن قد يقصر أو يطول ولكن لا أحد يستطيع أن يحلم باستسلام شعب أراد الحرية ويدفع ثمنها لتكون منارة للمحيط العربي الذي يعيش في الاستبداد وآن الأوان لصحوة ديمقراطية تجمع ولا تبدد ، توحد ولا تفرق ، وتوزع العدل والكفاية دون تفرقة في اللون أو العرق أو الجنس أو الفكر أو الدين لكي تستقر الأمور في مجتمع امتد تاريخه إلى ألوف السنوات واجتاحته  جيوش المحتلين والغزاة ثم رحلت بقوة الشعب الذي يعرف ويؤمن أن قيماً كثيرة قد  تسقط في مستنقع العنف ولكن الحرية وحدها تبقى عصية على أي هجمة باغية من أي  جهة أتت ويزول الطغاة والحرية لا تزول .

وسورية إذا لم تكن حرة وديمقراطية تفقد دورها وضرورتها في كل هذا الشرق.

 لقد عاشت سورية الديمقراطية في أربع فترات هي :

1-   الديمقراطية الأولى : من 17-4-1946 إلى 30-3-1949

2-   الديمقراطية الثانية : من 13-8-1949 إلى 19-12-1949

3-   الديمقراطية الثالثة : من 25-2-1954 إلى 22-2-1958

4-   الديمقراطية الرابعة :من 28-9-1961 الى 8-3-1963

ومن هذا يتبين أن الديمقراطية عاشت في سورية مدة 8 سنوات وعشرة أشهر فقط. أما الحكم العسكري فقد استغرق مدة /59/ عاماً من أصل مدة الحياة السورية منذ الاستقلال عام 1946 حتى 2013 .

وبعد كل هذا القمع هناك من يسأل لماذا انفجرت الثورة ؟

الديمقراطية أو الموت هو خط الثورة ولن يتوقف فقد صار الاستبداد العسكري فوق  طاقة الإحتمال وسيهزم نهائياً .

 

الأول من حزيران  2013

 

 

 

 

 

 

 

 

 

   

الخطاب السياسي في مرحلة الثورة

-       المقالات -

 

في هذا القسم من الكتاب نورد المقالات التي تم نشرها كجزء من خطابنا السياسي في مراحل الثورة من التظاهرات إلى الحل الأمني الذي دفعت السلطة البلاد إليه والانتباه إلى تاريخ كل مقال ضروري لأن الأداء السياسي مرتبط بالزمن ويتغير معه ما استجدت أحداث جديدة ومن هذا العرض لخطابنا السياسي نكتشف أننا توقعنا مسبقاً كل ما حدث وسوف يحدث ونبهنا إلى المخاطر في وقت مبكر وطرحنا تصوراً معقولاً لشكل الوطن الذي نريد  .

المقالات وتواريخها موجودة على موقعنا(WWW.HACHWA.COM  ) وفي موقع كلنا شركاء وجريدة السفير .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

سورية .. الأزمة والحل

 

في السياسة..الشعب هو مجموعة الأفراد المنظمين في أحزاب ونقابات ومؤسسات المجتمع المدني وعن هؤلاء تنبثق قيادات تتولى التعبير عن الإرادة العامة.

أما مفهوم الشعب في الأنظمة الديكتاتورية فهو (الجماهير) التي يمكن لأي سلطة أن تحشدها بالإكراه في الساحات بعد أن تعطل المدارس والمعامل وترغم الأرياف على المشاركة ومهمة هذه الجماهير لا التعبير عن الإردة العامة بل التصفيق للحكام الذين احتكروا هذه الإرادة..

في سورية وخلال نصف قرن ومنذ الوحدة مع مصر يسود المفهوم الثاني  للشعب بعد أن تم إلغاء الحكم البرلماني والأحزاب وعدم استقلال القضاء والنقابات.

وبعد انقلاب الثامن من آذار1963 صار إضافة للحكم الشمولي  حكم الحزب الواحد الذي يدير الدولة والمجتمع معتمداً على الجيش والمخابرات ثم جرى ترحيل سلطة الحزب إلى قائده ثم تم إنشاء جبهة من أفراد من أحزاب صورية كديكور للاستهلاك الخارجي للتعبير عن وجود ديمقراطية غير موجودة إطلاقاً إلى درجة أن الحزب الحاكم نفسه صار مثل أحزاب الجبهة ديكوراً ولكن له حصص من الوظائف والمناصب أكثر.

هذا الحكم الشمولي دمر الحياة السياسية في البلد لأن الشعب في المفهوم السياسي لم يعد موجوداً وتحول الناس من التنظيم الحزبي إلى الشوارع وإلى الأديان محتجين وثائرين..

المشكلة أن الحوار مع الأحزاب ممكن في أي وقت ويمكن حل كل المشاكل والأزمات ولكن الحوار مع شارع متنافر في آرائه وحكمته ويفتقد القيادات أمر مفزع لأن السلطة تكون أمام خيار واحد إما أن تبيد هذا الشارع أو يبيدها..

المسؤلية عن تدهور مفهوم الشعب من المؤسسات إلى الشوارع هو بلا شك مسؤولية النظام الذي ألغى الأحزاب والحريات السياسية واحتكر الإرادة العامة فتولدت بالضرورة سلطة الشارع التي يمكن للتيارات الدينية أن تلعب بساحاته مدعية أن الظلم هو نتيجة الإبتعاد عن طاعة الله والحل هو الحكم الديني ...

هذا الوضع قد يؤدي إلى إستبدال الحكم العسكري الدكتاتوري بالحكم الديني الديكتاتوري والفرق بينهما أن الحكم العسكري تأتي طاعته من فوهات البنادق في حين أن الحكم الديني تأتي طاعته من الخالق ولا يحاسبه أحد إلا الله في الآخرة  ..

الآن في سورية أزمة لا ينكرها أحد وخيار واحد أمام السلطة هو القمع بمواجهة شارع يريد إسقاط النظام وقد نصل إلى حرب أهلية ما لم نستمع إلى روح الحكمة ونخاف الله في دماء الناس وحقوقهم .

الحل هو أن تتوفر الشجاعة التي تتجاوز المصالح الشخصية ومصالح الطوائف والأديان والأحزاب لكي نتفادى حرباً أهلية وقمعاً قد يبرر التدخل الأجنبي ويؤدي في النهاية إلى تقسيم سورية.

الحل السياسي ممكن وسهل ولا يحتاج إلى سنوات من الدراسة ولا إلى إملاء من الخارج ويستمد  جذوره من تراثنا القانوني وتجاربنا السياسية.. الأمر يحتاج إلى مرسوم تشريعي واحد يحظى بموافقة مجلس الشعب الحالي (على علاته) فنحصل  على السلام الداخلي ونحقق الوحدة الوطنية ولا نحذف حزباً ولا طائفة ولا ديناً من حق  المشاركة في العمل العام كما لا نعود بحاجة إلى أحكام عرفية ولا لمعتقلين ونعيد ترتيب  البيت السوري عن طريق الحوار الذي يحقق حياد الجيش والقضاء فننضم إلى  مجموعة دولة القانون والمؤسسات فلا يشعر أحد بالقهر ولا يهاجر أحد ولا يهرب  أمواله..

هذا المرسوم التشريعي يتضمن إعادة العمل بالدستور السوري الذي كان نافذاً قبل الوحدة وبقانوني الإنتخاب والأحزاب التي ألغيت بعد الوحدة.

الدستور السوري الذي وضعته جمعية تأسيسية منتخبة عام 1950 هو من أفضل الدساتير الديمقراطية وتوافقت عليه الأحزاب كلها وحتى الدينية منها وهو يعتمد على نظام فصل السلطات وبرلماني جمهوري متوازن ومجلس الوزراء مجتمعاً هو السلطة التنفيذية والرئيس ينتخب من البرلمان لمدة أربع سنوات ويجدد لمرة واحدة.

وقانون الأحزاب هو الأفضل أيضاً حيث تودع الأحزاب دساتيرها وزارة  الداخلية التي عليها إعطاء الترخيص خلال شهر وإلا اعتبر الحزب مرخصاً حكماً وفي حال الإعتراض تبت محكمة القضاء الإداري في مجلس الدولة في الخلاف بحكم مبرم.

وأما قانون الانتخاب فهو الأفضل أيضاً لأنه يعتمد المنطقة لا المحافظة دائرة إنتخابية وهو أقرب إلى قلوب الناس ومعرفتهم بالمرشحين وأقل كلفة ورشوة ويمكن للأكفاء الفقراء أن يصلوا إلى البرلمان..

فهل نذهب إلى الحلول العنيفة والإجتثاثية المتبادلة وإلى الحرب الأهلية وحوار الشوارع  والتدخل الأجنبي ومشاريع التقسيم أم نبدأ الحل الإصلاحي الحقيقي ونحقق السلام  الداخلي .. هذا هوالسؤال؟؟

 

30\4\2011 

 



 

 

 

 

تغيير النظام لا إسقاط الدولة

 


شعار إسقاط النظام دون الإتفاق على نوع النظام البديل قد يؤدي إلى إسقاط الدولة وبعثرة الطموح الشعبي للتغيير الديموقراطي . في سورية الشعارات عن الديموقراطية والحريات ووحدة الوطن لاتكفي ما لم يتم تقنينها في مشروع سياسي واضح لا يترك في المستقبل ما يؤدي إلى الخلافات.

نعتقد أن شعار إسقاط النظام يجب أن يفسر مسبقاً بحيث لا يعني أبداً إسقاط الدولة لأن الدولة ومؤسساتها  لنا جميعاً بحيث لا يمتد الشعار إلى ما هو أبعد من ( تغيير  نوع النظام ) والانتقال إلى نظام ديمقراطي برلماني  .

ومنذ سنوات شعرنا بالخطر الناجم عن استمرار الحكم الرئاسي الذي احتكر السلطة ونقلها من الحزب القائد إلى القائد وحده معتمداً على  عدد محدود في مركز القرار يخافون الحاكم ولا يخافون الله فأنتج ذلك عنفاً وتعسفاً وفساداً في الأرض  لا مثيل له في التاريخ .

كنا نستشعر بصورة مسبقة الإنفجار الذي حصل الآن وقلنا أن ذلك سيحدث والشعوب لاتعطي أحداً مواعيد إنفجارها .

 في حمص التقيت بعدد من الشباب الذين يقودون التظاهرات في الفترة التي سبقت اختيار الدولة للحل الأمني ودخلنا في نقاش حول شعار إسقاط النظام وانتهى إلى إقرارهم بضرورة أن يكون مفهوماً أن الشعار لا يعني إسقاط الدولة بل فقط النظام الديكتاتوري الرئاسي واستبداله بنظام برلماني دستوري تنبع فيه السلطة من  صناديق الإقتراع لا من فوهات البنادق ووافقوا على إعادة العمل بدستور 1950  وقانوني الأحزاب والإنتخابات التي كانت قائمة  قبل الوحدة وتأكيداً على ذلك وزعوا منشوراً على المتظاهرين الآن كل أحزاب المعارضة في الداخل والخارج لم تقدم مشروعاً دستورياً للمستقبل الأمر الذي سيؤدي إلى خلافات وفوضى وانقسامات في الصف الوطني .

لذلك تقدمنا بالمشروع التالي حسماً لأي خلاف  .

1-  إعادة العمل بدستور 1950 :

هذا الدستور يستند إلى النظام البرلماني ويعتمد على مبدأ فصل السلطات واستقلال القضاء وصيانة الحريات العامة ورئيس الجمهورية هو رئيس دستوري ينتخب من البرلمان لمدة أربع سنوات ويمكن التجديد له لمرة واحدة ويحاكم أمام المحكمة الدستورية التي يعينها البرلمان وقوة القرار السياسي في الحكومة التي تعمل تحت رقابة البرلمان وتعزل منه إذا أخطأت وهذا الدستور وافقت عليه كل الأحزاب بما في ذلك البعث والأخوان المسلمون .

2-  إعادة العمل بقانون الأحزاب رقم 47 وتعديلاته :

هذا القانون صدر بالمرسوم التشريعي رقم 47 تاريخ 12\9\1953 اعتمد على الحرية المطلقة في تأسيس الأحزاب حيث يقدم المؤسسون إلى وزارة الداخلية بعلم وخبر بتأسيس الحزب وعلى وزارة الداخلية منح الترخيص خلال شهر وإلا اعتبر الحزب مرخصاً حكماً وفي حال الخلاف يبت قضاء مجلس الدولة به بقرار مبرم . 

وبالتالي هو أفضل القوانين لحرية العمل السياسي .

3-  إعادة العمل بقانون الإنتخابات رقم 17 لعام 1949 :

هذا القانون صدر في 10\9\1949 وتعديلاته وهو يعتمد في انتخاب  البرلمان انطلاقاً من دوائر صغيرة من المنطقة إلى المدن وحسب تعداد السكان وهو قانون عادل ويمكن للإكفاء النجاح بنفقات قليلة والناخبون يعرفون المرشحين والسلطة غير قادرة على التدخل في إرادة الناخبين كما أن فيه ما يسمح بتمثيل كل النسيج السوري .

4-  تشكيل حكومة إنتقالية :

هذه الحكومة تضم شخصيات وطنية ديمقراطية تتسم بالإعتدال وتعبر عن أوسع تمثيل للنسيج السوري .

هذه الحكومة الإنتقالية تتحدد مهامها كما يلي :

1-   إعادة هيكلة الجيش وقوى الأمن بحيث تكون محايدة ولا تكون لحزب أو طائفة أو دين وبالتوافق مع مجلس عسكري يمثل مختلف القطعات.

2- إعادة النظر في مؤسسة القضاء بحيث لا يكون لدين أو طائفة أو حزب وبالإتفاق مع مجلس القضاء الأعلى .

3-  تشكيل اللجنة العليا للمصالحة والتعويضات وتكون مهمتها صرف التعويضات للمتضررين من الأحداث دون أي استثناء واعتماد المال اللازم في الموازنة متقدماً على أي بند آخر فيها . هذه اللجنة تشكل فريقاً للمصالحة الوطنية .

4-   إجراء إنتخابات برلمانية خلال ثلاثة أشهر لا يترشح فيها أعضاء الحكومة الإنتقالية .

هذا هومشروعنا للمستقبل ومن عنده أفضل فليزودنا به فهل نتفق سلفاً أم نترك ذلك لفوضى لا نعرف إلى أين ستقودنا هذا هو السؤال.

17\8\2011

 

 

 

 

 




 

قبل أن يحدث في سورية


لكي لا يحدث في سورية ( بعد رحيل النظام ) ما حدث في مصر وتونس وليبيا من خلافات حول شكل الحكم الجديد وحول آلية الإنتقال إلى الديمقراطية دعونا في بداية الحراك الشعبي إلى الإتفاق المسبق على شكل الحكم لأنه في السياسة لا يكفي أن يقول المعارضون أنهم يريدون دولة ديمقراطية فالشعارات بدون تقنين واضح تكون عرضة لتفسيرات مختلفة تؤدي إلى خلافات قد تقودنا إلى الضد.

وحين دعونا إلى إعادة العمل بدستور ما قبل الوحدة الصادر عن جمعية تاسيسية فلكي نتجنب الوقوع في فراغ دستوري وقانوني خطير يدمر البلد ويزرع الإنقسامات.

هذا الدستور أخذ بالنظام الجمهوري الديمقراطي مما يعني الخلاص من الحكم الرئاسي الديكتاتوري الذي جاءنا بكل الكوارث والأحكام العرفية وخرّب الوحدة الوطنية. ودعونا مسبقاً إلى إعادة العمل بقانون الأحزاب الساري في ظل الدستور والذي هو الأفضل في العالم  حيث لا قيد ولا شروط إقصائية لأي حزب ويكفي إيداع وزارة الداخلية كتاب أخبار بقيام الحزب فإذا لم تمنح الوزارة الترخيص خلال شهر يعتبر الحزب مرخصاً حكماً وفي حال الخلاف مع الوزارة فللقضاء الإداري وحده حق الفصل فيه بقرار مبرم. ودعونا إلى إعادة العمل بقانون الإنتخابات الساري في ظل الدستور والذي يستند إلى إنتخابات انطلاقاً من دوائر صغيرة لا المحافظة كاملة وبذلك تخف القدرة على التدخل السلطوي وتقل الرشوة وتزداد القدرة على المراقبة وأهم من ذلك سيعرف الناخب المرشحين وبنفقات قليلة سيحصل الأكفاء الفقراء على فرص حقيقة للنجاح.

قيادة الشباب في حمص في مرحلة التظاهر السلمي وافقت على اقتراحنا وأصدرت منشوراً وزع على الجميع بضرورة إعادة العمل بدستور 1950 وقانوني الأحزاب والإنتخابات وأن الغاية من إسقاط النظام هي في تغييره لا في إسقاط الدولة .

بدون الإتفاق على شكل الحكم وآليات الإنتقال إلى الديمقراطية فإن الأمور قد تقود إلى ديكتاتورية فكرية أو عسكرية جديدة ويتم إغتيال شعارات الشباب في بداية الحراك الشعبي.

دستور 1950 ليس مقدساً ويمكن تعديله أو استبداله فيما بعد وهو صالح في المرحلة الإنتقالية أكثر من أي اقتراح أو حل آخر.

الإتفاق على شكل الحكم الجديد مسبقاً يحمينا من هجمات الذين يريدون حكماً رئاسياً أو دينياً أو عسكرياً جديداً سيدفع البلد إلى قتال داخلي جديد وتأكل الثورة بعضها ولا نحصد خيراً.

إن خير ما يفعله الإئتلاف الوطني وفيه عقلاء وحكماء ووطنيون هو أن يقنن شكل الحكم بإعادة العمل بدستور حصل سابقاً على إجماع الأحزاب من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار  لأنه لايمكن أن نتصور قيام حكومة مؤقته أو إنتقالية بدون دستور وقانون يحدد مسيرتها لأن الفراغ قد يؤدي إلى إنتشار دساتير عديدة بتعدد الفصائل المسلحة والأحزاب.

الأمر الآخر الذي ندعو إليه هو ضرورة عدم الإستعجال في إجراء الإنتخابات لأن الأحزاب المقموعة لنصف قرن , والأحزاب الجديدة تحتاج لفترة زمنية أقلها سنة لتعيد تنظيماتها والسرعة في سلق الإنتخابات كما حدث في دول الربيع العربي سيؤدي إلى إغتيال الديمقراطية والحريات على يد قوى ستستفيد من الفراغ الحزبي لتفرض على البلد ديكتاتورية جديدة.

فهل  يذهب الإئتلاف الوطني إلى حسم مسبق لهذه الإمور أم ترانا على طريق دول الربيع العربي سننتقل إلى صراعات داخلية؟؟

هذا هو السؤال..

8-12-2012

 

 

 

 

 

 

 

 

حل داخلي برعاية دولية جاهزة

 

في تحليل الواقع السوري فإن النظام رغم قواته المسلحة فشل وعجز خلال سنتين عن قمع الثورة وكل ما فعله هو خراب شامل للمدن والقرى والتسبب في سفك دماء الناس وأغلبهم من المدنيين . وما هو صحيح أن المقاومة المسلحة لم تستطع إسقاط النظام ولكن أنهكت قواته الأمنية والعسكرية رغم أن التوازن في التسليح مفقود وفي ظروف الحصار على توريد سلاح فعال إليها.

المجتمع الدولي ليس في وارد التدخل العسكري ولا حتى في تأمين مناطق عازلة ولا حتى السماح لدول الجوار أو للمهربين بتوريد أي سلاح  فعال.

هذا الوضع الدولي مع عدم قبول الطرفين بحل سياسي هو الذي جعل السياسة الدولية تذهب إلى ضرورة استمرار الحرب حتى يتعب الطرفان ويقبلان بحل سياسي.

التدخل الخارجي بشقيه الروسي والأميركي يتم وفق آلية لا تسمح بهزيمة نهائية لأي طرف على آخر .

إلى أن يحصل الطرفان على قناعة بقبول الحل الدولي المتفق عليه والذي من بنوده تغيير النظام وترحيل قياداته وبشكل لا يؤدي إلى إسقاط الدولة وإنهيار مؤسساتها ولا تحصل أي انتقامات طائفية .

ما يراهن عليه المجتمع الدولي هو انتظار اقتناع متبادل لإنتاج تفاهم على ( تغيير النظام لا إسقاط الدولة ) ووقف العنف والإنتقال إلى سلطة مؤقتة لا يشعر أحد خلالها بالقهر أو الإغتراب والتي من مهامها إعادة هيكلة الجيش وقوى الأمن باتجاه وضع أقرب إلى الحياد .

المدهش أن هذا الحل المتداول سبق في 30-4-2011 أن طالبنا به حين كان الحراك الشعبي سلمياً ودعونا الرئيس إلى إصلاح حقيقي بموجب مرسوم تشريعي من مادة واحدة تقول ( يعاد العمل بدستور 1950 وبقانوني الأحزاب والإنتخابات وتعديلاتهما السارية في ظله ) ويتم إقراره بأكثرية الثلثين فتنتقل سورية من النظام الرئاسي الديكتاتوري إلى نظام برلماني دستوري ويتم بعد ذلك تشكيل حكومة وحدة وطنية تجري الإنتخابات وينتخب المجلس النيابي رئيس جديد للجمهورية لمدة أربع سنوات.

هذا الحل كان سينهي الصراع ويدفع الجميع إلى العمل السياسي وإلى صناديق الإقتراع ولكن السلطة ذهبت إلى الحل الأمني والقمع المسلح ودفعت وتسببت في عسكرة الحراك السلمي واستعملت في القمع  كل أسلحة الجيش في سابقة وحشية لم تحصل في كل التاريخ الإنساني .

الآن ما هو مطروح كما يرى المحللون ليس مجرد تبادل للمعتقلين ولا تخفيف المعاناة الإنسانية بل هو دفع الأمور باتجاه حل داخلي  يحظى برعاية دولية كاملة ومتفق عليها يؤدي إلى تغيير النظام  ورحيل بعض رموزه والمحافظة على الدولة وتشكيل حكومة وطنية تجري الإنتخابات وتعيد هيكلة الجيش باتجاه إعادة التوازن إلى بعض  قطعاته.

تصريح الأستاذ معاذ الخطيب حول الحوار مع بعض رموز النظام يصب في هذا الإتجاه وله مؤيدون ويبقى أن يتحدث النظام بغير السلاح ويكون لمرة واحدة صادقاً في رغبته في الحفاظ على الدولة ووقف سفك الدماء لكي لا تستمر الحرب لسنوات وتنتقل سورية من ضرورة تغيير النظام إلى إلغاء البلد . وشخصياً لا أعتقد أن النظام سيقبل الحوار متذرعاً بالإرهاب بعد أن سقطت نظرية المؤامرة حين دعا إلى حوار مع المعارضين في الخارج ودعاهم للعودة وهو يعرف أنهم ليسوا مجانين إلى الحد الذي يصدقون فيه براءة الدعوة من مجزرة تعد لهم . فهل نعود إلى حل داخلي برعاية دولية أم سنذهب إلى حرب طويلة ؟؟ .هذا هو السؤال .

 3-2-2013

 

 

 

 

 

 

 

 

من شبيحة النظام إلى شبيحة مماثلة

 

الشبيحة لقب اخترعه السوريون للدلالة على مجموعة من أبناء عائلة الأسد وأبناء المسؤولين الأمنيين الذين اعتادوا أن  يركبوا سيارات المرسيدس الحكومية التي ورثوها عن أجدادهم ويشفطون بها في الشوارع المزدحمة بالناس والصبايا ويسرعون برعونة ولا يستطيع أي شرطي سير أن يصفّر لهم أو يلاحقهم أو حتى يرجوهم التأني وإذا تجرأ مواطن على الاحتجاج يتولى مرافقوهم الأشاوس ضربه وتعفيسه بالأرجل لأنه تطاول على جزء من الذات الإلهية.

بعد انفجار الشعب وتظاهره حاولت السلطة أن تدفع بمؤيديها إلى الساحات لإثبات جماهيريتها وكان هذا عملاً مقبولاً في الصراع السياسي ولكن حين ذهبت السلطة للحل الأمني استبدلت مناصريها بمجموعات طائفية مسلحة وحاقدة وسمحت لهم باعتراض التظاهرات بالسلاح واستنفرتهم للهجوم على المتظاهرين مزودين بالعصي الكهربائية وبالجنازير الحديدية ثم تم تسليحهم كميليشيات شعبية ذات طابع طائفي بحت وخصصت لهم رواتب شهرية كبيرة وتم حقن الجميع ضد الشعب واستعملت السلطة الحقد الطائفي لتستجر شباباً آخرين بحجة الدفاع عن الطائفة لا عن الحكم العائلي طبعاً فازداد خطر هؤلاء حين لم يمارسوا دور الشرطة في الاعتقال بل ذهبوا إلى القتل ميدانياً وعلى الهوية ومارسوا التعذيب وصاروا سلطة على الأرض وحتى كانت تنهب البيوت وتسرق وتنقل المسروقات بعلم الجيش النظامي لأن الذين جندوهم أباحوا لهم البلد مالاً وأرواحاً ونساءً.

كان هدف السلطة من تجنيد هؤلاء أحد أمرين الأول هو توريطهم بالدم  فتتأسس لديهم قواعد الانفصال عن الوطن خوفاً من حساب قادم والأمر الثاني هو المزيد من الدفاع عن العائلة الحاكمة والاقتناع بعد هذه المجازر بأن مصيريهما يدوران معاً وجوداً وعدماً.

أما الشبيحة المماثلة وإن كانت قليلة فهم مجموعات متطرفة استعارت من شبيحة النظام الأسلوب نفسه في القتل بالسكاكين والنهب وانخرطت في صفوف بعض الميليشيات المعارضة واستعملت التجييش الطائفي فأساءت كثيراً للمعارضة وخدمت النظام الذي استغل  وحشيتها  ليبرر العنف  وليدعي  الارهاب وقد  قصر الجيش  الحر  والمعارضة السياسية الواعية في ردع هؤلاء إلى درجة أن لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة وثقت أحداثاً مؤلمة منسوبة إلى هؤلاء ووصلت إلى تقرير نسب إلى الطرفين وحشية متبادلة وإن كانت وحشية السلطة الأكبر .

إذا كنا نقاتل نظاماً ديكتاتورياً وحشياً قتل واعتقل وعذب وجلد الشعب لعدة عقود وأنشأ عصابة من الشبيحة تمارس بموافقته ورعايته ودعمه أشنع صنوف التعذيب والقتل في الشوارع عشوائياً فكيف نبيح لأنفسنا أن نقلد وحشيته ولا نكون مثله ونجعل الناس تميل إلى الاعتقاد أن عالم الحرية والقانون بعيد جداً وأن ما هو قادم هو استبدال  نظام وحشي ديكتاتوري بنظام استبدادي مثله ومثل أساليبه وشبيحته.

إن المسألة ليست أحداثاً فردية طارئة لأن تكرارها واعتماد البعض الأسلوب الوحشي  الشبيحي صار من حقائق الواقع لأن لا أحد غير النظام من يستفيد من الأمر من انتشار  وبائه إلى معارضيه وربما أن السلطة وراء هذه الظاهرة التي تسيء إلى الشعارات الديمقراطية ودولة القانون والمؤسسات .

لا للتطرف الطائفي من أي جهة جاء ولا لأسلوب السلطة الوحشي ومن يدفعنا إلى استبداد جديد بعد آلاف الشهداء يجب أن يواجهه وعي رادع وهو ما فهمت أن الإئتلاف الوطني يدرك مخاطره ويدعو إلى تجنبه ومحاسبة المرتكبين ونأمل أن يستطيع ذلك ونحن معه ونريد مجتمعاً حراً ولا يخترقه أي ظلم آخر ونرفض نظرية تبادل الأدوار بين ظالم ومظلوم في الأسلوب الوحشي والإستبداد..فهل  ننجح؟  هذا هو السؤال.

6-1-2013

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المسيحيون والطائفية بالإكراه

 

قرأت في جريدة السفير مقال الأستاذ الصديق ميشيل كيلو عن دور بعض رجال الدين المسيحي في سوريا من الأزمة والحراك الشعبي فيها والذي نسب فيه هذا الموقف إلى ارتباطهم بالسلطة..الخ.

ما أريد أن أوضحه في هذا المجال وما لا يعرفه الكثيرون أن المسيحيين في سوريا لم يكونوا في كل تاريخهم طائفة بل كنيسة فقط .

الطائفة تعبير عن مجموعة من الناس تلتزم خطاً دينياً وتنعزل عن المجتمع أو تخاف الإندماج وتسلم قيادتها إلى رجال الدين.

وبالتطبيق العملي فإن المسيحيين في سورية لم يمثلهم يوماً رجال الدين ولم ينعزلوا ولم يسلموا قيادتهم إلى هؤلاء واندمجوا في المجتمع وأحزابه مواطنين لا طوائف تخاف الآخر وتكرهه.

العلاقة بين رجال الدين المسيحي والناس كانت دائماً متضاربة إلى حد الخصام بسبب إلغاء حق العلمانيين في ترشيح الأساقفة وتحويل الكنيسة إلى ديكتاتورية ملكية تحتمي بالسلطة , لذلك لم يحصل هؤلاء في كل تاريخهم على ولاء سلطوي على الناس يمتد إلى ما هو أبعد من القيام بالصلوات.

الآن يحاول بعضهم ادعاء تمثيل المسيحيين كطائفة يقودونها ويبيعيونها. مع أن ما لم يفهمه بعض هؤلاء أن المسيح قال أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله.

إن تحويل المسيحيين إلى طائفة تنتمي إلى الدين لا الوطن هوعمل من أعمال الشيطان ويخدم كل الذين يمارسون دمج السياسة بالدين لتقسيم البلد ونشر الكراهية وتأسيس قواعد الإنفصال وانتهاء بالحروب الأهلية لتدمير الوطن.

المسيحيون في سورية مواطنون ينتمون إلى كل أحزاب الساحة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار وبرز منهم قادة ومفكرون أغنوا الحياة السياسية ملتزمين الدفاع عن الحرية لذلك كل محاولة للإعتداء على هذا الدور الوطني يصب في مصلحة بعض السياسيين الذين يستخدمون الدين لخدمة مصالحهم السياسية.

وأخيراً إن موقف المسيحيين من الحراك الشعبي متعدد فمنهم من يوالي السلطة ومنهم من يعارضها سياسياً واعتقل الكثيرون منهم بسبب انتمائهم للأحزاب المعارضة وكلهم  مع  التعايش الوطني ومع سلطة تنبع من صناديق الإقتراع لا من فوهات البنادق.

إن على رجال الدين أن يفهموا هذه الحقائق وأن يديروا الكنائس فقط وأن يصلوا لكي يسود السلام الداخلي على قاعدة أن مكان رجال الدين الكنائس ومكان السياسيين الأحزاب وأن يتمتع الجميع بالحرية في وطن لا يخترقه الظلم ولا يقبل بالعدوان أما تحويل الناس بالتضليل والتزوير والإكراه إلى طائفة لخدمة الذين لايحبون أوطانهم ولا يخافون الله فهو من صنع الشياطين وسوف ينهار سريعاً لأنه  كما يقول المثل.. إذا جاء موسى وألقى العصا فقد بطل السحر والساحر.

فهل يفهمون ذلك  .. هذا هو السؤال؟؟

1\8\2012

 

 

 

 

من يراهن على صبر الشعب السوري


 في الساحة السورية مسلحون يقاتلون السلطة وسلطة مسلحة تقاتلهم ولكن الذين يموتون أكثر بمئة ضعف هم الناس الذين لا يحملون سلاحاً ولا يقاتلون ولذلك يتكتم الطرفان على ذكر قتلاهما وفقط يعلنون قتلى الشعب من أطفال ونساء ومواطنين كانوا في بيوتهم أو اختطفوا لهويتهم وليس لمشاركتهم في أي قتال  .

حين يتمترس المسلحون المعارضون بحجة حماية المدنيين في الأحياء  فإنهم  يستدرجون السلطة لقتالهم  في الأحياء  فيقتل من المدنيين الكثيرون  وتهدم البيوت على أصحابها فارتفع رقم الشهداء إلى أكثر من مئة ألف والرقم في ازدياد.

لحرب العصابات أصول ليس منها الإحتماء بالمدنيين بل الخروج إلى قتال جيش السلطة وشبيحتها خارج المدن والقرى واستهداف الثكنات والمراكز العسكرية والمطارات  كما  جرى مؤخراً لأن الحسم لا يكون في تحرير قرية أو مدينة ثم بعد أيام تخلى لأن قوة جيش السلطة استعادها والحصيلة موت أكثر للمدنيين الذين بسبب استقبالهم للمعارضين  يذبحون في ساحات المدن  والقرى.

تحييد المدن والقرى ما أمكن ولو بقيت تحت يد السلطة واستهداف المطارات والثكنات والأشخاص المهمين في السلطة الذين يقودون المذابح. 

من يراهن على صبر الشعب الذي يقتل يومياً فإنه قد يفاجأ بالناس يكفرون بالقتال الذي شردهم  ودمر بيوتهم  وقتل شبابهم    من الطرفين  خاصة وأن الزمن  طال  كثيراً وكما يبدو  فإن الدول  الكبرى   لا تريد حلاً    لكي  نموت  نحن  أكثر   ونتحول  إلى دول  فاشلة  وإلى انقسامات جغرافية وطائفية   تدار  من خلالها   حرب  أخرى  على المدى الطويل وتصفق  اسرائيل  التي من استرتيجيته تحويل المنطقة وتقسيمها إلى دول طائفية تقتتل مع بعضها فيتحقق لليهود السلام الآمن من حقائق الواقع السياسي أن النظام ما كان بإمكانه الصمود لولا الدعم الخارجي العسكري من روسيا وإيران والصين ، وبالمقابل فإن الشعب لا يمكن أن ينتصر في المدى المنظور بدون معونة خارجية مادية وعسكرية.

النظام يحصل على المعونات والدعم مقابل قاعدة عسكرية لروسيا وامتيازات في النفط والغاز ومقابل تبعية سورية لإيران ومشروعها الشيعي وبالموجز مقابل رهن القرار السوري بهذه الدول.

المعارضة  لم تحصل من الدول الغربية وحتى العربية على غير التصريحات وبعض المال والدعم الإعلامي وهذا طبيعي لأن المعارضة لم ترهن المستقبل ولا القرار السياسي لأي دولة أجنبية أو عربية وفقط طلبت رفع الحظر عن السلاح.

الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي حددوا مطالبهم من المعارضة بأن تتوحد وأن يتم  ضبط المسلحين وإخضاعهم لقيادة الجيش الحر وإبعاد المتطرفين الذي يدعي الغرب وجودهم . ما المانع من استبدال أسماء الألوية من الأسماء الدينية التي توحي بالتطرف إلى أسماء معنوية كالكرامة والحرية والعروبة والأحرار والمستقبل وغيرها وأن تكون تحت قيادة عسكرية نظامية لكي نقدم للدول المؤيدة مقابلاً يشجعها على تقديم الدعم لا على تطفيشها.

لكي تنتصر الحرية لا بد من  تنازلات عن الشعارات المنفرة إلى غيرها وهذا سيعجل  في سقوط النظام في حين أن التشدد سيخدم النظام الذي يدعي مقاومة الإرهاب الدولي  لذلك يجب أن نكون أذكياء ولا نقدم للنظام مبررات تساعده على الاستمرار وتمنع عنا  الدعم فهل نشهد  تبديلاً مطلوباً وشعارات لا تنفر ولا تخيف من أجل أن لا تطول معاناة الناس وموتهم وخراب بيوتهم ولكي لا يخرجون عن صبرهم ولا نحصد خيراً. هذا هو السؤال .

                                                                          22\1\2013

 

 

 

 

 

سورية هل هي مسألة شرقية جديدة

الوضع الداخلي:

1- فشلت السلطة في قمع المعارضة الشعبية بشقيها السلمي والمسلح مع أنها أخذت وقتاً طويلاً جداً واستعملت كل الجيش والأمن وكافة الأسلحة الفتاكة والقصف العشوائي والقتل على الهوية ميدانياً والحجز والمصادرة والإعتقالات.

2-  فشلت عملية الانشقاقات من الجيش لأن ما تم منها حتى الآن هو من الجنود  الذين يؤدون خدمة العلم وعدد الضباط وصف الضباط  قليل جداً بالنسبة لعديد الجيش والسبب ليس موالاتهم للنظام بل خوفهم من بطشه بعائلاتهم .   

3- فشلت السلطة في توريط المسيحيين والدروز والإسماعيليين للإنضمام إليها عسكرياً في حين نجحت في توريط بعض عشائر البدو الذين يوالون عادة أي سلطة . المعارضة  مقصرة في هذا المجال لأنها لم تستطع ضبط الشارع الذي يحفل بالتطرف الذي يخيف بعضاً من هذه الأقليات لا كلها.

4- رفضت السلطة القيام بأي إصلاحات جدية وما أصدرته من مراسيم كان فقط للإستهلاك الخارجي فلا هي انتقلت من النظام الرئاسي إلى البرلماني ولا هي أطلقت سراح المعتقلين السياسيين بل زادت الإعتقال واكتفت بإطلاق سراح بعض الفتيان الذين تظاهروا ولم يتغير أي شيء في ملف المعتقلين. كان الدستور الذي أعادت صياغته بإرادتها المنفردة نسخة طبق الأصل عن الدستور السابق  وإلغاء المادة 8 منه كان لغواً لأن الأسد ألغاها من زمن طويل وصار البعث مثل أحزاب الجبهة ديكوراً يعبر عن ديمقراطية موجودة على الورق.

أما قانون الطوارىء فهو فضيحة لأنه أعطى حق التوقيف لـ 14 جهاز أمني في البلد ولكل جهاز أن يوقف المواطن ستين يوماً ثم يحيله إلى جهاز آخر وهكذا يصبح التوقيف 60 يوماً مضروباً بـ 14 جهاز ولدى السلطة الآن مئة ألف معتقل وقانونها هذا ألغى الأحكام العرفية كيف؟؟؟

أما قانون الأحزاب فكذبة شمولية أخرى فهناك شروط تعجيزية في العدد  والبرنامج الذي يجب أن يكون وفق إرادة الحكومة التي لها الحق في الإلغاء  بقرار مبرم لا يخضع لأي اعتراض حتى قضائي .

من كل هذا يتبين أن النظام يضحك على المجتمع الدولي ولكنه أضحك أصغر مواطن في سورية يعرف كيف يكشف الكذابين...

5- السلطة حين تخلت عن البعث سياسياً انكشفت كسلطة عائلية طائفية استخدمت خوف بعض الأخوة من الطائفة العلوية من تطرف إسلامي سيقمعهم لاستمرار حكم العائلة وربما في  المستقبل  اللذهاب الى مشروع  انقسامي ليس  من  يؤيده في المنطقة غير إسرائيل التي هي مع اقتتال العرب مع بعضهم وتقسيم دولهم إلى عشرات الدول لأن ضمانات السلام الإسرائيلي هي في أن يحيطها عالم عربي منقسم إلى دول عديدة تقتتل طائفياً بحقد أكبر ولذلك فإن جر العلويين في هذا  الاتجاه سيحولهم إلى موقع يعادي المنطقة ويخدم إسرائيل وسوف يفجر الجبل ضد هذا المشروع على عكس ما يتوقع الحكم.

6- فشلت السلطة في إصلاح القضاء لأنه من غير المعقول أن يكون 90% من القضاة من الحزب الحاكم وأن يكن أكثرهم انتسب للحزب لكي يعين قاضياً أو يجبر على ذلك وإلا سرح وبالإمكان فرز هؤلاء .

7- فشلت السلطة في قمع الفساد لأن أكثرهم من العائلة الحاكمة أو من الموالين أو من أجهزة الأمن أو قادة الجيش الذي لا يجوز محاسبة أحد فيه خاصة وأن النظام أقيم على مبدأ الانتفاع وأنه يتقوى ما اتسعت دائرة المنتفعين منه مما يجعل النظام والفاسدين يدوران معاً في الوجود والعدم.

8- من أخطاء السلطة ذهابها إلى الحل الأمني بمواجهة التظاهرات السلمية لأن  الرئيس تم إقناعه أن ما نجح أيام والده في حماة يصلح دائماً مع أن الأب كان   يومئذ متحالفاً مع مصر والسعودية وعدد المسلحين في حماه لم يتجاوز 300  مسلح ولم يكن للثائرين في حماة أي امتداد للمدن الأخرى والآن صارت الثورة  على امتداد القطر وسورية الآن متحالفة مع إيران ضد المحيط العربي إضافة لثورة الإتصالات التي لم تكن موجودة وهذا يدل على خلو مركز القرار من المستشارين العاقلين ووجود دور كبير للزعران .

9- فشل النظام في إقناع الناس والعالم أن الحكم علماني وأنه البديل عن الإسلام السياسي في حين أن الحكم حين يكون طائفياً لا يحق له إدعاء البراءة من  استعمال الدين في السياسة.

الوضع باختصار شديد المعارضة السياسية قوية في الشعارات ضعيفة في التأثيروغير موحدة والشارع ملتهب وغير منظم والحكومة مجنونة...

 الوضع الاقليمي والدولي :

1-   تركيا لاتريد تقديم مساعدة جدية للحراك الشعبي لأسباب داخلية تتعلق بالأقلية العلوية في تركيا وكل ما تريده من التدخل في المسألة السورية هو الحصول على دور لها في الشرق لعله يساعدها على دخول الإتحاد الأوروبي .

2- إيران لا تريد أكثر من الحصول على نظام في سورية يؤمن لها الحماية للدولة الإيرانية في جنوب لبنان ولن تجازف في أي حرب لنجدة النظام عند الإمتحان لأن سورية ورقة ضغط بيدها ولكن فقدانها لا يسقط نظامها في إيران.

3- الأميركيون يؤيدون الحراك الشعبي سياسياً ما دام الهدف إقامة دولة ديمقراطية لأن ذلك يصب في المشروع الاستراتيجي الأميركي في نشر الديمقراطية وإنهاء مرحلة الإنقلابات العسكرية لأنها تعتبر هذه الديكتاتوريات واستعصاء الحل السلمي للمسألة الفلسطينية هي السبب في تصاعد الإرهاب الإسلامي. وتقاطع هذه الرغبة الأميركية مع رغبة الشارع بالحرية لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة وراء إنفجار الشعب السوري. وكل ما تشترطه الولايات  المتحدة لدعم الحراك الشعبي هو التأكد من أن الأمور لن تذهب باتجاه  المتطرفين وكل قرارحاسم مؤجل إلى ما بعد الانتخابات الأميركية.

4-  الموقف الروسي والصيني لا يعكس المصالح لهما في سورية بل وجود خلاف دولي حول نظام  القطب الواحد  والدولتان  تريدان الانتقال إلى نظام تعدد الأقطاب ولا مانع لديهما أن تكون الولايات المتحدة هي الأول بين متساوين لا القائد بين اتباع والأزمة السورية أخرجت هذه النوايا إلى السطح وحين يتفقان حول  التعددية الدولية فإن الفيتو حول إنهاء النظام السوري سيتبخر.

5-  الموقف الإسرائيلي يفرحه دائماً الإقتتال العربي الداخلي ولكن في الأزمة السورية هناك فيتو إسرائيلي حول إسقاط النظام ما لم يوفر لها نظام جديد يعطيها الأمان  على حدودها الشمالية كما كان الأمر لأربعين عاماً مضت.

6-  موقف عرب الخليج واضح لأنهم يريدون فك التحالف السوري مع إيران أوالعودة إلى أسلوب التعاون بينهما كما كان الأمر أيام الأسد الأب على الأقل .

7- العراق لايريد تدخلاً لأن الشيعة فيه يؤيدون بقاء النظام في حين أن باقي العراق  يؤيد العكس وهذا جعل الموقف العراقي غير واضح وغير فاعل .

8-   الأردن يؤيد ترحيل النظام ولكن أي تدخل فاعل سيفجر ساحته الداخلية التي تنتظر حدثاً للإطاحة بالملك.

هذا هو الوضع السوري الآن وبدون تدخل دولي جماعي  يفرض حلاً لانتقال السلطة ويضع الضمانات اللازمة للأطراف فإن الحرب ستستمر إلى مدى غير منظور. وهذا التدخل  ليس بالضرورة أن يكون مسلحاً إذا كان بالإجماع. وكما نرى فإن الصراع على سورية عاد مجدداً وربما نحن أمام مسألة شرقية شبيهة بالمسألة نفسها قبل سقوط الدولة العثمانية وبعثرة وحدتها في اتفاقية سايكس بيكو. فهل نشهد انفراجاً أم نحن على طريق الجلجلة لتقسيم سوريا هذا هو السؤال.

15-9-2012

حوارات في جامعة كولومبس


 ذهبت برفقة بعض الأطباء العرب إلى جامعة كولومبس في أوهايو وهي من الأقدم في أميركا كلها والمناسبة هي الاستماع إلى ما يقوله الرئيس الأميركي في جولته الإنتخابية عن سورية فلم استمع إلا لأمور داخلية من التأمين الصحي إلى الإجهاض إلى زواج المثليين إلى البطالة ودور الطبقة الوسطى وقد مر الرئيس على ما يجري في سوريا مروراً عابراً ليس فيه من جديد غير أن على الأسد أن يرحل ولم يعط وعوداً بأي مساعدة عسكرية للمعارضة .

خرجنا من اللقاء إلى قاعات الطلاب ومعنا عدداً منهم من السوريين والعرب وتحلق حولنا طلاب من الحزبين الديمقراطي والجمهوري ودارت حوارات حول الوضع السوري وأسئلة كثيرة عن الحل وسأحاول في هذا المقال ما أمكن أن أستذكر بعضها بإيجاز لكي نعرف كيف يفكرون في الوضع وما هي إنتقاداتهم وما يريدون وما تريد الدول من تدخلها في نزاع داخلي بدأ بريئاً يريد نظاماً أفضل إلى حرب إبادة يشارك الأميركيون مع غيرهم في استمرارها إلى درجة تحولت فيها سورية إلى ما يشبه وضع الدولة العثمانية قبل إنحلالها والتي أخذت يومئذ اسم المسألة الشرقية..

 قلت أن الحراك الشعبي في سورية كان بريئاً ويستهدف الحصول على حرية افتقدها حيث لا يوجد في العالم قانون طوارىء يطبق أحكاماً عرفية لمدة خمسين عاماً.

وقلت أن الحراك الشعبي في تظاهراته السلمية كان يريد تغيير النظام الديكتاتوري إلى نظام برلماني ولا يريد إسقاط الدولة ولا إجتثاث البعث وحدد أهدافه بوجوب ترحيل ومحاكمة المجرمين الذين لوثوا أيديهم بدم الشعب  والذين نهبوا البلد وطالب المتظاهرون بانتخابات تنبع فيها السلطة من صناديق الاقتراع لا من فوهات البنادق  ولكن السلطة واجهت الشعب بالرصاص والاعتقالات والقتل فصرنا إلى ما يشبه حرب إبادة تشنها سلطة مسؤولة عن أرواح  الناس وهذا دفع الناس إلى شراء السلاح الدفاعي البسيط الذي جابهته السلطة بالمدافع والدبابات والطائرات وبكل أنواع الذخيرة المباحة والممنوعة دولياً.

 عند هذه المرحلة  شهدنا هجوماً دولياً على الساحة السورية الملتهبة من بعض الدول العربية ومن إيران وتركيا منضمين لهذا الطرف أو ذاك فصارت المسالة السورية مسألة إقليمية تعكس صراعاً واضحاً بين هذه الدول فتركيا تريد دوراً في الشرق العربي محمولاً على طموحات عثمانية على حساب العرب الذين خرجوا منها وذلك  كله لأن الغرب رفض قبولها في الإتحاد الأوروبي. أما إيران المتحالفة مع النظام السوري من مصلحتها بقاء هذا النظام وتعتبره ورقة من أوراق قوتها كما أنه يحمي الدولة الإيرانية التي أقامتها إيران في جنوب لبنان.

الدول العربية غاضبة من النظام السوري لأنه تحالف مع إيران التي تهدد دولهم ومصالحهم وقد تمتد ثورتها الدينية إلى دولهم بعد أن امتدت إلى جنوب العراق ولكن دعمها للمعارضة السورية ماليّ فقط وإعلامي ولا يمكن تجاوز ذلك بدون موافقة الأميركيين الذين لم يوافقوا بعد.

إسرائيل ضمناً ليس من مصلحتها سقوط نظام وفر لها حماية كاملة لحدودها الشمالية ولكن إذا وجدت بديلاً يعلن استمرار هذه الحالة السلمية فإنها ليست في وارد الحزن عليه .

الأميركيون أيدوا مطالبة السوريين بالديمقراطية لأن هذا يخدم استراتيجيتهم في نشر الديمقراطية والتخلي عن الأنظمة العسكرية التي خلقوها هم أثناء الحرب الباردة وهذا التقاطع مع رغبات المتظاهرين لم يتم بالتواطؤ بل فاجأ حتى الأميركيين ولكنهم اعتقدوا في البدايات أن العقوبات والضغط الدولي يكفي لتغيير الوضع ثم منعوا إمدادات السلاح للمعارضين ولا أحد يفكر كيف بعد الإنتخابات سيتصرفون وموقفهم غير أخلاقي لأنه يساوي بين الجزار والضحية ويعطي الفرص لاستمرار الإبادة.

الروس والصين كل منهما يستغل الأزمة السورية وهدفه الحقيقي من تعطيل  دور مجلس الأمن هو أنهما يريدان الإنتقال من نظام القطب الواحد إلى نظام تعدد الأقطاب ويقبلان بأن تكون الولايات المتحدة هي الأول بين متساوين لا القائد بين أتباع ويجب مشاورتهما في إدارة العالم كما أن لروسيا مصالح عسكرية عبر قاعدتها في طرطوس وسورية هي المشتري الأفضل للسلاح الروسي الصفقات بين ضباط الطرفين كما أنها تطمح لاستثمار الغاز السوري على الساحل.

قال أميركي من الحزب الجمهوري إن تسمية الكتائب المسلحة بأسماء دينية ورفع أعلام القاعدة السوداء تقلقنا وهي بهذا الشكل تخدم النظام الذي يدعي أن المسلحين جاءوا من القاعدة وعليكم تنظيم هذا الظهور بشكل لا يؤذي مصالحكم لكي تحصلواعلى الدعم منا.

قلت إن الإستعانة بالله وبالدين في حروب الإبادة ليس عيباً فالإتحاد السوفياتي استعان بالكنيسة التي قمعها عندما اندفعت جيوش هتلر إلى موسكو واللجوء إلى الله في حالة الظلم المتجذر في وجدان الناس في الشرق ومن لا يستطيع رده يقول لي الله ولكن تنظيم الظهور الإعلامي مسألة يجب الاهتمام  بها لكي لايستفيد منها الذين لا يخافون الله.

طالب عربي سوري عقب على الموضوع بقوله إن الحكم في سوريا يجيش على أساس طائفي ونظم كتائب من شبيحة طائفية وأحكم سيطرة العلويين على الجيش وقوى الأمن فلماذا تقلقون من بعض المظاهر الدينية في التظاهرات ولا تقلقون من التجييش الطائفي في السلطة ؟

طالب من سورية أوضح أن خروج المتظاهرين من الجوامع ليس لأن الحراك الشعبي ديني بل لأن قانون الطوارىء يمنع أي تجمع يزيد على خمسة أشخاص ويعتقلهم في حين أن التجمعات في الجوامع وأماكن العبادة مسموح بها لذلك يكون الاتفاق على مكان لإلتقاء المتظاهرين هناك منطقياً  ولا يجب تفسيره بما هو أبعد من ذلك حتى أن الكثيرين يتجمعون على أبواب الجوامع لا في داخلها وبينهم مسيحيون ومن طوائف إسلامية أخرى.

طالب من ليبيا قال للطالب الجمهوري هل صحيح أنكم تخافون من روسيا  فلا تتدخلون مع أنكم في ليبيا لم تردوا على احتجاجاتها؟ أم هل تخافون من حرب مع إيران تدمر أساطيلكم في الخليج؟؟ قال الأميركي الجمهوري: لا نخاف روسيا ويمكن التدخل ولكن لابد أن نعرف حلفاءنا على الأرض ولمن نعطي ثقتنا وسلاحنا أولاً أما إيران فمضحك أن نأخذ تهديداتها على محمل  الجد وهي للإستهلاك الداخلي فقط وقواتنا قادرة أن تدمر في كل يوم أكثر من ألف هدف إيراني وعند الضرورة نعيدها إلى العصر الحجري.

طالب ديمقراطي قال إننا نشعر بغضب شديد حين يوجه جيش بكل قوته وسلاحه نيرانه إلى شعبه مدمراً كل شيء ونخشى أن تساعد صورة هذه الوحشية الإسرائيليين المتشددين والرافضين للسلام لأنهم يجدون هذه الوحشية مبرراً لخوفهم من السلام مع هكذا شعوب ويبررون حقهم وحدهم في امتلاك الأسلحة المتفوقة بما فيها النووية .

قلت: أريد أن أعرف ما هي الأمور التي تريدونها من السلطة والمعارضة لتساهموا في  وقف حمامات الدم  ؟

قال طالب من  المغرب : نريد منكم أنتم  في سورية أن نعرف ما هي الحدود التي  تقبلونها في حال تدخل المجتمع الدولي لوقف سفك الدماء وتحقيق رغبات شعبكم في الحرية وبعدها ننتظر جواب الأميركيين.

قلت معك حق أولاً لا يمكن بعد هذه المجازر أن يقبل الناس استرداد السلام الداخلي بدون رحيل الرئيس ومجموعة من دائرته المسؤولة عن المجازر ولا أحد يرغب باجتثاث البعث لأنه لم يكن حاكماً منذ أن أطاح العسكريون بقيادته القومية ثم إعادة هيكلة الجيش باتجاه حياده ثم إجراء الإنتخابات انطلاقاً من دوائر صغيرة وهي الأقرب لتمثيل كل النسيج السوري وكل الأحزاب السياسية والمجلس سيضع الدستور الجديد البرلماني أو يعيد  دستور 1950 ولا أحد يقبل بأي أعمال انتقامية طائفية وستقمع فوراً.

قال الأميركي الجمهوري الأميركيون يريدون فك التحالف السوري مع إيران ولا مانع لديهم من علاقات تعاون كما كان الأمر أيام والد الرئيس الحالي ويريدون سلاماً واستقراراً للديمقراطية في لبنان وتسليم سلاح حزب الله للجيش اللبناني وله الحق بالعمل كحزب سياسي وعلى سورية أن تكف عن التدخل في لبنان وعن إادارة الإغتيالات فيه ولا مانع من إعلان حياده عربياً . .

سأل طالب عربي من لبنان هل الأميركيون يؤيدون قيام دولة علوية في الساحل إذا تفاقمت الحرب الأهلية فقال الطالب الديمقراطي لا أعتقد أن تقسيم سورية سيوقف الحرب .

قلت لا يمكن هذا التفكير لأن أبناء الجبل أعطوا دولة علوية  ورفضوها ووطنية العلويين  فوق كل شك إلى درجة أن دمشق استسلمت للفرنسيين بعد مقاومة في ميسلون مدتها ثماني ساعات في حين بقي الشيخ صالح العلي يقاتلها ثلاث سنوات ورفض إغراءات كثيرة بحكم ذاتي وقال للمستشار الفرنسي أنه يرفض لأن الله تعالى قال في كتابه الكريم (ولاتركنوا للذين ظلموا فتمسكم النار).

وسألت عما هو منتظر من واشنطن بعد أن تفرغ من انتخاباتها فقال الديمقراطي إن أي  تدخل عسكري لن يحصل ولكن القيود على بيع السلاح للمعارضة سترفع وتدبروا أموركم  وستنجحون .

وقال الجمهوري بدون إجماع دولي لن نتدخل لا نحن ولا أوروبا وتكفينا دروس التدخل السابقة والعقوبات والضغط السياسي والإقتصادي ممكن وكما نعتقد أن النظام بدأ يفلس ويهرب داعموه من التجار والمنتفعين وحين يسقط توقعوا مساعدات كبيرة لإعمار بلدكم وحماية الديمقراطية.

انتهى الحوار عند هذا الحد فقلت للطلاب العرب ونحن نغادر الجامعة أن توحيد ألوية الجيش الحر وقيادته وتنظيم شعاراته وأعلامه أهم بكثير من الركض  وراء معارضة سياسية في الداخل والخارج لاتملك سلطة القرار التي صارت في الشارع وحده والمهم أن يرحل النظام بالتي هي أحسن وأن لا تتقسم سوريا وكل ما عدا ذلك تافه ومن التفاصيل.

                                                            

31\10\2012

 

 

 

 

التعدديات السورية وآفاق المستقبل

 

كان مدحت باشا والياً على بلاد الشام وكان رجل دولة ومتنوراً فكتب إلى السلطان ما معناه أن في بلاد الشام أكثر من 26 دين وملة وطائفة وعنصر وأن حكم هذا البلد على قاعدة واحدة يخلق حالة قهر ويفجر الثورات ولا بد لكي يتحقق الاستقرار من مراعاة هذه الخصوصيات واحترامها .

كان جواب السلطان الموافقة وتحقق فعلاً الاستقرار في جبال العلويين وفي لبنان حيث قام  حكم شبه ذاتي ينفذ مطالب السلطنة عن طريق إشراك أبنائها في الإدارة.

ما يهم الآن أن نقر أن هذه التعدديات هي وليدة تاريخ طويل فلا أحد استورد هذه التعدديات ولا مستعمر جاء بها ورحل هي موجودة كجزء أصيل من النسيج السوري ولا تقبل الاقتلاع  ولا يمكن قمعها ولا إلغاء استحقاقها الوطني ولأن الوضع هو كذلك فإن التعايش بين أطيافها كان أساسياً وتناقلته الأجيال وصمد بمواجهة متطرفين أرادوا اغتياله .

أي تعددية في سورية لا تستطيع أن تقفز على هذا الواقع وأن تستولى على السلطة باسم تعدديتها لأنها بذلك تؤسس لحروب طويلة وتعتدي على التوافق التاريخي على العيش المشترك.

العثمانيون حين فرضوا لغتهم وأرادوا تتريك العرب قامت بوجهم الثورة لأنه لايمكن لأي عنصر أن يلغي بالقوة العناصر الأخرى.

وحين  في لبنان  حاول  الموارنة  احتكار القيادة  في بلد تعددي واجهتهم الثورات  حتى عادوا  الى التوافق  والتعايش الوطني  لانه  لابديل  عنه  والغاء الاخر  غير ممكن لا بالقوة  ولا بالسياسة.

وحين حاولت السلطة بعد 1963 تعريب المناطق الكردية وتهجير الأكراد واستيراد البدو ومنحهم الأراضي  كان ذلك اقتلاعاً لعناصر موجودة بفعل التاريخ  ومثل هذه السياسة  تمثل عنصرية عربية شوفينية أدت إلى انتفاضات كردية مشروعة ولا يمكن توقفها إلا  على قاعدة الحق في الوجود والإعتراف بخصوصيتها في إطا ر وطن موحد  وديمقراطي  وحر.

 وحين قام الأسد بتركيز السلطة  في مجموعات عائلية وطائفية ليحمي حكمه متخلياً عن (برداية) البعث السياسية انكشف كحكم طائفي فقامت الثورة لا لإلغاء الطائفة العلوية وحقها في الوجود كما يزعمون بل لمنع العسكريين من أبنائها من احتكار السلطة لأن هذا غير مقبول في مجتمع تعددي إذا أراد الأمن والاستقرار فلا سبيل إلى ذلك إلا بالعيش المشترك.

في الحراك الشعبي اليوم نسمع أصواتاً متطرفة تريد حكماً من لون آخر ولا تريد  ديمقراطية وتهدد بالإلغاء فترتكب غلطة تاريخية وتكرر مواقف أثبت التاريخ فشلها لأن  البلد التعددي لا طريق أمامه للعيش سوى الديمقراطية التي تنبع السلطة خلالها من  صناديق الإقتراع لا من الأديان ولا الطوائف ولا العناصر لأن هذه الديمقراطية تعطي لكل صاحب حق حقه حسب نسبته وقوته في العمل السياسي .

لقد فشلت محاولات العسكر الإستيلاء على السلطة وفشلت نظريتهم أن السلطة تنبع من فوهات البنادق والذين الآن يعتقدون أن السلاح يعطيهم الحق في الاستيلاء على السلطة مجدداً من بنادقهم يقعون في خطأ الاستنتاج وسيفشلون.

كفانا عسكراً وضباطاً وأسلحة نحن بحاجة لفسحة يستطيع العقل فيها أن يؤسس دولة  وطنية لكل التعدديات ويحترم خصوصياتها في إطار دستور وطني لا يمثل الأديان  والطوائف والعناصر بل يمثل كل النسيج السوري التعددي فيسود السلام وتنتصر الحرية.  

نريد جيشاً يحمي الديمقراطية والتعايش ولا يقفز عليهما لأي سبب ولا تكون سورية ملكاً للجيش وطموحات ضباطه بل يكون الجيش ملكاً لسورية وخاضعاً لإرادتها السياسية.

فهل نحن على هذا الطريق الديمقراطي أم ترانا نستمر في اجترار تاريخ الخوف ونبحث  عن عسكر جديد يجلدنا ويسلب حريتنا ويهجرنا ؟؟  هذا هو السؤال .

12-12-2012

 

 

 

 

ليس شخصاً واحداً يرحل يكفي


ليس شخصاً يرحل يكفي لحل الأزمة السورية ومن يعتقد ذلك يخطىء التحليل ويحجم الأزمة ويربطها بشخص متجاهلاً الشبكة  المعقدة التي أقامها نظام حافظ الأسد والتي تم عبرها توزيع كل قيادات الجيش وأجهزة الأمن على عناصر من الأتباع من العائلة إلى العشيرة إلى غيرهم من العشائر المضمونة الولاء ثم إلى تحالف اقتصادي مع تجار كبار في حلب والشام مهمتهم فك أي تحالف محتمل مع الشعب حين ينفجر وخاصة اليمين الديني.

المشكلة ليست شخصاً يرحل وينتهي الأمر فقد رحل حافظ الأسد ولم يرحل النظام لأن الشبكة قادرة على صنع أي بديل ما دامت عناصر القوة والقيادة في الجيش والأمن معها وقد استخدمت الابن بشارعلى ضعف خبرته وتكفلت هي في إدارة الدولة تحت اسمه  كستارة لشبكة حاكمة تسترت بحزب البعث حيناً ثم تخلت عنه إلى حكم عائلي أو طائفي علناً حين واجهها الإنفجار الشعبي السلمي ولم تنجدها الملايين من المسجلين في حزب البعث !

بشار الأسد ولد في دمشق وتعلم وحمل عقليتها الوسطية وحين طرح أفكاراً جيدة في ربيع دمشق واجهته الشبكة بالعنف والتهديد فذهب بعيداً عن الربيع إلى الاعتقالات وأطاع وبرر لكي يبقى ولا يتم ترحيله.

الصلاحيات الاستبدادية في دستور الأسد الأب صيغت على مقاسه كشخص مسيس وداهية فكانت ثوباً فضفاضاً على مقاس ابنه.  والرئيس الذي يملك كل الصلاحيات يصبح مسؤولاً عن أصغر الأخطاء في مؤسسة الحكم لذلك فإن كل جرائم الشبكة العسكرية الأمنية الحاكمة تم ترحيلها إلى الأسد الإبن إلى درجة ظن الكثيرون من المعارضين المسلحين أن إزالته من الطريق  تكفي لكي تشرق شمس الحرية على البلد مع أن ذلك لا يحقق سوى اختراق  بسيط لايحل المشكلة ما دام بإمكان الشبكة استخدام أي آخر كستارة للشبكة لكي تستمر في الحكم  والقهر.

 هذا في النظام أما في الدولة فقد وزعت الشبكة الأقرباء على أجهزة الدولة المدنية وربطتهم بمخابراتها فتحكموا في السفارات والشركات والقضاء والمالية والإعلام صحفاً وتلفزيوناً وحتى في المطربين من النوع الهابط  فصار هناك ارتباط بين النظام وأجزاء كثيرة من الدولة بحيث يصعب في المستقبل الفصل بينهما. لذلك يكون صحيحاً ضرورة تركيز المعارضة بشقيها السلمي والعسكري على إعادة التوازن إلى الجيش وأجهزة الأمن ومفاصل الدولة لا على تحديد المشكلة بالشخص الذي إذا رحل أو قتل لن يغير من الأمر شيئاً يذكر.

أي تفاوض أو حوار يجب التركيز فيه على إعادة التوازن وتفكيك المنظومة العسكرية والأمنية وترشيدها عبر التوازن لا تدمير بنيتها وكذلك مؤسسات الدولة  بحيث يبقى الأفضل كفاءة دون تمييز طائفي أو ديني وبشرط القبول بوطن لاتحكمه طائفة بل فقط تحكمه ديمقراطية تأتي فيها السلطة من صناديق الاقتراع لا من فوهات البنادق.

وكما يبدو نحن بحاجة إلى مساعدة دولية ترعى إعادة التوازن وتنشر الطمأنينة وتكفل وحدة البلد وهذا هو الأمر المتقدم على رحيل شخص ينسب اليه كل شيء مع إنه عملياً ستارة لشبكة تتحكم بالبلد وهي هدف الثورة مع سؤوليته لأنه لم يستخدم صلاحياته للإصلاح حين كان ذلك ممكناً فإنه ليس إلا رجلاً يرحل ويأتون بغيره فأولاً تفكيك الشبكة بالقوة أو برعاية دولية وما عدا ذلك من التفاصيل. فهل نعيد ترتيب الأوراق هذا هو السؤال؟

01\03\2013

 

أقلية مسلحة وأكثرية معارضة بلا سلاح

 

حول مسألة من يمثل المعارضة كانت هناك وجهات نظر مختلفة من المفيد مناقشتها.

هناك من يدعو إلى حصر التمثيل والقرار السياسي بالقوى المقاتلة لأنها تقدم الشهداء وهي التي تعمل على إسقاط النظام.

عندما بدأ الحراك الشعبي السلمي كان جدار الخوف الذي بناه النظام بالقتل والاعتقالات كبيراً فهدمه الشباب في زمن قياسي مدهش فانفجرالوضع الشعبي وحشدت التظاهرات في مدينة حماة أكثر من أربعمائة ألف في ساحة العاصي .

وطبعاً كانت هناك حشود كبيرة في كل سورية الأمرالذي عالجه النظام بالقتل والاعتقال والتعذيب وانتهى إلى استخدام الجيش ضد الشعب كما لو كان النظام في حرب حقيقية ضد الأعداء الصهاينة الذين نعموا بالأمان في ظل النظام لأربعين عاماً . بالمقابل كان الرد الشعبي المسلح على هذه المجازر عملاً بطولياً لقي تأييداً كاسحاً .

بعض المعارضين لم يكونوا موافقين على عسكرة الإنتفاضة لأن النظام يدفع إليها ليبرر القمع على طريقة ما جرى في حماة عام  1982 .

 وهكذا صار في الساحة معارضون يخوضون حرباً ومعارضون بلا سلاح ولكن يمدون المقاتلين بالدعم و قدرتهم على استعمال سلاحهم في التظاهر لم تعد ممكنة للأخطار التي  سيطرت على الوضع كما أن أكثر القيادات السلمية غادرت البلد إلى الخارج لتلعب دوراً سياسياً مطلوباً وكان هذا بموافقة المعارضة المسلحة التي أقامت بواسطتهم جسراً مع العالم كان ضرورياً للحصول على الدعم العسكري والسياسي . وبالمقابل كان هناك معارضون لم يغادروا ولكن دورهم كان إعلامياً فقط لأن القمع طال بعضهم ولكن يجب احترام مجازفتهم في البقاء وعدم تخوينهم لأنهم لم يغادروا.

هذا الوضع جعل المعارضة المسلحة وعددها لا يتجاوز المئة ألف مقاتل تتحرك بسهولة  في حاضنة شعبية معارضة غير مسلحة هي بالملايين وهذا يعني في التحليل السياسي أن القوة الحقيقية يتقاسمها المقاتلون والمعارضة السلمية الحاضنة غير المسلحة.

السياسيون غير المسلحين في الخارج والداخل قليلوا التاثير عسكرياً ولكن يمثلون الشريحة الأكبر من المعارضة ومن كل الطوائف والأديان بما في ذلك الأخوة من العلويين.

لا أريد أبداً أن أنتقص من دور المقاتلين الذين يضحون بشجاعة وإيمان لايمكن إلا أن يكون عندنا محترماً ومقدساً لذلك لابد من تقاسم الدور وحق التمثيل بين عسكر المقاومة  والمعارضة التي تقاتل معهم بالوسائل السياسية والانسانية وبالموجز أدعو إلى التنسيق بين الجميع والاتفاق على مركز واحد للتحدث باسم الشعب واحترام حركته السياسية التي هي  قتال بالسياسة في عالم كل الدول تتدخل في الأزمة لتحقيق مصالحها ولوعلى حساب الدم السوري وفقدان الاستقلال .

 أيها المقاتلون أنتم بدوننا سيدوسكم النظام ونحن بدونكم سنداس ويتم إعادتنا إلى بيت الطاعة الذي خرج شبابنا لهدمه مع كل رموز الإستبداد.

الجيش الحر الموحد هو أملنا ويجب أن يكون للجميع لكي يكون الجميع معه ولكن ليكن أن مفهوماً أن هذا الجيش هو ملك لسورية الجديدة وسورية ليست ملكاً له وحده وبمقدار ما يكون كذلك فإننا معه مهما كبرت التضحيات فهل نوحد الصوت ونحترمه ونعطيه حرية الحركة السياسية لا أن نتبادل الاتهامات التي تفقدنا ثقة العالم وهل نتحاور على بعض المواقف بسرية وبعيداً عن الإعلام أم ترانا نتابع الأخطاء المدمرة ثم نبكي على الأطلال؟   هذا هو السؤال.

9-2-2013

 

 

 

 

 

 

 

الأحزاب ودور القوات المسلحة

 

منذ أكثر من نصف قرن كان أول انقلاب عسكري في سورية والذي قادة الزعيم حسني الزعيم عام 1949 ثم انقلاب الحناوي عليه بعد عدة أشهر إلى انقلاب أديب الشيشكلي الأول والثاني إلى الانقلاب العسكري الذي أدى إلى الوحدة مع مصر ثم إلى انقلاب الانفصال 1961 ثم إلى الانقلاب عليه في الثامن من آذار 1963 ثم الانقلاب الآذاري على نفسه مرة على يد صلاح جديد ومرة على يد سليم حاطوم وأخيراً الحركة التصحيحية على يد الرئيس حافظ الأسد ثم انقلاب رفعت الأسد ثم انقلابات عديدة أحبطت ..

هناك ظاهرة مشتركة في كل هذه الانقلابات هي ظاهرة تدخل الجيش في السياسة وإلا لما كان هناك من حاجة لهذا الاستمرار المتواصل للانقلابات .

وهناك ظاهرة أخرى هي ضعف المجتمع المدني وأحزابه وإلا لما أمكن أبداً أن يتقدم الدور العسكري إلى هذا المدى وهذا الزمن الطويل .

هذا الوضع يستدعي وبعد أكثر من نصف قرن على هذه الأحداث أن يقوم السياسيون وأن تقوم أحزابهم بمراجعة ونقد ذاتي وأن يتم من خلال ذلك البحث في كيفية إقامة دولة وطنية ديمقراطية تكون منارة للحرية في هذا الشرق الذي أتعبه الاستبداد السلطوي والديني معاً .

ما هو مؤكد أن جميع أحزاب الساحة مسؤولة عن تدخل الجيش في السياسة .

كل حزب سياسي كان له ضباط يؤيدونه في الجيش إلى درجة يمكن بسهولة أن نعرف أن للحزب الشيوعي كتلة وللحزب القومي السوري الاجتماعي كتلة وللاشتراكيين كتلة وللمستقلين كتلة ولحزب الشعب كتلة وللحزب الوطني كتلة دمشق ..

وما هو مؤكد أن كتلة الاشتراكيين كانت الأقوى وخاصة بعد انحسار دور كتلة الحزب القومي وخاصة أيضاً أن عدنان المالكي الذي يقود كتلة الضباط الشوام كان على وفاق مع الاشتراكيين. لذلك بدا وكان هذه الكتلة وحدها تتدخل في الجيش ولم يكن هذا صحيحاً .

الآن وبعد هذه التجربة فإن الفكر السياسي اتجه إلى ضرورة الاتفاق على دور القوات المسلحة في العمل بحيث يكون لها دور قومي وتسأل قيادتها في شؤون الحرب ولا يكون لها أي دور يومي يتعلق بالحياة السياسية التي تتولاها الأحزاب ومؤسسات الحكم .

ويقوم هذا الفكر على أساس أن الجيش هو ملك لسورية وليست سورية ملكاً للجيش وأن مهمته هي الدفاع عن الوطن وحمايته من العدوان الخارجي وتحرير الأرض وفي الأزمات والكوارث يشارك في حماية المؤسسات الدستورية والاستقرار .

وعلى هذا الأساس يتقدم الفكر السياسي الذي يدعو إلى حياد القضاء وحياد الجيش على كل فكر آخر ويزداد المؤيدون لهذا الاتجاه مقتنعين لا مجبرين أن هذا هو في صالح إقامة الدولة الوطنية وتحقيق الاستقرار .

من ناحيتنا نحن الاشتراكيين العرب وقد اتهمنا بالتدخل في الجيش قمنا بإعادة تقييم لتلك المرحلة التي كانت مبرراتها أن يساند الجيش التقدمي الحركة الوطنية الاستقلالية وقلنا أن هذا أدى إلى سيطرة عسكرية على السياسة في مختلف المراحل ولم نحصد خيراً وأضعفنا الحركة السياسية والدولة الوطنية وأدى إلى سيادة الحكم العرفي على البلد لمدة نصف قرن حتى الآن .

وقد دعونا أحزاب الساحة كلها والتي كانت لها كتل في الجيش أن تحذو حذونا وأن تعتذر للشعب عن هذا التدخل وأن تدعو إلى قضاء محايد وجيش وطني محايد ..

إنني باسم حركة الاشتراكيين العرب اعتذر للشعب السوري عن هذا التدخل وأدعو إلى عدم تكراره وأدعو أحزاب الساحة من الشيوعيين إلى القوميين إلى الأخوان إلى الشوام إلى غيرهم للاعتذار .

بناء دولة وطنية حرة غير مرتبطة بالأحلاف ولا قواعد عسكرية لأحد فيها ولا يسودها الحكم العرفي ولا أحد من أحزابها يشعر بالقهر هو هدف يجب أن نسعى إليه وأن نعتذر عن أخطاء الماضي ليس من أجلنا بل من أجل أبنائنا والأجيال القادمة .

فهل يعتذر الآخرون .. هذا هو السؤال ؟؟

28\8\2008

 

 

لماذا دستور 1950؟

 

من باب النقد الذاتي من المفيد أن ننقد التجربة لكي لا تتعثر ولكي لا تسقط بسبب أخطاء ارتكبت عن حسن نية أو نتيجة لطفولة سياسية لم يردعها أحد.

 المعارضة بشقيها الداخلي والخارجي دعت إلى دولة ديمقراطية مدنية ولكن دون أي تفصيل أو تقنين الأمر الذي جعلا الشعار غامضاً وخاضعاً  لتفسيرات مختلفة لا تدل على الاتفاق على شكل الوطن الذي نريد.

لايمكن قيام ثورة على مجرد شعار (إسقاط النظام) ولا بد من مشروع سياسي يمكن تجميع أغلب الناس عليه ولا يسمح لأحد أن يغتال النضال الديمقراطي أو يحرفه عن اتجاهه كما لايمكن تشكيل حكومة في المنفى أو الداخل بدون دستور متفق عليه لإدارة دفة الحكم ولو في المرحلة الإنتقالية .

وحين طرحنا دستور 1950 للمرحلة الإنتقالية فليس ذلك إلا لتفادي تعدد المشاريع  المبكرة ولمن لا يعلم في السياسة السورية نوضح معنى إعادة دستور 1950.

منذ مرحلة الإنقلابات العسكرية كان في سورية مدرستان المدرسة العسكرية التي تعتقد أن السلطة تأتي من فوهات البنادق والمدرسة الديمقراطية وترى أن السلطة تنبع وتتداول من صناديق الاقتراع .

دستور 1950 وضعته جمعية تأسيسية منتخبة وتوافقت عليه  جميع أحزاب الساحة بما فيها الأخوان المسلمون وحزب البعث  .

كان هدف كل انقلاب عسكري هو إلغاء هذا الدستور وكان كل سقوط للحكم العسكري يؤدي إلى إعادة العمل بهذا الدستور وفي التفاصيل الخبر اليق